الإسلام السياسي يتناقض مع الإسلام ويحول دون تطور المسلمين

الاثنين 2014/05/12
إنكار الإخوان للواقع الذي يعيشونه يعكس فكرا ينكر الحداثة

لم تتوقف تأملات المفكرين العرب في البحث عن أسباب فشل الأحزاب الإسلامية في إدارة الشأن العام إبان صعودهم الأخير إلى السلطة، بالعودة فقط إلى بنية هذه الأحزاب التنظيمية وتعاطيها اليومي مع الأحداث، بل عاد البعض إلى النموذج الأول الذي يعتمده الإسلاميون في فهم الواقع وتفسيره. وهو ما قام به الباحث المغربي «محمد الحيان» في دراسته «نقد النموذج المعرفي للإسلام السياسي».

ينطلق الكاتب في دراسته حول النموذج المعرفي للإسلاميين، بتعريف المصطلح المحوري الذي تقوم عليه دراسته وهو “البراديغم” أو “النموذج الإداركي”. ويرتكز في تعريفه إلى الفيلسوف العلمي “كوماس كوهن” الذي عرف “البراديغم” على أنه “وسيلة لرؤية الأشياء وطريقة تمثل للواقع في الذهن البشري. بمعنى أنه نموذج ذهني مترابط لرؤية الحقيقة، قائم على قواعد محددة تجيب في الأخير عن الأسئلة المطروحة”.

وبذلك فإن المقصود بالنموذج الإدراكي للإسلاميين هو ذلك الإطار الذي تنظر به الحركة الإسلامية إلى الواقع، والخريطة المعرفية التي تدرك من خلالها العالم الخارجي وتفهمه. ويبين الباحث المغربي محمد الحيان، عند قراءته لمنهج تفكير الإسلاميين، قصور هذا المنهج وعجزه المطبق عن الإجابة، ولو عن سؤال إنساني واحد.


الارتباك أمام المواطنة


تبدأ إشكالات الإسلاميين في نظر الكاتب من التباس موقفهم من مفهوم المواطنة ورؤيتهم للآخر، سواء كان الآخر السياسي أو الآخر الديني، داخل الرقعة الجغرافية الواحدة التي تسمى الدولة. وتعود هذه الأزمة أساسا إلى فكرة الدعوة الإسلامية القائمة على جمع أنصار حولها عبر الخطاب الديني في سبيل تحقيق هدف سياسي. فالخطاب الديني يقوم بإذابة كل اختلاف محتمل بين المنتمين عبر “التنميط العقدي”، ليترجم بعد ذلك سياسيا إلى “أحادية وكليانية”.

ولعل الموقف الملتبس من مفهوم المواطنة يعد “واحدا من أهم ثغرات الفكر السياسي الإسلامي، بالنظر إلى صعوبة وخطورة النقلة التي يجب أن يؤسس لها النموذج الإدراكي ذو المرجعية التراثية، بالانتقال من حالة الاجتماع (الضرورية لتأسيس الأمة) على أساس طائفي وديني، كما كان في التاريخ الإسلامي، إلى حالة الاجتماع على أساس المواطنة وسيادة القانون في الدولة الحديثة والانتماء إلى جغرافيا معينة بدل الانتماء إلى العقائدي الذي لا يعترف بالحدود الوطنية (أو القومية)”.

ويعود الكاتب عند عرضه لحجاجه حول هذا الفارق التاريخي بين “البراديغم” الإسلامي والواقع الحديث، إلى الكتابات الأولى للحركات الإسلامية التي تشكل المرجعية الأساسية لأحزاب الإسلام السياسي اليوم.

ينكر الإسلاميون مقولة الإصلاح الديني، لأن التراث يخول لهم التكلم وحشد الأنصار والمريدين باسم الدين

إذ “لم تنظر تلك الحركات إلى الدولة إلا من داخل دائرتها التراثية الضيقة ومرجعياتها التاريخية. وحتى باعتراف بعض قيادات حركات الإسلام السياسي، وتأكيدهم لمبدأ المواطنة في أدبياتهم، واستعدادهم لاحترامه في مرحلة ما بعد الربيع العربي، إلا أن الخطب والشعارات الجديد لا تعبر عن ذلك حقيقة”. ومن ناحية أخرى، فإن القبول بمبدأ المواطنة، حسب الكاتب، ليس عملية ميكانيكية بسيطة بالنسبة إلى الإسلاميين، بل هي حركة عميقة في المراجعة والنقد الذاتي.


احتكار الحقيقة سبب الأزمة


يؤكد الباحث المغربي أن حركات الإسلام السياسي تعيش اليوم “عالة على تراث عصر التدوين”، بالنظر إلى الواقع الذي تعيشه مع نفسها، أمام الواقع “الآخر والمغاير لها تماما” والذي يعيشه الإنسان الحديث.

وبالعودة إلى مفهوم النموذج الفكري الذي انطلق منه الباحث في البداية، فإن كل فكر هو حالة مرتبطة بالواقع الذي تتشكل فيه، فلا يمكن تصور فكر بشري منفصل عن واقعه الخارجي، وغير متأثر به.

وبالتالي فالنموذج التراثي للإسلاميين لم يعد مسايرا للظروف الراهنة، “فهو يعاني أزمة عميقة لأنه تشكل أساسا في ظروف مفارقة للظروف التي نعيشها اليوم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا”.

فقد تشكل “البراديغم” الإسلامي تحت إكراهات السلطة السياسية من جهة، وضغط المعارك الأيديولوجية بين الطوائف الدينية من جهة أخرى. ويؤكد كاتب الدراسة، أن حركات الإسلام السياسي (كتمثيل مادي لظاهرة الغيبوبة الحضارية التي نعيشها) لم تكتشف بعد مناهج المعرفة الاجتماعية الحديثة. ويوضح ذلك عبر طرح ثنائيات لإبراز الفروقات بين الواقع الحقيقي والواقع المتخيل لدى الإسلاميين، من ذلك ثنائية القبيلة والدولة الحديثة والاقتصاد الرعوي الزراعي ونظيره التصنيعي الخدماتي الحديث، وكذلك شروط إنتاج المعرفة بين المرحلتين القديمة والراهنة (…إلخ).

ومما يزيد في عمق أزمة هذا النموذج “القاصر”، هو احتواؤه على حجم هائل من المسلمات المُصَادَرَة باسم المقدس، حيث أن “النسبي والتاريخي تحولا في نظرهم إلى مطلق ومقدس”. ولعل أحد هذه الأصول والمسلمات الخطيرة هي شعارا “القرآن والسنة” ومحاولات كل حركات الإسلام السياسي (على اختلافها وتناقضها) احتكار هاتين المرجعيّتين وسلب المسلمين أي حق في العودة إليهما إلاّ عبر الحزب الإسلامي، و”هنا يكمن الخطر الحقيقي على الإسلام ذاته”، حسب الكاتب.


حتمية المراجعة أو الموت


الموقف الملتبس من المواطنة يعود إلى عجز الإسلام السياسي عن الانتقال من الطائفة التراثية إلى الدولة الحديثة

يضع الباحث المغربي محمد الحيان حتمية انسداد مستقبل حركات الإسلام السياسي، لأنها لم “تثبت إلى الآن تحركها باتجاه النقد الذاتي والمراجعة”. إذ يؤكد الكاتب على أن أولى مؤشرات البحث عن بديل “للبراديغم المأزموم” هو الوعي بأزمة هذا “البراديغم” نفسه. لكن الحركات الإسلامية لم تع هذا بعد، “بل إنها تواصل العيش خارج التاريخ، في دائرة موهومة صنعتها لنفسها وتريد إدخال الجميع فيها عن طريق التعسف”.

ويؤكد الكاتب أن خطر عدم مراجعة الإسلاميين لأفكارهم لا يكمن في سكونهم وانغلاقهم على أنفسهم فقط، بل إن الإشكال يكمن في أن هذا الانغلاق وكذلك التطرف هما مسألتان “مقصودتان”. فالحركات الإسلامية لا ترى جدوى من الإصلاح الديني، “لأنها تعتبر النموذج التراثي مرجعية فكرية تخول لها التكلم وحشد الأنصار والمريدين باسم الدين وتمثل الحقيقة الدينية المقدسة”.

وبالتالي فإن فكرة الإصلاح الديني لن تكون في صالح هذه الحركات على المستوى التعبوي، رغم أنها صارت ضرورة ملحة لتدبير الشأن العام، وهو ما جعلها في تناقض محير لم تجد له حلا.

ولا توجد آفاق أمام هذه الحركات اليوم، حسب الباحث، سوى أفق واحد، وهو القبول بمقولة الإصلام الديني والتخلي عن احتكار الإسلام، وأن تكون هذه الحركات سياسية فقط، “فلا عزاء لها سوى التأسيس لنموذج معرفي بديل”، نموذج توحيدي يقوم على رؤية جديدة للغيب والكون والإنسان، وعلى قراءة حديثة للوحي والنص بالاستعانة بمنجزات العقل في كافة ميادين المعرفة باعتباره نصا متجاوزا للزمان والمكان وصالح لكليهما في كل الأوقات.

13