الإسلام السياسي ينقض على المناسبات الدينية

العقل التكفيري يحاول مصادرة المناسبات والشعائر الدينية التي تأخذ بعدا احتفاليا وشعبيا، ويفرغها من قيم الوئام والتسامح ليجيّرها في خدمة التطرف والإرهاب، وهو بذلك يمارس عدوانيته على المسلمين، كما على غيرهم من أتباع العقائد الأخرى.
الجمعة 2016/05/27
الإرهاب يسرق الفرح من كل الأديان والمذاهب

الأعياد وإحياء المناسبات الدينيّة ـ وفي طقوس جماعية تأخذ بعدا احتفاليّاـ هي قديمة قدم الإنسان ونزوعه نحو إشباع الجانب الروحي، وما من شعب إلاّ وله مثل هذه الطقوس التي تؤكد الهوية المجتمعية وتبقي على تماسكه ضمن نسيج علاقات يتداخل فيها الأفقي بالعمودي.

جاء الإسلام السياسي ليستثمر حالة التديّن، والتي هي أقرب إلى الحالة الغريزيّة في النفس البشريّة، وينقضّ عليها فينزع عنها شكلها الاجتماعي المبهج وروحها التسامحيّة، ويحوّل وجهتها الاحتفاليّة نحو مآربه التكفيرية والإجرامية.

لا تفرّق الجماعات الإرهابيّة بين ديانة وأخرى في تعكير الصفو الاجتماعي عبر عمليات القتل والتفجير التي طالت دور العبادات، ومن جميع الشرائع والديانات والمذاهب، فلم تسلم من مخططاتهم الإجرامية الفئات المتديّنة أو المتديّنة التي لاحقوها في النوادي والمتاحف والمطارات، ممّا يقيم الحجّة والدليل على مشروعهم المبني على الترهيب والقتل.. ولا شيء غير ذلك.

تحفظ العقود القليلة الماضية سجلاّ طويلا من الإرهاب، طال أمكنة العبادة والتجمّعات الدينية في الشرق والغرب، قاطعا الطريق على كل إمكانيات التواصل وتقريب المسافات بين الشعوب، وهي مهمّة الإرهاب وغايته التي تأسّس من أجلها على كل حال.

موسم الحج اليهودي إلى معبد جزيرة جربة التونسية هذه الأيام وما يصاحبه من إجراءات أمنيّة وسط جمود في الحركة السياحية، يعيد إلى الأذهان الهجوم الذي استهدف كنيس الغريبة الأثري عام 2002 والذي يعود تاريخ إنشائه إلى 566 قبل الميلاد من قبل منتمين إلى تنظيم القاعدة، عبر تفجير تسبّب في مقتل 14 شخصا وجرح ما يزيد عن 30 آخرين.

القائمة تطول في أماكن الحج والعبادة التي استهدفها الإرهاب في أنحاء متفرّقة من العالم، وتشمل الكنائس والجوامع والمقامات والأضرحة والنصب المقدّسة للتماثيل البوذيّة، كما جرى في أفغانستان، وكل ذلك من أجل مصادرة القيمة الرمزية والتعبيريّة لحرية الشعائر والطقوس الروحية، وإحلال العقيدة التكفيرية محلها.

احتفالات المولد النبوي ذات الطابع الشعبي في شوارع القاهرة أو القيروان تصبح لدى التكفيريين بدعة عقابها الجلد والتعذيب

الإسلام السياسي لا يكتفي بالتقتيل والتفجير بل تجاوزهما نحو محاولة تدجين الشعـارات الدينية واستثمارها لصالح عقيدته التكفيريّة داخل الثقافة الإسلامية الواحدة في تنوعها، فبدأ بمخطّط منهجي يعتمد أساليب التشكيك في بعض العادات الاحتفالية السائدة لدى الوعي الجمعي، ثمّ تعدّاها نحو تكفير أصحابها وممارسيها، إلى أن انقضّ عليها ليتخذها مطيّة نحو أهدافه الإجراميّة.

السلفيّة كإحدى تفرّعات العقل التكفيري، تعمد في أسلوبها إلى محاربة الطرق الصوفية عبر خطاب زائف وتضليلي، تتوجّه به إلى بسطاء الناس، ثم تبدأ بالترهيب في مرحلة ثانية عبر هدم الأضرحة ونسف المقامات ومعاقبة كل من يتردّد عليها، وذلك لأجل جرّه إلى “بيت الطاعة” التكفيري، ومن ثمّ توجيهه نحو شبكات الإرهاب وتجنيده في صفوف الجماعات المسلحة كمرحلة نهائية.

هذه الأساليب التي اتبعها الإرهابيون في بلدان إسلامية كثيرة مثل تونس وليبيا ومصر، حاصرت الطرق الصوفية السلميّة والمتجذّرة منذ المئات من السنين في ثقافة شعوب المنطقة، وهي الثقافة التي حمت أتباعها ومريديها والمحتفين بها من الانزلاق نحو التطرف، وشكّلت لهم مناعة وحصانة ضد الإرهاب والعقل التكفيري كما يثبت العديد من الدارسين والموثّقين للطرق الصوفية في العراق ومصر والسودان وبلاد المغرب العربي والساحل الأفريقي.

الإسلام السياسي يمضي وبكل شراسة في محو أي طقس احتفالي جمعي وذي طابع سلمي، ليعيد بناء وتأثيث الإطار نفسه بمفردات عقيدته التكفيرية، فهو يعمل على استئصال كل مظاهر البهجة والوئام الأهلي ليثبّت مكانها حالة عبوس وعدوانية، تنضح كراهيّة.. وهذه الكراهيّة هي خزّانه الاحتياطي للاستقطاب والتجنيد وإعلان دولة الحقد والظلام.

احتفالات المولد النبوي ذات الطابع الشعبي في شوارع القاهرة أو القيروان، تصبح لدى التكفيريين بدعة عقابها الجلد والتعذيب، وموائد رمضان ومظاهر الاحتفال تمسي في قاموسهم كفرا وزندقة، والحج إلى مكة لدى الإسلام السياسي الإيراني ينقلب إلى إعلان حرب ضد خصوم نظام طهران، أمّا المسلم الذي يشعل شمعة في دير مسيحي ويشارك الآخرين احتفالاتهم كرسالة تسامح، فهو في نظرهم كافر ومرتد، كذلك ينطبق الأمر على غيره من ديانات أخرى في عقلية كل من يوظف الدين لمآرب سياسية ومافيويّة.

13