الإسلام السياسي في تونس: نجاح الدولة ميدانيا يمهد للحسم السياسي

تبوح عمليات التنظيمات الإسلامية المسلحة بأن الهجمات الإرهابية التي يتم التصدي لها، دائما ما تكون متبوعة بهجمات أخرى بهدف خلق إرباك في قوة الدولة. ولعل معركة بنقردان الأخيرة، جنوب تونس، تنذر بمعارك أخرى قادمة، لكن الخلاصات التي يمكن استنتاجها من المعركة تكمن أساسا في عدم وجود حاضنة شعبية للتطرف بدليل مشاركة المدنيين في المعارك، وأيضا ضرورة إعادة النظر في الخطاب السياسي لبعض الأحزاب التي لها دور في تغذية روح التشدد في البلاد.
الجمعة 2016/03/11
حراسة العلمانية لها كلفتها

ارتفع نسق العمليات التي تقوم بها الجماعات الإرهابية في تونس بعد آخر هجوم لها والذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي في قلب العاصمة التونسية تونس في نوفمبر الماضي، إذ أصبح التونسيون اليوم يتحدثون عن اتساع نطاق عمليات مكافحة الإرهاب في مستوى مفتوح وأكثر عمقا وتعقيدا والمتمثل في معركة بنقردان الأخيرة.

لقد أثبتت القوات المسلحة بصنفيها الأمني والعسكري أن الدولة التونسية متماسكة جدا في معركتها ضد “الجيل الثالث من الحركات الجهادية”، كما يسميه المفكر الفرنسي المختص في الحركات الإسلامية جيل كيبيل. ولئن أشّرت الروح القتالية العالية التي بدت من خلال مقتطفات مصورة للمعارك مع الدواعش في المدينة الحدودية بنقردان على قوة الرغبة في القضاء على الإرهاب، إلا أن تلك الروح قد أعلنت نجاح الدولة التونسية في اختبار جس النبض الذي يقوم به ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية المرابط في ليبيا منذ سنوات.

ولعل المعركة المباشرة التي خاضتها تونس ممثلة في أجهزتها الأمنية لم تكن لتنال هذا الألق الذي حظيت به، لو لم يكن للمدنيين دور في ساحة المعركة. فبقطع النظر عن وجود مدنيين في مسرح العمليات المباشر والمفتوح، هاتفين بحياة تونس وحياة الجيش، فإن في المشهد تأكيدا على ألا حاضنة شعبية للإسلام الجهادي، وأن التونسيين يمثلون وحدة صماء لا تتجزأ أمام محاولات اختراق الجماعات الإسلامية المتشددة للمجال الترابي السيادي التونسي وتأسيس ما يسمى بإمارة لداعش في الجنوب الشرقي لتونس.

وينبه عدد من المراقبين الآن إلى سيناريوهات ما بعد معركة بنقردان، إذ المعركة ليست سوى درجة ذات مستوى أعلى من الهجمات التي سبقت، في منطقة الوردية بالعاصمة رمضان الماضي أو هجمات متحف باردو أو العملية الانتحارية التي استهدفت الأمن الرئاسي نوفمبر الماضي. فاشتباكات بنقردانتكشف بوادر انتقال إرهاب الجهاد المسلح إلى مرحلة الاستنزاف واستدراج القوات المسلحة التونسية إلى جبهات أوسع وأكثر قربا من مراكز نفوذ الجماعات الجهادية. وهذه التكتيكات عرفت عن الإسلام الحركي بشكل عام في سوريا والعراق وخاصة مصر، التي تشهد تكثيفا للعمليات الإرهابية في صحراء سيناء الحدودية مع الجزء الذي تسيطر عليه حركة حماس الإسلامية من فلسطين.

الحسم الميداني لمعركة الدولة التونسية ضد الإرهاب والذي أعاد ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية في البلاد، ليس في معزل عن بوادر حسم من نوع آخر تنتظر المجتمع السياسي التونسي في الأيام القادمة. ولعل البداية في المعركة السياسية ضد الإرهاب هي ردة الفعل التي قامت بها الجماهير في بنقردان عند قدوم نواب من حزب حركة النهضة الإسلامي لحضور مراسم تشييع شهداء المعركة، وقد هتف الحضور بضرورة طرد النائبين الإسلاميين لارتباط حزبهما بشكل أو بآخر بالتطرف الإسلامي وتحضير المناخ لنمو وتطور الإرهاب.
الحسم الميداني لمعركة الدولة التونسية ضد الإرهاب والذي أعاد ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية في البلاد، ليس في معزل عن بوادر حسم من نوع آخر تنتظر المجتمع السياسي التونسي في الأيام القادمة

وقد أعادت بعض وسائل الإعلام التونسية التذكير في حواراتها المباشرة بمواقف زعماء النهضة الإسلامية من الحركة السلفية عموما، ومن بينها الإشارة إلى تصريح لرئيس النهضة راشد الغنوشي الذي قال في حوار لصحيفة الخبر الجزائرية سنة 2012 إن السلفيين يبشرون بثقافة جديدة وإنهم لا يهددون الأمن العام وإن الديمقراطية الجديدة سوف تحتويهم ولهم دور في بنائها. وقد كان لتلك التصريحات حسب آراء سياسيين وإعلاميين دور كبير في انتشار التطرف في المساجد والفضاءات الدينية الأخرى، خاصة وأن استهداف المثقفين والفنانين قد أصبح ظاهرة رائجة في البلاد.

الحسم السياسي الذي ينتظر بعض الأحزاب، لن يكون فقط مقتصرا على حركة النهضة باعتبارها أكبر حزب من العائلة الإسلامية السياسية في تونس، بل إن معركة بنقردان ضد الإرهاب الداعشي كشفت ارتباك نوع آخر من الإسلاميين وهم حزب التحرير السلفي الذي ينشط بكثافة في تونس، خاصة بعد أحداث 14 يناير 2011.

ولم يصدر عن حزب التحرير السلفي في تونس أي بيان أو موقف أو ظهور إعلامي حول المعارك التي جدت في مدينة بنقردان جنوب تونس، ويعتبر هذا الغياب في حد ذاته رسالة اتصالية سياسية مفادها أن الفضاء الإسلامي السلفي يعد أقرب إلى الجماعات الإسلامية المسلحة منه إلى الدولة والشعب والمواطنة والديمقراطية. ورغم بعض المحاولات من الدولة في الأسابيع الماضية إيجاد صيغة لسحب الترخيص القانوني لنشاط حزب التحرير الذي يرفع الرايات ذاتها التي ترفعها “الدولة الإسلامية”، إلا أن بعض القوانين لا تزال تعرقل إمكانية سحب ترخيص الحزب ومنع أي نشاط له.

وخلافا لما تم ترويجه من قبل بعض وسائل الإعلام القريبة من التيارات الإسلامية في تونس بأن مسلحي داعش قد سيطروا لمدة قصيرة على المدينة، فإن التقارير الميدانية تؤكد أن عناصر الأمن والجيش التونسي قد تمكنت من الرد بسرعة -رغم الثغرة الاستخباراتية التي يقر بها الجميع-وقتلت أكثر نحو 46 إرهابيا واعتقلت عددا آخر، الأمر الذي يؤكد في ذات الحين نجاح الدولة في صد تسرب الإرهاب المتشدد وضرورة القيام بقراءة سياسية جديدة لواقع الأحزاب وتوجهاتها وأيديولوجياتها في تونس.

13