الإسلام السياسي يسعى لاستبدال تاريخ الشعوب بتاريخه الشفاهي

ما تقوم به حركات الإسلام السياسي العنفية من هدم للآثار وطمس لمعالم التاريخ والحضارات يستقي مرجعيته من أحداث تاريخية ونصوص فقهية وقع تأويلها خطأ وسحبها على أزمان مختلفة، إذ بقيت المرجعية الفقهية في الممارسة العملية مشدودة إلى تفسيرات وتأويلات شاذة متطرفة من قبل فقهاء عطلوا مجال الاجتهاد، ما أثّر على مقاصد الشريعة في تواؤمها مع واقعها.
الاثنين 2015/07/13
هدم الحركات الإسلاموية للآثار وتاريخ الحضارات يستند إلى موروث فقهي متطرف

ما إن يسيطر تنظيم داعش على منطقة ما حتى تفتك متفجراته بشواخص تلك المدينة ومساجدها وتاريخها، وما إن سقط نظام صدام حسين حتى فقدت بغداد رأس مؤسسها “أبي جعفر المنصور”، حيث قامت الحكومة التي تسيطر عليها الأحزاب الشيعية بإزالة النصب التاريخي، بل أزيلت تماثيل بغداد التي كانت تعطيها هوية بين عواصم العالم واشتهر عن النحات العراقي محمد غني حكمت “بغداد غابة تماثيل”. وما إن سيطر تنظيم القاعدة على مدينة تمبكتو التاريخية في مالي حتى عاث مقاتلوه فسادا وتدميرا وهدما لتاريخ مدينة سعت اليونيسكو إلى حماية إرثها.

ولم ينس التاريخ اللحظات القاسية التي واجهتها الإنسانية عام 2001 حين فجّر تنظيم القاعدة في أفغانستان أكبر تمثالين لبوذا نحتا على جبل في باميان الأفغانية، وما فاق هذا المشهد إلا لقطات بُثّت لتنظيم داعش وهو يدمر متحف الموصل والثور الآشوري المجنح، والأغرب من ذلك أن أمانة بغداد، الجهة الإدارية الأكبر في العاصمة العراقية، دفعت مبالغ هائلة لشركة كي تزيل نصب اللقاء الذي نفذه الفنان علاء بشير كتحفة فنية قلّ نظيرها حيث أن المشاهد للنصب يستطيع أن يراه بخمسة وعشرين منظرا من جهات متعددة اعتمادا على نظام الكتلة والفراغ ولم يشر النصب إلى أيّ حكومة أو حزب بعينه ولكن لأنه ببساطة تم بناؤه أيام نظام صدام حسين ولم يتم التنفيذ إلا بموافقته، ومع ذلك تم تهديمه، واليوم يهدد نصب الشهيد في العراق حيث تسعى أمانة بغداد لهدمه كما يتعرض تمثال أبي نؤاس على شاطئ دجلة للإزالة بحجة أن الرجل لم يكن متديّنا. الأمثلة كثيرة بدءا من تأسيس الدولة السعودية الحديثة وتهديم قبور بعض الصحابة ومساكنهم وبعض الأضرحة وانتهاء بأبي نواس مرورا بتهديم أكثر من مئتي ضريح ونصب في مصر إبان فترة حكم محمد مرسي والتي لم تتجاوز عامين فقط.

الإسلام السياسي يسعى لجب ما قبله وتأسيس مرحلة آنية وترك التاريخ على مستوى المنقول مشافهة لا على أساس التدوين

وقد تعاقبت التجارب بتوجه الإسلاميين السياسيين حال سيطرتهم على مقدرات حكم أيّ بقعة إلى شواخص تلك البقعة وتهديمها وتحريم ممارسة أيّ طقس مذهبي ديني أو اجتماعي عندها اعتمادا على فتاوى قديمة يتم تطبيقها وفق التأويل أو التفسير الظاهري، وقد استند الكثير من نخب الإسلام السياسي إلى ما قام به الرسول محمد من إسقاط لآلهة قريش عند فتح مكة كسند تاريخي وفقهي وروائي لكل فعاليات التغيير التي قام بها المسيطرون الجدد، ليبدر سؤال مهم مفاده: لماذا يلجأ الإسلام السياسي إلى محو ذاكرة الشعوب ولماذا يسعى للاعتماد على تاريخ شفاهي منقول لإزالة تاريخ جسدته البشرية بآثار وبناء واستبداله بتاريخ شفاهي آخر؟

الجواب هو في عمق الفقه الإسلامي الذي ينزع للتفسير بانتقائية المفسر حسب الزمان والمكان والمرحلة التي تليق برؤية التفسير.

بعض المتشددين من القادة الإسلاميين يَرَوْن أن الأضرحة هي قبور ولا يجوز التعبّد عندها ومن أشهرهم ابن تيمية وابن حزم وتبعهم في هذا محمد بن عبدالوهاب.

فيما يشترك كل الفقهاء المسلمين إلا ما ندر في حرمة الرسم والنحت على أساس أنها محاولة للتشبه بالخالق، وربما يتعجّب البعض بأن بعض الفقهاء الإسلاميين من مذاهب عدة يحرّمون الصورة الفوتوغرافية لحد الآن ويحرّمون التماثيل، وهذه الإشكالية التي وقع فيها الخميني حين تسنّم منصب القيادة في إيران حيث برزت مطالب من التيار الإسلامي لإزالة التماثيل من شوارع طهران والمدن الإيرانية لكن وجود أشخاص مؤثرين حينها لا ينتمون إلى التيارات الدينية وقوة حزب تودة وقتذاك وتشبث الإيرانيين كمجتمع بتاريخهم واحترامهم لمثقفيهم ورموزهم جعل الخميني يعطي فتوى ببقاء التماثيل كما هي وحرمة إقامة تمثال متكامل للشخص، أي أن أيّ تمثال في إيران فترة ما وراء هذه الفتوى يجب أن يكون ناقص الجسد، أي أن على النحات أن يغيّب جزءا من الجسد كي لا يشاكس الخالق في خلقه ويدخل المشروع في إطار المحرمات.

المبررات السياسية هي الأخطر حيث يسعى الإسلام السياسي لجب ما قبله وتأسيس مرحلة آنية وترك التاريخ على مستوى المنقول شفاها وليس على أساس التدوين والآثار في البلدان، وهنا تكمن خطورة مشروع الإسلام السياسي غير المشروع في تكتيف الذاكرة البشرية على مستوى المنقول شفاها وتأسيس طلاسم للدين كحقائق غير قابلة للنقاش، وأبرز من نجح في تطبيق هذا المشروع هو الكيان الصهيوني الذي أباد قرى فلسطينية بأكملها وقضى على شواخصها وأضرحة رجالاتها وقادتها واليوم بات الفلسطينيون يتعاملون بواقع التغيير الصهيوني الذي جرى على غفلة منهم وعلى مدى خمسة عقود ونيف، ولا ننسى تصريح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بأنه نزل إلى الأمر الواقع وأن مهد ولادته مدينة صفد بات في دولة أخرى وأنه لن يعود إليها طبقا لاتفاق حل الدولتين، والحقيقة أنه نزول لنجاح مشروع الصهاينة في جعل الفلسطينيين يستندون إلى تاريخ شفاهي لم يحمله إلا قلة من العجائز الذين شهدوا التغريبة الفلسطينية، واليوم يستعير الإسلام السياسي الناهض مستغلا حركة الشعوب للتغيير، يستعير المشروع الصهيوني لتأسيس واقع مغاير لما تربت عليه الشعوب.

وجهة نظر الآخر في الإسلام السياسي ليست وجهة نظر يحق لها الوجود بقدر ما هي مشروع إفساد للدولة وأبنائها

من جانب آخر لم يستطع الإسلام السياسي بشكل عام توثيق مرحلته من خلال آثار على الأرض لأنه يعتمد على التاريخ الشفاهي والمدون والذي يتحول بالتالي إلى تاريخ شفاهي يتم تداوله أثناء المحاضرات والتثقيف لاستدراج جيل جديد يواصل مسيرته على اعتبار الفقه الموروث للتكفير والمنع والتحريم ورسم معالم الدولة الإسلامية المفترضة. بالاستناد إلى النص المقدس وتفسيراته المتعددة اختلفت الآراء فيها وتحولت في كثير منها إلى حروب إسلامية داخلية، ومثال ذلك ما يجري اليوم في بغداد من تهديم لآثار إسلامية تعبر عن ثقافة محدودة لجانب من المسلمين فقط، حيث أن فلسفة الحكومة العراقية التي يديرها عقل الإسلام السياسي تشرّب من منهل الكراهية لمدينة بغداد على اعتبار أنها مدينة عباسية لا تنتمي إلى ثقافة التشيع الذي يعتبر الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور ظالما وقاتلا وسارقا لحق الأئمة الذين خلفوا الرسول محمد، وبذلك فهم يمارسون عملية تخريب مستندة إلى شعور تاريخي مذهبي، حيث أن أبا العباس السفّاح مؤسس الدولة العباسية وأبا جعفر المنصور مؤسس بغداد وأكبر حاكم لها هارون الرشيد كل أولئك هم أعداء للشيعة وهذا ما تثاقف عليه رجالات حكم الإسلام السياسي في العراق اليوم الذين يعلمون أو أنهم لا يسلّمون بأن مشاريعهم ظلامية لا تختلف عن الفقه التخريبي الذي ينتمي إليه تنظيم داعش والقاعدة في قضية تهديم القبور ورفض الشفاعة والتقية ورفض التأويل في النص والمعاقبة بالذبح والقتل.

وبذلك فإن وجهة نظر الآخر في الإسلام السياسي ليست وجهة نظر يحق لها الوجود بقدر ما هي مشروع إفساد للدولة وأبنائها، يجب القضاء عليها وعلى آثارها وما يذكّر الآخرين بها.

13