الإسلام السياسي يخاتل في عدم احترام الدولة والمواطنة وتحييد المساجد

الجمعة 2014/06/27
حزب النور يستميل ضباطا من الشرطة

القاهرة - مكنت ثورة الثلاثين من يونيو (التي ننتظر الذكرى الأولى على مرورها) كافة المصريين من مراجعة القوانين والإجراءات المنظمة للحياة السياسية، وقد عملت القيادات الانتقالية على تعديلها لملاءمة المطالب الشعبية و”منعا لعودة الاستبداد الديني إلى سدة السلطة”، على غرار ما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين. وفي انتظار الانتخابات البرلمانية القادمة، تعيش الأحزاب الدينية بشكل عام، وخصوصا حزب النور السلفي، حالة من التخبط تضع مستقبله السياسي على المحك، نتيجة القوانين الجديدة المنظمة للحياة السياسية.

مظاهر تناقض أحزاب الإسلام السياسي مع الدولة وفلسفة المواطنة والمؤسسات عديدة ومتنوعة، ويمكن التعرض إليها في كل مؤلفات الإسلاميين بشكل عام. لكن بالنسبة إلى الحالة المصرية، فالأمر ظاهر للعيان حتى في رفض الوقوف لتحية العلم ورفض تحييد بيوت الله عن السياسة والامتعاض من مشاركة المصريين المسحيين في قوائم مشتركة مع المصريين المسلمين.


عداء المواطنة والدولة


يعتبر محور قانون احترام العلم، في شكل العلم وتحيته والوقوف للسلام الوطني، من بين الرموز التي تشدد السلطة الجديدة المنتخبة على تطبيقها والإعلاء من شأنها، بالنظر لدور تلك الرموز في توحيد المجتمع والعمل على إنجاز المشترك الوطني وإصلاح ما دمره الإخوان في هذا الصدد.

وقد صدر قانون في شكل مرسوم يحمل الرّقم 41 عام 2014، ينص على أنه “يجب الوقوف احتراماً عند النشيد الوطني مع تحديد عقوبة بالسجن لا تتجاوز سنة أو بغرامة لا تزيد عن 30 ألف جنيه أو كليهما”، وفقاً للمادة رقم 11 من القرار.

وقد واجه مشايخ السلفية بعض التحديات في المحافل العامة، خاصة داخل الجمعية التأسيسية للدستور سنة 2012، بعد رفضهم الوقوف للسلام الوطني، وفقاً “لرؤية شرعية” نابعة من أفكارهم الدينية تمنعهم من الوقوف طبقا للبروتوكول الرسمي لجميع مواطني الدولة، وهو ما اضطرّ ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، لإصدار فتوى مفادها أن الوقوف من أجل السلام الوطني بدعة وطنية محدثة، وعزز فتواه بآية قرآنية تقول: “يوم يقوم الناس لرب العالمين” (دون معنى واضح للعلاقة بين الآية والسلام الوطني).

كما أفتى بعدم جواز ما يعرف بالوقوف “دقيقة حداد” على أرواح الشهداء، وهو الأمر الذي دفع دار الإفتاء المصرية إلى إصدار فتوى بجواز الوقوف عند تحية العلم وترديد النشيد الوطني، ولكن بعد صدور قانون الرئيس السابق منصور، اضطر برهامي نفسه وجماعته السلفية للوقوف عند السلام الوطني وتحية العلم خوفا من العقوبات الصادرة عن القانون، وهو ما دعا العديد من مختصي الجماعات الإسلامية يؤكدون أن هذا السلوك غير جديد عل الجماعات الإسلامية، إذ يستعملون في ذلك نظرية “خالف تعرف” لجلب الانتباه ومن ثمّ بث سموم أفكارهم.

الدعوة السلفية مضطرة لقبول التعايش المدني بين الناس كي تبقى على قيد الحياة السياسية

القرار الرئاسي الثاني، وهو قانون خاص ينظم ممارسة الخطابة والدروس الدينية، حيث يحظر القانون انخراط غير الأزهريين في البلاغة والوعظ والدروس الدينية على المنابر سواء في المساجد أو الساحات العامة على غير الدعاة الأزهريين.

هذا القرار جاء صادما للدعوة السلفية التي تسيطر على العديد من المساجد التابعة لها في بعض محافظات الجمهورية، حيث يصعد أعضاؤها للخطابة في المصلين والناس، رغم أنهم غير حاملين لتصريح من وزارة الأوقاف وغير مؤهلين للدعوة من الأزهر الشريف، وهو ما دفع وزارة الأوقاف لإصدار قرار يقضي بضم جميع الزوايا والمساجد إلى وزارة الأوقاف حتى تكون خاضعة لها وتحت إشرافها.

أما القرار الثالث فهو التصديق على مشروع قانون مجلس النواب الذي يفرض على أي حزب سياسي عند إعداد قوائمه الانتخابية وضع ثلاثة مسيحيين كحد أدنى في القوائم المغلقة ذات الـ 15 مقعداً، ووضع تسعة مسيحيين كحد أدنى في القوائم ذات الـ 45 مقعداً، وهو ما أغضب حزب النور الذراع السياسية للجماعة السلفية، حيث وصف القانون بأنه يعد “كوتة” للأقباط تم فرضها على الأحزاب السياسية.


القانون فوق الجميع


وفي هذا السياق يشير أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أن “الدولة وجهت رسالة تحذير لكافة أطراف تيار الإسلام السياسي، وليس حزب النور بمفرده، مفادها بأن هيبة الدولة ينبغي احترامها من قبل الجميع”، وهو ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطاب التنصيب، عندما أكد أنه “لن يسمح بدولة موازية”، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما يتخوف منه حزب النور السلفي ويعمل على دحضه بشكل مؤقت حتى “يتمكن” من الكسب والتوسع، وفي كل الحالات فإنه لا يوجد خيار أمام الحزب السلفي سوى تقديم تنازلات من أجل طموحه السياسي، وسيقوم بإدراج المسيحيين على القوائم الحزبية، حتى لا يخرج من الحياة السياسيـة بمخالفــة قانــون مجلس النواب".

من بين مظاهر تناقض حزب النور مع الدولة هو تحريمه للوقوف احتراما للعلم ومشاركة الأقباط في الانتخابات

ويؤكد عدد من الخبراء أن ثورة يونيو قد غيرت ـ بشكل عميق ـ العديد من النقائص في القوانين المنظمة للحياة السياسية في مصر، والتي تغافلت عن ممارسات غير وطنية وتساهم في تفريق المواطنين المصريين على أساس ديني وطبقي، إذ لولا الإصلاحات في قوانين الانتخابات وتأسيس الأحزاب على أسس دينية ضيقة لبقيت مصر تعاني من ثنائية المؤمنين في الحكم والكفار في المعارضة، وهو ما يبرر الاغتيالات وإراقة الدماء تحت مسميات مغلوطة.

ويشير عبدالرحيم علي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أنّه لا يوجد أمام حزب النور بديل سوى التأقلم مع الوضع السياسي الجديد، وتقديم فروض الطاعة والولاء للنظام السياسي من أجل البقاء على قيد الحياة السياسية، خاصة وأن الدستور الجديد يحظر إنشاء أحزاب على أساس ديني.

وتابع قائلاً: “التزام النور السلفي بإدراج الأقباط على قوائمه الحزبية واعترافة بالمواطنة ومدنية الدولة قد يجعله أمام القانون حزبا مدنيا”، وهذا ما يرفع عنه صفة الإسلامية وهي في جوهورها القداسة الموهومة التي يضفيها الحزب حوله لكسب تأييد الناس.

وفي المقابل يقول أشرف ثابت، نائب رئيس حزب النور السلفي، “إنّ الدولة تقف ضد طموح حزب النور السلفي، وتعرف ما ترفضه أيديولوجية الحزب وتقوم بإعادة صياغته وإصداره في شكل قوانين رئاسية”، لكنه استدرك في جملة تصريحاته وأكّد أنّ حزبه “لن يتوانى عن احترام القوانين التي أصدرها منصور، وسيعمل على تنفيذ مبدأ المواطنة واحترام هيبة الدولة وطموحاتها في السياسة الخارجية والداخلية".

وأوضح أن حزبه يريد البقاء في المشهد السياسي المصري ويسعى إلى الوصول إلى السلطة، وكل تلك الطموحات سوف تواجه قوانين الدولة التي سوف تضعه في إحراج وتناقض بين “الإسلام السياسي الذي ينتمي إليه” والدولة التي يعيش فيها.

13