الإسلام السياسي في السودان: التاريخ والخصوصيات

الاثنين 2013/09/23
حسن الترابي أحد أكبر الفاعلين الإسلاميين محليا وإقليميا في السودان

ستون عاماً هي عمر التنظيم الإسلامي العريق في السودان، وفيها مرّت الحركة الإسلامية بتحولات كبيرة أولها تحوّلها من حركة فكرية إسلامية إلى حركة سلطوية بمجيء حكومة الإنقاذ الحالية من تحت جناحها.

وثانيها هو ما يمكن إرجاعه إلى كينونة الانتماء في سؤال عضوية الحركة عمّن هم أولى وأحقّ بحمل لواء التجديد للحركة الإسلامية السودانية وترسيخ سلطتها: هل هم أبناؤها المستبعدون الذين انتصبوا في تحالف جديد أم إخوانهم القابضين على نعيم السلطة.

في كلا الحالتين فإنّ الأمر لا يعدو أكثر من كونه ترسيخاً جديداً لنظام سلطوي قد تقوم قائمته بمثل ما فعلت حكومة الإنقاذ عند مجيئها للحكم على ظهر دبابة عسكرية منقلبة على نظام ديمقراطي ومحروسة ببركات الإسلاميين عام 1989، أو في حالة أخرى محتملة هي لجوء الحركة الإسلامية إلى استخدام الديمقراطية للوصول إلى السلطة.

وفي قراءة لتاريخ الحركة الإسلامية في السودان نجدها قد نشأت في بداية أربعينات القرن الماضي كأحد الأحزاب الراديكالية التي يتميز مذهبها المحافظ بالتصلب، وذلك في مواجهة حزب راديكالي آخر نشأ في ذات الفترة وهو الحزب الشيوعي السوداني. وقد سعت الحركة الإسلامية السودانية منذ نشأتها في ذلك الوقت في أوساط طلاب المدارس الثانوية والجامعات، لأن تكون ذات تأثير اجتماعي وسياسي.

تلك البداية كانت تأثراً بحركة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا عندما قام بتشكيل جماعة «الإخوان المسلمين»، وتم نقلها إلى السودان بواسطة الطلاب السودانيين الذين درسوا في مصر في ذلك الوقت فعادوا مشبعين بالفكر الإخواني ولم يتوانوا عن نشره في الجامعات السودانية.

منذ بداياتها لم تضع الحركة الإسلامية السودانية نفسها في مقابلة الحركة اليسارية الناشئة آنذاك فحسب، وإنّما رأت أنّها الأولى بالإجابة عن السؤال الوجودي المتعلق بالعدالة الاجتماعية والذي كان هاجساً أثاره القلق الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. وهذا ما خلق الشكل التنافسي الذي وصل مرحلة العداء بين التوجهين رغم وقوفهما على نفس الأرضية من المفاهيم الاشتراكية.

وذلك بالإضافة لوقوفهما أيضا في مواجهة إقطاعية الأحزاب التقليدية السودانية مثل حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي.

ولكن نجد أنّ الحركة الإسلامية والحزب الشيوعي وقفا على طرفي نقيض فيما يتعلق بأساليب النضال، فقد أبعدهما الاستعمار البريطاني في السودان عن العمل السياسي ليعود ويعترف بهما بعد استقلال السودان عام 1956. وبينما انزوى تنظيم الإخوان داخل الصراع الأيديولوجي مع الحزب الشيوعي السوداني، عمل الحزب الشيوعي على تمثيل قوى المعارضة الوحيدة الحديثة والمنظمة والتحم مع الحركة الوطنية السودانية.

استفادت الحركة الإسلامية السودانية من هذه التجربة وعزمت على العمل على هدف تحقيق التأثير الاجتماعي والسياسي وذلك بانتهاج العمل التنظيمي تحت عدة مسميات، هي جبهة الدستور الإسلامي، جبهة الميثاق الإسلامي، الجبهة الإسلامية القومية ثم أخيراً في المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض له.

وقد صاحب ذلك التحول من تنظيم حركي أيديولوجي إلى حزب سياسي، الكثير من البراغماتية التي أذابت صلابة الحركة الإسلامية وأكسبتها بعض المرونة.

وبقدر أخف مما انتهجته حركة الإخوان المسلمين في مصر بإعلائها من الجانب المتعلق بالإيمان والكفر، فقد انشغلت الحركة الإسلامية في السودان بالعمل السياسي مبكراً.

وكان ذلك بسبب ظروف السودان السياسية في تلك الفترة، ونسبة لتبني حركة الإسلام السياسي في المنطقة لأفكار ترعرعت في كنف مقاومة الاستعمار والموجات التحررية لتتخذ من العدالة الاجتماعية وضرورة تقرير المصير الثقافي بعد نيل الاستقلال أحد أهم أهدافها.

في عقودها الأربعة الأولى كان يطغى على أنشطة الحركة الإسلامية العمل السياسي الذي تبناه حسن عبد الله الترابي واعترضت عليه بعض قياداتها الأخرى ليحدث انشقاق الحركة الشهير عقب مؤتمرها العام في فبراير 1969. وقد نجحت الحركة الإسلامية في تلك العقود في تعبئة الشارع السوداني بالمناداة بفكرة الدستور الإسلامي بالإضافة إلى العمل على سياسة التمكين التي عملت من أجلها الحركة طيلة سنوات عنفوانها.

ولكي تحقق ذلك الهدف كان لا بد لها من التعامل مع القوى الاجتماعية، فبدأت بشريحة الطلاب الذين هم في الأصل سر فاعليتها، ثم واصلت بذات المنهج التفاعلي والانفتاحي في استقطاب بقية الأحزاب واختراق الجيش من الداخل.

وبعد انتصاف عقد الثمانينات من القرن الماضي قامت ثورة شعبية أطاحت بنظام جعفر النميري عام 1985 وبعد سقوط النظام، شاركت الحركة الإسلامية في الانتخابات واحتلت مقاعد في حكومة الديمقراطية الثالثة سمحت بها الحكومة لتزحزح ثقل الحركة الموحدة وتقسم صفوفها وتدفعها إلى المعارضة حيث أُخرجت من تلك الحكومة بمذكرة الجيش ثم مذكرة القصر الشهيرة.

لم تنتظر الحركة الإسلامية طويلاً حتى عادت إلى الحكم ولكن هذه المرة بانقلاب عسكري هو انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، ليتم حلّها بعد الانقلاب مباشرة مع البرلمان وبقية الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والاتحادات المهنية. بعد ذلك احتلت الحركة الإسلامية موقعها في الحكومة الجديدة وعملت على إضفاء طابع الدولة الدينية وتشريع الإسلام السياسي كنظام حكم مستفيدة من عجز الأحزاب الأخرى التي وقفت أمام مشروع التغيير من انقلاب استولى على السلطة بليل بهيم. وبعد ذلك بعشر سنوات كانت قرارات المفاصلة الشهيرة في رمضان من العام 1999 والتي أحدثت الانشقاق الأكبر في الحركة الإسلامية السودانية وتم على إثرها استبعاد حسن الترابي، ليكوّن حزباً معارضاً بعد خروجه من السجن باسم المؤتمر الشعبي ليتم ممارسة العنف ضد حزبه وأحزاب المعارضة الأخرى ويتم احتكار العنف باسم الدين ومشروع التوجه الحضاري.

هذه الأحداث المتعاقبة في مسيرة الحركة الإسلامية وما تم خلال حكم الإنقاذ أفرزت حراكاً سياسياً عنيفاً بعد طول تململ. وأهمّ ما يميز هذا الحراك هو أنّه من داخل تنظيم الحركة الإسلامية التي شهدت تطورات كبيرة على المستويين التنظيمي والسياسي وهي ممسكة بزمام الحكم في السودان إلى ما يقارب ربع قرن من الزمان، بأكثر مما شهدته وهي في المعارضة.

وتعكس دعوة نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه، إلى فقه سياسي جديد، وتقديم الإسلام السياسي بصورته الحقيقية دون خوف أو تكتيك ومناورة أهم مقومات هذا الحراك. كما يعكس ذلك إقامة تحالف مكون من عدة أحزاب وجماعات إسلامية كانت متحالفة في الأصل مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم منذ مفاصلة الإسلاميين الشهيرة ونزولهم من مركب الإنقاذ.

جاهرت هذه الأحزاب للمرة الأولى مجتمعة بفشل مشروع الدولة الإسلامية، وأعلنت عن تشكيل تنظيم باسم «تحالف القوى الإسلامية والوطنية»، ثم قامت بدعوة المؤتمر الوطني إلى التفاوض معها وتسليمها السلطة.

هذه الديناميكية في التوجه نحو اتخاذ دور فاعل وموجه باسم الحركة الإسلامية لا تلغي محاولات قامت بها حكومة الإنقاذ الوطني من قبل من أجل دحض فرضية الارتباط بينها وبين الحركة الإسلامية، بل دعمت أكثر محاولاتها المستميتة من أجل الاحتفاظ بأحقيتها في إقامة ترسيخ أكبر لمشروع الإسلام السياسي.

13