الإسلام السياسي هو الممثل السياسي للإسلام.. الادعاء الملغوم

الإسلام السياسي لم يكن سوى محاولة لأجل تحويل الإسلام من دين للفطرة إلى أيديولوجية قابلة للتوظيف في الصراع السياسي على السلطة.
الجمعة 2018/05/25
احتكار مخاتل للإسلام

لا بأس أن نعيد التذكير بإحدى أهم البداهات المنسية، وهي أن الإسلام من حيث الدلالة الاصطلاحية يبقى دينا من دون ياء الانتماء، (ية -ism) التي تحيل إلى النزعات المذهبية والتيارات الأيديولوجية. وهذا بخلاف سائر الأديان الأخرى، من قبيل المسيحـية واليهودية والبوذية والهندوسـية وغيرها.

قد لا يخلو الأمر من إشارة دالة على أن الإسلام في أساسه يبقى أقرب ما يكون إلى المشاعر الروحية المفتوحة. ولذلك يحيل الإسلام- من وجهة نظر الخطاب القرآني- إلى تقاليد التوحيد الربوبي لدى الأنبياء السابقين بلا تحديد ولا تخصيص.

 غير أن إضافة الـ”ية-ism” خلال العقود القليلة الماضية جعلت الإسلام يقترن بالإسلام السياسي على وجه التحديد، لا سيما في أعين المراقبين الغربيين والذين لا يفكرون في الدين خارج ياء الانتماء. بهذا النحو جرى نوع من التواطؤ الاصطلاحي بين الإسلام السياسي والسياسات الغربية.

عموما، بصرف النظر عن الحسابات السياسوية الضيقة التي نسجتها بعض الإدارات الغربية (وزارة الخارجية الأميركية، وزارة الداخلية البريطانية، أجنحة من اليسار الأوروبي، وغيرها)، فقد استفادت أحزاب الإسلام السياسي عموما من أحد الحقوق التي تخص الأديان على وجه التحديد، يتعلق الأمر بالحرية الدينية. لا سيما وأن الغرب لا يزال منهكا بسبب تجربة اضطهاد اليهود ومأساة الهولوكوست.

بهذا النحو صار التسامح السياسي مع الإسلام السياسي مجرد تعبير عن التسامح الديني مع الإسلام نفسه. وكان هذا الأمر بمثابة سوء تفاهم كبير استفادت منه أحزاب الإسلام السياسي.

الخطر الآخر الذي زرعه القرضاوي وتياره وسط المجتمعات المسلمة يظل كامنا في الصيغة التي توجه ولاء الشخص، والذي يتم التعامل معه كمؤمن وسط المؤمنين

في تلك الأثناء لعب يوسف القرضاوي وأحمد الريسوني وآخرون دورا رياديا في التصدي للشبهات الفقهية التي ظلت تعترض تأسيس الأحزاب الدينية، لكنهم ساهموا في المقابل في تأسيس أحزاب خاضعة لسلطة الفقيه، سواء تعلق الأمر بأحزاب موالية أو أحزاب معارضة، أو بأحزاب تلعب على الحبلين.

بل هذا ما كانوا يريدونه بالضبط: استرجاع سلطة الفقيه التي همشتها دولة ما بعد الاستقلال. لأجل تحقيق ذلك الهدف، اقترح القرضاوي في مقال مرجعي شهير عنونه بـ”جدلية تعدد الأحزاب” عددا من الشروط التي يجب أن تتوفر في الحزب السياسي الإسلامي، من بينها:

- أن يعترف الحزب اعترافا واضحا وصريحا بأن الإسلام يتدخل في كل التشريعات والقوانين بلا استثناء، وأن يعلن قبوله بذلك الأمر، بحيث لا ينكره ولا يتنكّر له. وإن كان له اجتهاد خاص في فهم بعض المقتضيات، فيجب عليه أن يجتهد على ضوء الأصول الشرعية التي يقررها الفقهاء دون غيرهم، وعلى رأسهم بالطبع الشيخ القرضاوي نفسه وسائر الهيئات الدينية التي يمثلها.

- أن يلتزم الحزب في مستوى علاقاته الخارجية بعدم التعامل مع أي جهة تعمل “ضد الإسلام”. لكنه لم يجب عن السؤال الأكثر خطورة وأهمية: من يحق له “دستوريا” أن يحدد الجهات التي “تعادي الإسلام”، ووفق أي المعايير؟ على الأرجح فالأمر متروك للفقهاء.

إن الأحزاب الدينية بالنسبة للقرضاوي ليست مجرد أداة للتعبير عن الرأي الديني الإسلامي في مجريات الشأن العام، بل هي وفق تعبيره “وسيلة لازمة لمقاومة طغيان السلطات الحاكمة ومحاسبتها، وردها إلى سواء الصراط، أو إسقاطها ليحل غيرها محلها، وهي الأداة التي بها يتم الاحتساب على الحكومة، والقيام بواجب النصيحة والأمر بالمعروف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.

يتحدث القرضاوي هنا عن الرد إلى سواء الصراط، والإسقاط، في تجاهل تام لكل المساطر الدستورية والإجراءات الإدارية والصلاحيات المؤسساتية. بمعنى أن الفقيه هنا يعول باختصار على الانفعالات السلبية والمفاهيم التقليدية لمنطق العصر الوسيط.

ومهما حاولنا إحسان الظن بنوايا القرضاوي فلن نستطيع أن نجد لكلمة “الاحتساب” من معنى آخر غير الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع، ما يحيل إلى السلطة الدينية الكهنوتية في آخر الأمر. إنها النزعة الخمينية بعد نجاحها في التغلغل داخل مختلف أحزاب الإسلام السياسي.

الإسلام السياسي ليس سوى محاولة للسيطرة السياسية على الإسلام. وهي المحاولة التي يجب أن تنتهي إلى الفشل حتى يعود الإسلام كما كان

لكن الخطر الآخر الذي زرعه القرضاوي وتياره وسط المجتمعات المسلمة يظل كامنا في الصيغة التي توجه ولاء الشخص، والذي لا يتم التعامل معه كمواطن بين المواطنين، بل كمؤمن وسط المؤمنين. وإذا كانت المواطنة مساواة فإن الإيمان درجات. بهذا النحو حاول القرضاوي صياغة خارطة طريق مفصلة لما بعد الثورات، خارطة لا تنتج مواطنين يكون ولاؤهم للوطن، وإنما تنتج أعضاء يكون ولاؤهم للجماعة أو الفرقة.

فقد كتب يقول “إن ولاء المسلم إنما هو لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين، كما قال تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة/55-56). وانتماء الفرد المسلم إلى قبيلة، أو إقليم، أو جمعية، أو نقابة، أو اتحاد أو حزب لا ينافي انتماءه للدولة وولاءه لها، فإنّ هذه الولاءات والانتماءات كلها مشدودة إلى أصل واحد هو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والمحظور كل المحظور هو اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء/139)، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة/1). وإذا كان النمط الحزبي المعهود هو تأييد الفرد لحزبه في مواقفه، وإن اعتقد أنّه مبطل بيقين، ومعارضة الدولة وإن اعتقد أنّها على حق، فهذا ما لا نقره ولا ندعو إليه، وما ينبغي تعديله إلى صيغة تتفق وقيم الإسلام وأحكامه وآدابه”.

هكذا أصبح الإسلام السياسي في كلّ مناسبة، وحتى من دون مناسبة، يقدم نفسه باعتباره الممثل السياسي للإسلام. وبهذا النحو أيضا أصبح التصويت على أحزاب الإسلام السياسي في الانتخابات، يبدو بالنسبة للكثيرين كما لو أنه تصويت على الإسلام نفسه، ونصرة للمسلمين أنفسهم، على طريقة الولاء والبراء.

في واقع الحال، لم يكن الإسلام السياسي سوى محاولة لأجل تحويل الإسلام من دين للفطرة إلى أيديولوجية قابلة للتوظيف في الصراع السياسي على السلطة. لكن لربما توقّع البعض بأنّ تلك الأيديولوجية ستنتهي بفعل الممارسة السياسية إلى إفراز تجديد في الخطاب الفقهي، وتحديث في الخطاب الديني، ولو بعد حين.

غير أن الحاصل في الأخير أن عقودا طويلة من الممارسة السياسية قد كشفت بالملموس بأنّ التركيز “الاجتهادي” على كيفية الوصول إلى السلطة، قد خفض السقف الاجتهادي وجعله أدنى حتى من مستوى الموروث الفقهي القديم نفسه، بل انحدر السقف بفعل الأيديولوجية القطبية (نسبة إلى سيد قطب ومحمد قطب) إلى مستويات تهدد الأمن والتنمية لدى الأوطان، وتهدد سلامة النفس وسكينة الروح لدى الإنسان، لا سيما بعد أن تمّ الزواج بين كل من الأيديولوجية القطبية والأيديولوجية الوهابية والأيديولوجية الخمينية، إبان مرحلة المواجهة ضد الناصرية والبعثية والشيوعية. وفي الأخير، كان طبيعيا أن يرتدّ السيف إلى نحره، وأن يتغول الغلو الديني لدرجة يوشك معها أن يدمر الدين نفسه. أليس يقال، الإكثار من الشيء يقتله؟

مجمل القول إن الإسلام السياسي ليس سوى محاولة للسيطرة السياسية على الإسلام. وهي المحاولة التي يجب أن تنتهي إلى الفشل حتى يعود الإسلام كما كان، وكما يجب أن يكون، ديانة بلا “ية-ism”، وأيضا على أمل أن نستعيد البعد الروحي للدين، والذي هو أعز ما يُطلب الآن.

13