الإسلام الغوغائي وثقافة الفتنة

الاثنين 2013/12/02

لا يكفي أن نقول إنّ «دم المسلم على المسلم حرام» حتى يستعيد المسلمون الأمن والسّلام، وإلاّ فإنّنا نردد هذا القول دون أن يسلم دم المسلم من عنف أخيه المسلم. بل لا يزال حالنا يحملنا من فتنة إلى فتنة، منذ اجتماع السقيفة وموقعة الجمل وقميص عثمان والفتنة الكبرى ورأس الحسين، إلى غاية تفجيرات العراق وباكستان وسوريا واليمن حاليا. وقد أصبحت حرمة النفس في كثير من المجتمعات الإسلامية حلماً بعيد المنال.

حتى الإسلاميين الحاكمين في تونس لم يأمنوا من شرِّ فتنة لم يجتهدوا في درء لهيبها أيّام التجييش الدّعوي والتهييج الغوغائي، ولم يبدعوا -قصد تفاديها- أيّ نظرية في الإصلاح الديني كما انتظر منهم بعض المنتظرين. خلاف ذلك، فإنهم لم يألوا جهداً في تهييج الانفعالات طلباً للسلطة، حتى إذا هم أدركوا مبتغاهم صاروا معرّضين للحريق الذي ساهموا أنفسهم في إشعاله.

في غياب إصلاح ديني يشمل مراجعة التفاسير ونقد المذاهب وتحديث التشريع- وهي المهام التي انسحب منها الإسلام الغوغائي وانساق طلباً للسلطة- فإنّ هذا الإسلام الغوغائي لا يجد ما يقوله لدرء فتن ما بعد الرّبيع العربي سوى إعادة إنتاج خطاب ظاهره الانفتاح وباطنه إعادة تصنيف الناس على أساس ديني، أي فتنوي.

ومثلا، أثناء محاولاته لاحتواء المتطرفين الجهاديين وإقحامهم في النسق السياسي الرّسمي كان الشيخ الغنوشي يردد في جولاته الشعبوية مقولته باللهجة التونسية: «تصلي بالصحة عليك، ما تصليش الله يهديك، تونس لي وليك»، أي: «إذا كنتَ تصلي فهنيئا لك، وإذا لم تكن تصلي فالله يهديك، وفي كل الأحوال تونس بلدي وبلدك». منطوق القول دعوة إلى التسامح والحرية الدينية، ومنطق المقال تحريض على الفتنة، واختزال للإنسان في مجرّد أطر دينية (هذا يصلي، وهذا لا يصلي). فما أبعد هذا المنطق عن قيم المواطنة والقانون، وما أقربه إلى ذهنية الفتنة.

وأما عندما تشتعل الفتنة فإنّ الإسلام الغوغائي لا يجد من رد عدا ترديد نفس المقولة القديمة: دم المسلم على المسلم حرام. ومقصود قوله هذه المرّة أن دم الإسلاميين على الإسلاميين أشدّ حرمة.

مشكلة الإسلام الغوغائي أنه فشل في الخروج من حالة الفتنة الدينية والمذهبية والطائفية التي أنهكت «دار الإسلام»، بل ساهم في تأجيجها عبر خطاب لا يلائم عصر المواطنة ولا يناسب قيم حقوق الإنسان.

لا يكفي أن نقول «إنّ دم المسلم على المسلم حرام» حتى نستعيد الأمن والاستقرار، وإلاّ فقد اجتررنا هذا القول منذ الأزل بلا طائل. لأننا حين لا نقول إن دم الإنسان على المسلم حرام، وحين نسمح للمسلم بأن يسترخص دم سواه، فإنه سرعان ما يسترخص دم المسلم. حين يسترخص المسلم دم من ليس على دينه، فإنه يسترخص دم من ليس على مذهبه، ثم من ليس على طائفته، ثم من ليس على حزبه، ثم من ليس على رأيه. لماذا؟ لأن الحس الإنساني لا يتجزأ، إما أن يكون أو لا يكون.


كاتب مغربي

8