الإسلام الغريب

الأربعاء 2015/06/24

إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق، هكذا يصف النبي محمد الذي يؤمن به ما يقارب مليار ونصف مسلم حول العالم نفسه، أو هكذا وصف رسالته. إذن رسالة الإسلام في الصميم هي رسالة في الأخلاق ومن أجل استبدال ثقافة كانت تهمين عليها العلاقات الإنسانية البائسة والجهل والتخلف والاستعباد، وترسيخ ثقافة يصبح بها الإنسان سيّد نفسه ومصيره، وللوصول إلى مجتمع تسوده العدالة والمساواة والحرية.

تحقيق العدالة جوهر أساسي في الرسالة المحمدية، وتحقيق الحرية أيضا قيمة عليا في تلك الرسالة، وإنهاء ثقافة العبودية ليصبح الناس في المجتمع المسلم إخوة بالمعنى العميق للكلمة أيضا، وذلك كله هو أحد الأوجه الرئيسية لتلك الرسالة.

هكذا كان الإسلام الأول إذا جاز التعبير أي قبل أن يتحوّل إلى أيديولوجيا يُحقن بها الإنسان أو يلقن بها ليتحوّل بعدها إلى آلة طائعة مبرمجة على فعل الصواب وتجنب الخطأ أو ما يسمى ثنائية الفضيلة والرذيلة، لكن بالتأكيد ثمة فرق كبير بين المسلمين الأوائل الذين عاصروا النبي والذين كانوا يستشيرونه في كل صغيرة وكبيرة، وكان يجيبهم على كل أسئلتهم بكل صدر رحب وينهلون منه وهو المصدر الأساسي للإسلام ومصدر الرسالة وبين المسلمين اليوم الذين جاؤوا بعد 14 قرنا.

المسلم الأول أي المسلم الذي عاصر النبي، كان قريبا من حامل الرسالة وقريبا من الوحي الذي كان في كل مرة يأتي بأمر إلهي جديد حسبما يقتضيه الظرف أو الحدث أو المناسبة، وبالتالي ذلك المسلم كان أكثر قربا إلى الله.

على عكس اليوم تماما، فبين المسلم وذلك المقدس (القرآن) ملايين الكتب وملايين الشروحات التي قد تتناقض أحيانا مع تأويلات لا حصر لها، إضافة إلى أن الوحي قد انتهى أو توقف إلى الأبد، وصاحب الرسالة قد مات والرسالة قيلت وانتهى قولها.

لكن ما كان قبل موت النبي ليس كما صار بعده، ويمكن القول إن إسلام ما قبل موت النبي غير إسلام ما بعد رحيله وغير إسلام اليوم، الإسلام المعيش اليومي، ولا أتكلم عن الفروض والطقوس التي هي آخر ما بقي من الإسلام الآن.

الإسلام رسالة في الأخلاق بما تشمله من تحقيق العدالة وإنهاء الظلم ولا يكون ذلك إلا بالامتثال إلى تعاليم الله المبثوثة إلى نبيه الذي اختاره ليبلّغ تلك الرسالة “الإلهية” وتوضيحها إلى البشر ولا سيما العرب المحيط الأول الذي نما وترعرع فيه الإسلام والذي حضن ناقل الرسالة أو حاملها لتنطلق في ما بعد وتتجاوز الجغرافيا وتصير رسالة إلى العالم أجمع.

لكن ماذا بقي من تلك الرسالة اليوم، إنه لم يبق إلا الأيديولوجيا، ولم يبق إلا مجتمع إسلامي متناحر، فلم يبق علماء، بل حلّ فقهاء متناحرون، ولم تبق ثقافة، بل سادت مجموعة من الطقوس والعبادات والفروض، ولم يبق المسلم المتفكّر في أحوال الوجود، بل آلة (تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) ولم يبق المؤمن الذي يحلم أن يحوز رضا الله وأن يدخل الجنة، بل المسلم الذي انحصر إيمانه فقط في الوصول إلى السلطة، ولم يبق إلا الحديث عن إرهاب سني وآخر شيعي،

ولم تبق إلا الرؤوس المقطوعة بأيدي مجموعة من القتلة تسمي نفسها تنظيم الدولة، التي اختزلت الإسلام في السيف والدم.

كاتب وشاعر من سوريا

14