الإسلام السياسي في نظر الصوفيين: رجل الدين يسود ولا يحكم

الاثنين 2014/08/25
الصوفيون يردون على تهجم الإخوان المسلمين عليهم وتكفيرهم

انطبعت البحوث المتعلقة برؤية الإسلام السياسي بتعمق الباحثين في مسألة الإسلام السياسي من خلال تجارب الحكم التي استأنست بمرجعيات عديدة غير المرجعية الصوفية، وهو ما ترك انطباعا بأن الصوفية لم تكن لها إضافات في المجال السياسي. وإن وجدت بحوث في النموذج السياسي الصوفي، فإن القائمين عليها “اندفعوا” إلى تصوير الثنائيات التي تربط بين المتصوفة والسلطان دون تقديم طرح حول النموذج الصوفي وإسهامه في النظام السياسي الإسلامي. ومع الباحث المغربي محمد جبرون، يمكن أن نطّلع على خصائص هذا النموذج وموقعه ضمن المرجعيات الإسلامية السياسية.

للتمكن من السيطرة على موضوع الرؤية السياسية في الفكر الصوفي، ولو بشكل نسبي، ذهب الباحث المغربي محمد جبرون إلى عرض مجموعة من العلماء والمفكرين الصوفيين الذين قدموا إنتاجات على مدى التاريخ الإسلامي. لعل أبرز من تناولهم بالتقديم أبي عبد الله محمد الحميدي ومحي الدين بن العربي وأبي بكر الطرطوشي، وخاصة أبي حامد الغزالي الذي سنتعمق في طرحه. ثم أخذ الكاتب في تفكيك ديناميكية الحركة السياسية الصوفية وكيف تفكر سياسيا، للانتهاء إلى راهنية الموضوع ومدى استجابة الصوفية السياسية لسؤال الحداثة والهوية.


رؤية من الداخل


ينطلق الكاتب في قراءته لتراث الصوفية السياسي من التأكيد على أن المتصوفة اعتنوا بالظاهرة السياسية وكان لهم فيها قول ورؤية وتنظير. ومن بين النماذج التي تثير اهتمام التركيز، نجد نموذج أبي حامد الغزالي الذي قدمه في كتابه المرجعي “التبرك المسبوك في نصيحة الملوك”، باعتباره المثال الأوضح في إبراز كيفية تدرج الصوفيين من أصول الفكرة الإسلامية العليا التي يتبنونها إلى تفاصيل الممارسة السياسية للسلطان والدولة في سياق المنطق الصوفي في رؤية العالم.

فقد أشار الباحث المغربي محمد جبرون إلى تعداد الغزالي للأصول العشرة لـ”شجرة الإيمان” والمرتكزة إلى قواعد غزالية، كتنزيه الخالق والقدرة والعلم والأفعال … وقد ركز في تعدادها على قيمتها الإيديولوجية بما أننا بصدد التعاطي مع موضوع سياسي له مرجعية تبرره بشكل ما. وبعد تعدادها، تفرغ الغزالي وفق قراءة الباحث المغربي، إلى الحديث عن الفروع، والتي ركز فيها الغزالي على ارتباطها بالأصول التي ذكرها. وفي التفسير، يؤكد الغزالي أن السياسة قسمان، القسم الأول هو تعاطي السلطان ذاته مع الأسس الدينية وعباداته وتقربه إلى الله (الصوم، الزكاة، الصلاة، الصدقة …)، أي بين السلطة والله، أما القسم الثاني فهو تعاطي السلطة مع الناس والرعية. وقد ارتكزت جدلية الغزالي بهذه الثنائية على مدى تقرب السلطان من الله وهو ما سينعكس على خدمته للرعية، أي “كلما زادت نسبة تعبد السلطان وتدينه زاد عدله بين الناس”. وهذا هو الجوهر الإيماني للسلوك السياسي للسلطان حسب الفكر الصوفي.

نظر المذهب الصوفي إلى المسألة السياسية ينأى برجل الدين عن السياسة لكنه يبقى فرعا من الإسلام السياسي

ولكن بالنظر إلى عمق التصور الغزالي، فإن جوهر الرؤية الإسلامية إلى السياسة هو ذاته في باقي المرجعيات، أي أن أطروحة الكاتب المغربي محمد جبرون في البداية حول تجديد ما في الفكر السياسي العربي من خلال مقاربة الصوفيين للسياسة. وهذا التجديد ربما قد أخذ من جوانب الشكل وليس الجوهر على اعتبار أن الصوفيين فهموا العلاقة بين الدين والسياسة بشكل متماه مع بقية جماعات الإسلام السياسي.


ديناميكية الإسلام السياسي الصوفي


يقدم محمد جبرون تصور المتصوفة لآلية اشتغال الحركة السياسية في الحكم، عبر الثنائية التي ترتكز إليها الحركة الصوفية والمتمثلة في قسم “مقام الملك” وقسم “مقام الملكوت”. أما مقام الملك عند الصوفيين فهو عالم الحس والظاهر (التاريخ)، الذي تسرح فيه الكائنات والمواد. وأما مقام الملكوت فهو عالم الباطن والقلب الذي تسكنه الروح.

وهذه الجدلية تعتبر طريفة إلى حد ما، وهنا يكمن تمايزها عن المقاربات الأخرى للإسلام السياسي. فالعالم الصوفي له دور في النصيحة وتوجيه السلطان (أو الخليفة أو الحاكم). ويعتبر رجل الدين من بين أهم الشخصيات التي تكون حاشية السلطان وركنا هاما من أركان بلاطه. فأمور الملك والحس والسلطة في هذا الباب تخضع لتنفيذ الحاكم وقراره، ولكن في سياق اتخاذ تلك القرارات والتدابير، يكون رجال الدين قد أعطوا الرأي والنصيحة في ذلك ودرسوا المسألة من جوانبها الفقهية، وهذا أمر معروف. لكن قوة الطرح في هذا الإطار تكمن في أن رجال الدين في هذه الوضعية من دعاة التزهد والتبرؤ من شؤون الدنيا والحس والمُلك، وهم بذلك أبعد ما يكونون عن الطمع في السلطة وملذاتها وسطوتها.

والأمر الذي أراد الكاتب أن يوضحه في هذا السياق، هو أن النصيحة التي يدلي بها رجل الدين داخل البلاط ليست “إدخالا للدين في السياسة أو دعوة لقلب الأدوار بين الحاكم ورجل الدين” (كما في المواقف الكلاسيكية للسلطة الدينية)، بل إن تدخل رجل الدين هو توجيه ونصح وترتيب للشأن العام حسب ما يراه الناصح المتزهد والمتصوف والمتعالي عن شؤون الدنيا والحس والمنقطع إلى شؤون الملكوت والروح والآخرة.

تميل الصوفية إلى السلمية في علاقتها بالمجال السياسي، وبذلك فهي تمثل محملا لقراءة جديدة للإسلام وعلاقته بالدولة


الحاجة إلى " الصوفية السياسية"


يركن الباحث المغربي محمد جبرون في آخر دراسته عن الفكر السياسي الصوفي، بعد أن استعرض تاريخ تطوره وأهم مراحله وتحقيق بعض الأحداث التاريخية التي عاشتها الصوفية في المجال السياسي، إلى أن الظرف الراهن يحتاج إلى تلك الطاقة التي لدى المتصوفة في الإحاطة بالظاهرة السياسية وبث “هدوء” ما في سيرورة عمل تلك الظاهرة. إذ تتسم المعالم الصوفية دائما بالهدوء والميل إلى السلمية وعدم الدخول في نزاعات غرضها السلطة والملك، بل إن الملمح الطاغي على السلوك الصوفي هو الاعتزال عن الدنيا والبحث عن التزهد والعلو إلى الخالق، بعيدا عن الماديات الحسية وأمور النزاع والسلطان والدولة، مع الحفاظ على مكانة الناصح والمنبه للحاكم دائما.

وبالتالي، ومقارنة بنموذج الإسلام السياسي الذي يشكل الآن عائقا فعليا أمام أفق الحداثة العربية والتقدم، وخطرا مهددا للوحدة الأهلية والتماسك الاجتماعي عبر الطائفية والتكفير، فإن إعادة النظر في علاقة الدين بالسياسة، حسب التصور الصوفي، سوف يكون لها وقع أكثر إيجابية على الأداء السياسي للسلطة وديناميكية عملها وتطورها وفق قيم الحداثة، ويحفظ للدين مكانته العليا في أن يكون ركنا من أركان اتخاذ القرار داخل دائرة الحكم، وذلك دون أن يكون لرجل الدين طمع في أن يكون سلطانا فيستغل الطاقة المعرفية والمكانة التي حظي بها للسيطرة والإيهام واقتناص السلطة بغطاء ديني كما يحدث الآن.

13