الإسلام السياسي يأبى احترام قانون الأوقاف في تنظيم المساجد المصرية

الاثنين 2014/04/28
اصطدم تعنت الإسلاميين في استخدام المساجد لصالحهم برغبة الدولة في تحييدها

القاهرة- تزامنا مع واقعة قيام أنصار الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب بطرد خطيب الأوقاف من أحد مساجد محافظة المنيا بصعيد مصر، عادت إلى الأذهان مخاوف عدّة من بينها تلك المتعلّقة باستحواذ مشايخ السلفية على المساجد الكبرى، واستئثارهم بها وجعلها جزرا منعزلة عن الدّولة ومؤسساتها الدينية.

قوبل هذا التصعيد بحسم من قبل وزارة الأوقاف وإصرار على تصعيد الأمر، حيث تقدمت ببلاغ رسمي ضدّ الشيخ يعقوب والنائب السابق عن حزب النور السلفي محمد طلعت، الذي قيل إنّه ساهم في وضع متاريس أمام المسجد لمنع دخول خطيب الأوقاف، وأكدت الوزارة عزمها على تطبيق القانون على كل مخالف، في مقابل إعلان جلال مرة القيادي بحزب النور السلفي، أنه سيقود مبادرة للصلح بين الأوقاف والشيخ يعقوب، لوأد الفتنة والحفاظ على الصالح العام، لكنّه رفض الإدلاء بأيّة تفاصيل لـ “العرب” حول الموضوع.

وفي توضيحه لـ“العرب”، أكد أحمد ترك، مدير إدارة المساجد بوزارة الأوقاف، أن تعنت السلفيين الذين “يستكثرون بأتباعهم ويعتقدون أن الأوقاف ضعيفة ولن تأخذ حقها، لن يفيد، وعليهم أن يستيقظوا لأنّ الوزارة ستطبق القانون الذي يعاقب كل من يصعد فوق منبر من دون ترخيص بالحبس لمدّة ثلاث سنوات”.

أكد أنّ الأوقاف أعلنت مرارا عن وقف كلّ الخطباء الذين كانوا يعملون دون تراخيص عن العمل، لأنّ كثيرا منهم “تورّطوا في استخدام المساجد لتأجيج الأوضاع السياسية ونصرة أحزاب وتيارات بعينها، كما ساهموا في بث سموم الفرقة التي تهدد أمن الوطن”، حسب قوله.


إصرار حكومي


عقب ثورة الـ 30 من يونيو، أعلنت وزارة الأوقاف عن بسط سيطرتها على جميع مساجد مصر، وألغت تراخيص جميع الخطباء، ممّن ليسوا تحت إمرة الوزارة، وقوبل القرار برفض من الدعوة السلفية في بادئ الأمر، لكنّه اصطدم بقوة الإصرار الحكومي في إعادة المساجد إلى سلطة الدولة.

وقد سعت الدعوة السلفية في الأثناء إلى توقيع بروتوكل مع الأوقاف، يسمح لعدد من دعاتها بإمامة المساجد، وقبلت الأوقاف ذلك بضمانات. وسرت تكهنات حول توقيع بروتوكول أواخر مارس الماضي في هذا الشأن، الأمر الذي آثار المخاوف من تسلل مشايخ السلفية إلى المساجد مرة أخرى، عبر هذا البروتوكول، ومن لجوء الدّولة إلى التهدئة مع مشايخ السلفيـة بعد حادثة يعقـوب لكي لملاءمة الظّرف السيـاسي الراهـن.

اصطدم تعنت الإسلاميين في استخدام المساجد لصالحهم بتوجه واضح من الدولة يقضي بمنع الدعوة لغير الله في المساجد المصرية

لكن مدير إدارة المساجد بالأوقاف، أحمد ترك، نفى لـ “العرب” هذا الأمر، قائلا: “لم يحصل أن وقّعت الوزارة بروتوكولا مع الدعوة السلفية يقضي بالسماح لهم بالخطابة في المساجد، بل بالعكس فقد وضعنا شروطا من بينها أنّنا لن نعترف بمعاهد إعداد الدعاة التابعة لهم في الإسكندرية إلاّ إذا كانت تابعة للأوقاف؛ أي أن نضع لها المناهج ونحدّد الأساتذة الّذين يدرّسون فيها، وإذا كان عندهم أساتذة أزهريون وسطيون بعيدون عن السياسة سنوافق عندها على السماح لهم باعتلاء المنابر. وعلى هذا الأساس تمّ توقيع البروتوكول”.

من جهة أخرى، يؤكد آخرون أنّ الإسلام دين يسر وسلام ورفق، لا يستعمل القوة في أخذ الحاجة، خاصّة إذا كانت باطلة، حيث صرّح محمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر، لـ “العرب” بـ”أنّ الإسلام دين علم، والعلم في الإسلام أدب، وليس في مقتضى العلم اعتلاء المنابر بالقوة، وليس من مقتضى الأدب فرض الأمر الواقع بالقوة”.

أما الشيخ محمود عاشور، الوكيل السابق للأزهر الشريف، فقد أكّد أن ما حدث يعدُّ خطوة تهدف إلى خلق شقاق بين الأئمة وصفوف المسلمين، وصرح لـ “العرب” بـ”أنّ المساجد لله، ولا يجوز أن يتمّ الاعتداء فيها على أحد أو إتيان عمل يتنافى مع صحيح الدين. فالمساجد يجب أن تكون تحت رعاية وزارة الأوقاف التي كلّفتها الدولة بذلك وعينت لها أئمة ومقيمي شعائر، وينبغي أن تُترك مهمّة تحديد من يتولى الخطابة للأوقاف”.


دعاة مرتزقة


كانت بعض المساجد في مصر حكرا على مشايخ السلفية لسنوات طويلة، ومن أشهر المساجد التي تحصن بها السلفيون، مسجد “القائد إبراهيم” بالإسكندرية، و”النور” بالعباسية، و”رابعة العدوية” بمدينة نصر في القاهرة. و قد قام السلفي حازم صلاح أبو اسماعيل رفقة أنصاره بالاستحواذ على مسجد “أسد بن الفرات” بالدقي في محافظة الجيزة، وقد قامت الدولة طوال ثلاث سنوات بمحاولات لإيقاف من طموحاته في الزّعامة ودعوته لنفسه، عبر أصوات الباحثين عن الخلافة الإسلامية، وكانت خطبه السياسية تبث من داخل المسجد في موعد أسبوعيّ ثابت، رغم كل القوانين التي تمنع ذلك.

حادثة الشيخ يعقوب أثارت المخاوف من أن تكون بداية للصدام بين مشايخ السلفيّة والدولة، بعد هدنة دامت قرابة عام، بدأت منذ سقوط حكم الإخوان وانحاز السلفيّون إلى صفّ الدولة ضدّ الإخوان.

أحمد ترك: الإسلام السياسي متورط في استخدام المساجد لتأجيج الأوضاع السياسية

لكن أحمد ترك، مدير إدارة المساجد بالأوقاف، يقول أنه يمتلك معلومات عن هؤلاء “الدعاة” تُفيد بأنّهم كانوا يتعاونون مع النظام السابق، حيث صرّح قائلا “إنّهم أجبن من أن يواجهوا الدولة، ومعظمهم كانوا عملاء لأمن الدولة أيام مبارك، وعدد منهم كان يطبل لمبارك ولنظامه من خلال تحريم الخروج عليه، والدليل أنهم أيام حكم مرسي انتعشوا وكانت لهم فتاوى شاذة، وعقب الـ30 من يونيو لم نسمع عنهم، لأنّهم يبحثون عن مصالحهم، وهمهم الأكبر هو جمع أموال من الداخل والخارج، ولن يضحوا بمصالحهم الشخصية ليكونوا ثوارا “.

أما الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر السابق، فقد أشار في هذا الصدد إلى “أنّه يجب أن لا تسبعد أيّ شيء من هؤلاء، لأنهم ليسوا بعلماء دين ولا يعرفون الشرع ولم يقرؤوا الفقه، ويتّخذون الدين كوسيلة للكسب والارتزاق. والآن نحن في مرحلة انتقالية، انفلتت فيها الأمور، وكل فرد يحاول فعل ما يحلو له”.

وبالعودة إلى تصريح أحمد ترك، فقد أكد أن وزارة الأوقاف لن تعطي تصريحا لأحد للخطابة إلاّ لخريجي الأزهر الّذين يحملون فكرا وسطيّا ولا يعملون بالسياسة، مضيفا بالقول “سندفع قريبا بـ17 ألف إمام وخطيب أزهري بعد منحهم التراخيص، ومن يريد أن يدعو للحق فعليه أن لا يعمد إلى القوة إرضاء لنشوة الظهور. فالمساجد لله، لكنّ الشرع يقول إنّ السلطان له الحق في توكيل من يدير شؤون الدعوة، والسلطان هنا ليس الحاكم ولكنّه الدستور والقانون الّذي أوكلها للأوقاف”.

أمّا الشيخ محمود عاشور فيقول من جهته “إنّ وزير الأوقاف، الدكتور مختار جمعة، عالم جليل ورجل منضبط، ويجب أن نشد على يديه لكي ينجح في بسط سيطرة الدولة على المساجد، بعد سنوات من تركها لغير المختصين، حتى لا يتمّ إعتلاء المنابر من قبل أولئك الّذين يقولون للناس أمورا في الدين ما أنزل الله بها من سلطان. وإن كان هناك تأكيد على أمر ما، فهو أنه لا رجعة لما قبل الـ30 من يونيو. أي أنّه يجب أن لا تترك باحات المساجد مستباحة”.

من جانبه قال، عبدالله الناصر، أمين عام اتحاد القوى الصوفية لـ“العرب”، “إنّهم طالبوا مرارا بأن تُلحق المساجد بالأزهر مباشرة وليس الأوقاف، لأنّ الدستور الجديد أقر بأن الدعوة مسؤولية الأزهر الشريف، وهو سلطة مستقلة عن الدولة، أمّا الأوقاف فهي جزء من السلطة التنفيذية. وإسناد هذه السلطة للأزهر تعطيه قوة وتسد باب التبعية لدعاة التطرف والهجوم على الدولة”. هذا وينتظر الأزهر المزيد من المواجهات مع محاولات السيطرة على المساجد، ضمن صراعه المتواصل مع الإسلام السياسي.

13