الإسلام السياسي في العراق.. تقاذف لعقل خاو بين الطائفيين

الحالة التي يمكن أن تصل إليها المنطقة العربية عبر السيرورة التاريخية الفاقدة لنقد حقيقي للتراث وتجديد بناء الفكر الديني، يمكن تلخيصها في الحالة العراقية الآن. فالحرب الأهلية الطائفية التي تدور رحاها في بلاد الرافدين منذ الاحتلال الأميركي، تعتاش من انعدام العقلانية في نمط التديّن ولعل ذلك مثل أرضية خصبة لرجال الدين استغلوها لتأجيج الاقتتال لأهداف سياسية.
الأربعاء 2016/01/27
المستقبل لهذا الشعار

خلال تلقينا العلم على مصاطب جامعة بغداد، يوم كانت بغداد بسطة في العلم، أذكر قصة رواها أحد الأساتذة النجباء ممّن غابت أخباره كحال آلاف غيره ممن انطفأوا مع ميلاد ديمقراطية الموت. ومفادها أن بعثة تبشيرية إنجيلية، إبان الاحتلال البريطاني، عقدت العزم على إنقاذ أرواح جمع من فلاحي الجنوب البسطاء عبر إنشاء كنيسة متواضعة تأوي إليها أفئدة أولئك “الضالين الجهلة”، وارتأت البعثة تزويدهم بمولّد كهربائي لكي تنبهر عقولهم بأنوار الحضارة المسيحية، وطالما أن العينة المنتقاة كانت تَفِد على بيت الرب بعد كد النهار الطويل في حقول معتمدي سلطة الاحتلال ووكلائه، فسيكون من اللائق ضيافة القوم بكأس ساخن أو أكثر من حساء الجيش الإنكليزي.

وهكذا، ومع كل مساء كان المزارعون المسحوقون جوعا وقهرا يجتمعون تحت أضواء الفلور المُبهرة ليستمعوا ذاهلين إلى مواعظ عن كلمة الله وروحه والولادة العذرية والكهف البارد وروح القدس المتجلي وغيرها، ولا ريب أن القساوسة المتحمسين قد لمسوا شيئا من الاستجابة عند ذلك الجمع المسكين المطرق، فثمة همهمات وبكاء صامت وحشرجة خفيّة.

لكن انعطافة حاسمة ألقت اليأس في قلوب الدعاة الأطلسيين الحمر من إمكانية جذب هذا الرهط الخام لجادة “الحق وطريق النجاة”، فذات جلسة دعوة باكية عاصفة، وقُبيل وجبة الحساء المُنتظرة، تعطّل “الديزل” وخبت أضواء المُعسكر الكنسي فجأة، وغرق الحاضرون في عُتمة ذكّرتهم بانقباض الروح في أكواخِهم الضاجّة قملا وسُعالا وبعوضا، فخفَّ أحد القساوسة ليُصلح من الآلة السحرية. فلما تدفق النور مجددا مغشيا أبصار القرويين السذَج، صاحوا بتلك النغمة التي أتقنوها بلا وعي “اللهم صلِ على محمد وآل محمد”.

تدفع هذه القصة مجهولة النسب بإشكالية مؤبدة تتعلق بالنكهة الدينية الحادة للصراع العراقي البيني. إشكالية واحد من أكثر شعوب الأرض تعصّبا وأقلها تديّنا، على حد وصف محمد جلال كشك للمُجتمع اللُبناني. فالعراقيون متدينون بالوراثة لا عن بصيرة، فالتشيع والتسنُّن يبدوان من منظور الطباع العراقية النزّاعة للدنيا ومطايبها والتائقة لحظوظ الأنفس، مجرد تركة إجبارية وجلبابا ثقافيا وجد بين متاع آباء ورثوه هم بدورهم عن أجداد لم نرهم، فالدين بذلك قدر قسري لم نختره (كأسمائنا). كما أن العراقيين مؤمنون بالعادة لا بالعبادة.

ثمة تراث هائل من الأقاصيص والحكايا وركام من المعاني والقيم والتصورات عن الذات والآخر في حافظة ووعي كل عراقي، وهو تراث فشل دائما في غرس بذرة توافق يمكن أن تجسّر العلاقة بين ضفتي الإفراط والتفريط، فهناك بوصلة غامضة غارقة في بحر النفس العراقية تشير دائما نحو معبد ما، لكنها بوصلة تأثرت بمجالات التمغنط ومدارات الجذب المتنافرة، فلما سكن كل شيء، لم يبد من الغريب أو الاستثنائي أن ينفرط عقد العراقيين مع زوال الكابت وانطلاق المكبوت، وأن ينطلق مهرجانهم المصطبغ بالمجازر والجثث والأشلاء بمجرد سقوط “الصنم”.

ثمة تراث هائل من الأقاصيص والحكايا وركام من المعاني والقيم والتصورات عن الذات والآخر في حافظة ووعي كل عراقي، وهو تراث فشل دائما في غرس بذرة توافق

أنحاول الآن، تحت وخز ضميرنا الوطني، تبرئة العراقيين من لوثة التديّن المفاجئة وهذيان المعابد المخيف؟ وهل يجدي ستر جرح التمزّق الطائفي الغائر بشيء من ضماد الكبرياء الوطني فيما ينزف البلد تحت لفائف الثارات؟ لقد زحفت إشكاليّة التدين العراقي تدريجيا نحو فخ المُشكلة الدينية لتنتهي إلى الكارثة الطائفيّة، وهي، خلال ذلك الارتقاء القميء نحو القاع لم تنفك عن استجماع طاقة رعب مكبوتة ومدمّرة. إن عملية التآكل الذاتي والتدمير الإرادي للنفس والجيل والمُستقبل ماثلة على المستويات كافة، فالطائفية القومية تُلهم الأكراد اليوم فكرة الغيتو والانسلاخ التام، تماما كما توحي للعرب على ضفتي شاطئ الخراب العراقي السنية الشيعيّة أن يقيموا كانتوناتهم المزدوجة الإثنية (قومية وطائفيّة) دون أن نتجاهل تجديد الخِطاب الإيزيدي والشبكي والآثوري والكلداني.

والطائفيّات الدينيّة تتصادم بوحشيّة لا نظير لها، تتهارش وتتناطح على حلبة صراع إقليمي مصغر عن صراع الحضارات، والكل يهاجم الكل دونما مراعاة يسيرة لحق الأبرياء في مجرد الحياة، فالقاعدة لم تتلاش سوى لتفسح المجال أمام تسلّل داعش، تلك البجعة السوداء الصفيقة التي أنهت حلم الربيع العربي، والميليشيات المهتاجة الأخرى تستنسخ ذواتها على صورة حادّة وغامقة، والجميع في رحلة صعودهم نحو الحضيض يتقربون للسماء بدماء مُخالفيهم ويتجاهلون عمدا أن ثمّة وطنا خرموا كل فرصه الممكنة للنهوض مُجددا من عالم الأموات وقتلوا جميع خياراته المُستقبلية بعد أن لوثوا الغدَ نفسه.

حسنا، لعلنا نفخر بأنّ تلك البعثة التبشيريّة التي فشلت في تنصير ذلك الجمع المُهلهل من الفلاحين العراقيين الجنوبيين الأتقياء قد عادت لإنكلترا بِخُفي حنين، لكننا من جانب آخر صرنا أقرب من أي وقت مضى لفهم جملة من الحقائق الجارحة، لعل من أهمها أن لا خوف على إيماننا من الضياع، بيد أننا فقدنا الثقة بخدمه المتعجرفين، فهم لا يعبدون سوى أنفسهم، وإن كُلّ شُموع الأمل في هذه البلاد يُطفئها دائما الحاخاماتٌ المزيفون، وأنَّ نُسخة الإسلام التي تُروج لها صالونات السياسة تجعل القلب يحتقن حقدا بدل أن يفيض سماحة وحبا. وأن عراقا تنتشر فيه دكاكين الخرافة كانتشار البثور على الوجه المليح هو عراق مريض بالجدري الطائفي، وإننا، على حد قول هيلين كيلر: لو أنفقنا الجهود التي ننفقها على محاربة الشيطان في محبة الإنسان، لمات الشيطان غيظا وكمدا من تلقاء نفسه.
13