الإسلام السياسي في الجزائر ولعبة السلطة

الخميس 2014/09/04

لماذا تحول الإسلام في الجزائر إلى ظاهرة سياسية بعد الاستقلال على نحو يناقض تقاليده في مرحلة التحرر الوطني؟ ومن المسؤول على هذا؟ وما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تشبث النظام الجزائري بالدين ومأْسَسَتِه كجزء عضوي من بنيته؟ وكيف نفهم ظاهرة تفكك التيار الإسلامي الجزائري إلى عدد كبير من الأحزاب، بعد إقصاء حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية من المسرح السياسي نهائيا وجراء معاناة تصدعات العشرية الدموية المأساوية؟

من المعروف أنّ الجزائر المعاصرة في فترة الكفاح التحريري لم تعرف الإسلام السياسي الراديكالي المتطرف، الذي عرفته ابتداء من فترة الثمانينات من القرن الماضي.

في مرحلة التحرر الوطني، ارتبط الإسلام في الجزائر بالهوية الثقافية والمنظومة التعليمية، وتمَ ذلك عمليا على يد جمعية المسلمين الجزائريين التي أكدت خلفيتها التاريخية ومضامين نشاطاتها وعقيدتها أنها قد “تأسست يوم 5 مايو 1931 في نادي الترقي بالعاصمة الجزائرية على يد الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس إثر دعوة وُجهت إلى كل عالم من علماء الإسلام في الجزائر، من طرف هيئة مؤسسة ومؤلفة من أشخاص حياديين ينتمون إلى نادي الترقي غير معروفين بالتطرف، ولا يثير ذكرهم حساسية أو شكوكا لدى الحكومة، ولا عند الطرقيين. وقد أعلنوا: أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع، ولا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها”.

لقد كان العمل التربوي التعليمي الهاجس المركزي لهذه الجمعية، وتجسد في تأسيس المدارس لتعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية في البلاد، كما أنها ارتبطت، بالتالي، بالمراكز الإسلامية المعتدلة مثل جامع الزيتونة في تونس، والأزهر في مصر، وبالتوجهات الدينية كبعد روحي وثقافي في عمق العالم الإسلامي.

وفي عهد رئيسها الثاني الشيخ البشير الإبراهيمي دعت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سلطات الاحتلال الفرنسي إلى فصل الدين عن الإدارة الفرنسية، وجعله شأنا شعبيا ومدنيا محضا، ولقد وُثَق كل هذا في المجلدات التي تضم كتابات هذا المصلح الديني الجزائري.

ولكن عهد الاستقلال قد أدار الظهر لهذا التراث بواسطة إنشاء النظام الجزائري لنمطين منفصلين تماما من التعليم في الجزائر المستقلة، أحدهما ديني وثانيهما دنيوي. لقد لعب هذا الفصل دورا محوريا في خلق رأسين متوازيين في المنظومة التربوية، الأمر الذي أفقد الدولة القدرة على التأسيس للهوية الموحدة، ومن نتائج هذا التوجه بروز نوعين من الأجيال واحد دنيوي شعار هويته المتخيلة أو المتوهمة في أغلب الأحيان هو لبس “البرنيطة”، وآخر ينحو نحو الأيديولوجيا الأصولية الإسلامية رويدا رويدا ويعلن عن هويته بالعباءة والعمامة.

في عهد الرئيـس الراحـل هواري بومدين، بدأت عملية ما كـان يسمى بالاشتـراكية الجزائرية، وفي ذلك الوقت بالذات شـرع التيار الإسلامي مرة في العلن، ومرات في السر، في إظهار امتعاضه من ذلك التوجه الأيديولوجي رغم أنه كان محتشما، وبدأت بوادر إعلان التيار الإسلامي أن ذلك الخيار السياسي متناقض مع العقيدة الإسلامية.

لم يقدر ذلك التيار على الاصطدام بالسلطة التي كانت أسنانها الفولاذية تقبض على كل شيء، وعندما توفي بومدين تسلم الشاذلي بن جديد الحكم بمعية فريقه، وبدأ في برنامج تفكيك منظومة اشتراكية بومدين الهشة أصلا وفصلا، وكان ذلك المسعى بمثابة مغازلة، غير مباشرة، للتيار الأصولي الإسلامي المعادي لكل ما هو “أحمر” حتى لو كان مجرد شبح.

في هذه الأثناء انطلق هذا التيار في الإعلان عن وجوده السياسي خاصة في هوامش فضاء مؤسسات التعليم العالي، وأذكر أن الشيخ عباسي مدني، الذي أصبح فيما بعد زعيما لحزب جبهة الإنقاذ الاسلامية، وترسانته من الناشطين معه قد كشفوا جميعا عن أنفسهم بجلاء عن طريق إلقاء المحاضرات الرافضة جهرا وبقوة لما تبقى من فسيفساء عقيدة نظام بومدين.

وهكذا توجت تحركات هذا الفريق فيما بعد بتفجير الوضع السياسي، الأمر الذي جعل نظام الشاذلي بن جديد يرضخ ويقبل بالتعددية الحزبية، وكان طرفها الأقوى شعبيا وتنظيميا هو التيار الذي كان يقوده الشيخ عباسي مدني.

ومن نتائج هذه الهيمنة دخول البلاد في انتخابات برلمانية لم يتم الاستعداد لها نفسيا وتنظيميا، وفاز بمرحلتها الأولى حزب جبهة الانقاذ، وسرعان ما ألغيت إلغاء تعسفيا، وتمخض الموقف عن صراع مسلح دموي شرس بين النظام الحاكم، وبين الإسلاميين الإنقاذيين.

إن حل هذا الحزب تزامن مع إطلاق شرارة إنشاء أحزاب بالعشرات منها أحزاب ظاهرها مدني وباطنها إسلامي. هنا لجأ النظام إلى استراتيجية محكمة، وهي استراتيجية استقطاب هذه الكتلة من الأحزاب الإسلامية القوية إلى التحالف الرئاسي في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وكان تكتيكها الساذج هو العمل من داخل السلطة، ثم تحيّن الفرصة للوصول إلى سدة الحكم، ولكن النتيجة كانت عكسية تماما حين أكلت استراتيجية النظام الحاكم قطط تكتيك الإسلاميين الذي فقد صفة المعارضة للنظام.

وفي خصوص تعقيدات واقع الأحزاب الإسلامية الجزائرية قال الباحث الجزائري اسماعيل مهنانة: “أعتقد أن تجربة الإسلام السياسي في الجزائر، لم تُدرس علميا بالشّكل الكافي إلى حد الآن، وهي تجربة مميزة ونموذجية في فهم الظاهرة في كل العالم العربي، وقد مر الإسلاميون في الجزائر بثلاث مراحل تكون قد استنفدت كل إمكاناتهم السياسية والاجتماعية، أقصد مرحلة القتال المسلّح ضد الجيش التي خاضها الجيل الأول، ثم مرحلة الإخوان التي دخلت في اللعبة السياسية مع النظام، ثم جيل السلفية الإعلامية الأخير الذي يستهدف الظهور الإعلامي وبهرج المظاهر فقط.

يبدو أن الإسلام السياسي في الجزائر وصل إلى حدوده القصوى، إذ أنه لم يعد له شيء يصدره للجماهير، فقد انهزم عسكريا ضد الجيش، وسياسيا في مشاركته النظام للحكم والفساد، وأخلاقيا في اصطفافه العدمي الأخير وراء منظومة قيم رجعية. هذا لا يعني أن الأحزاب الإسلامية ستختفي بسرعة، بل قد تعمّر لعشرات السنين الأخرى، مثل الأحزاب الشيوعية التي واصلت البقاء بعد انهيار الشيوعية.

لكن تأثيرها في المجتمع والسلطة والقرار سيتضاءل شيئا فشيئا في الجزائر أولا، ثم في باقي العالم العربي. يبدو أن النظام قد نجح ولو مؤقتا في إفراغ هذه الأحزاب من محتواها، عن طريق تبنّي السلطة لسياسة الاستحواذ على المعطى الأيديولوجي للإسلاميين أنفسهم”.

أما محمد أزرقي فراد الباحث في التاريخ والعضو السابق في البرلمان عن حزب القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد فقد علق على هذا الوضع كما يلي: “لا أعتبر تعدد الأحزاب الإسلامية انقساما، بل هو أمر عادي ينسجم مع الفكر الديمقراطي، الذي ينبني على الاختلاف في المفهوم والرؤى الخاصة بالمرجعيات. بدليل أن المرجعيات الأخرى- كالليبرالية مثلا- تتشكل من أحزاب متعددة في أوروبا وأميركا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفكر الاشتراكي.

لكل مرجعية فكرية سياسية مستويات مختلفة (اليسار/ الوسط/ اليمين). ثم إنه صحيح أن الأحزاب الإسلامية كانت تكفر بالديمقراطية عند ظهورها، ولكن بمرور الوقت ونتيجة للاصطدامات الدموية التي وقعت بينها وبين الأنظمة السياسية القائمة في العديد من الدول العربية، ونتيجة لتراجع شعبيتها بسبب الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها بعض أطيافها كالجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، أدركت معظم الأحزاب الإسلامية أنه لا مفر مـن قبول الديمقراطيـة كوسيلة للحكم، ولعل أبرز مثال لهذا التحـول الإيجـابي الـذي عرفه التيار الإسلامي في الجزائر هو جلوس العلماني والإسلامي جنبا إلى جنب في ندوة “زرالدة” المنعقدة في جوان المـاضي من أجل توحيد جهود المعارضة في سعيها نحو تحقيق التغيير السياسي بسلاسة.

على أيّ حال يبقى النظام الاستبدادي الهاجس الأكبر للشعوب العربية، التي حوّلها إلى رعايا محرومة من المواطنة والسيادة والحريات الأساسية”.


كاتب جزائري

9