الإسلام الفرنسي.. استحالة التحقق وعوائق الاندماج

رزيقة عدناني: الاعتقاد أنه يمكن إصلاح الإسلام بفرنسا دون بقية المجتمعات الإسلامية يدل على عدم معرفة بخصوصيات المسلمين.
الاثنين 2018/07/02
عدناني: الحاجة إلى الإصلاح اليوم تخص كل المسلمين أينما كانوا

رزيقة عدناني هي مؤلفة للعديد من الكتابات باللغتين العربية والفرنسية من بينها “تعطيل العقل في الفكر الإسلامي” و”ضرورة التصالح” وآخر إصداراتها “الإسلام: أين الإشكال؟ تحديات الإصلاح”، ترى أنه لا وجود لإسلام واحد، وإن كان القرآن واحدا فالإسلام متعدد، إذ نجد إسلام الشيعة مثلا وإسلام السنة وإسلام الصوفية.

وتقول عدناني في حوار لـ”العرب” إن الحديث عن فقه للأقليات فكرة يرددها رجال الدين المحافظون لأن معناها أولا، أن الإصلاح أمر لا يخص سوى المسلمين الذين يعيشون في الغرب، والذين وجدوا أنفسهم في وضعية الأقلية. ويكون بذلك حالة استثنائية لفئة معينة. وهذا غير صحيح بحسب الباحثة “لأن الحاجة إلى الإصلاح اليوم تخص كل المسلمين أينما كانوا”، فالمسلمون داخل التاريخ ويتأثرون بتحولاته مثلهم مثل بقية شعوب العالم؛ هذا العالم الذي تغير بشكل كبير.

وتوضح عدناني أنها لا توافق على كل ما يحدث في العالم اليوم من تحولات، ولكن هناك من القيم العصرية كالعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية التي تعد مهمة جدا، خاصة والإنسانية تمر بمرحلة صعبة من تاريخها نتيجة الارتفاع الكبير لسكان الأرض من جهة، وميل الإنسان إلى العودة إلى سلوكيات بدائية. مبينة أن هذا لا يعني أن المسلمين هم فقط من يحتاجون اليوم التكيف مع قيم الإنسانية، فالغرب الذي وضعه هذه القيم يحتاج اليوم إلى جهد كبير من أجل إحيائها في نفوس أفراده.

ثانيا، إن فكرة فقه الأقليات تعني أن الإصلاح لا يمس سوى بعض القوانين الفقهية التي تتعلق بكيفية تطبيق الأحكام دون المساس بالأحكام ذاتها أي بالشريعة. وبالتالي فالحديث عن فقه الأقليات غايته أيضا عرقلة عملية الإصلاح التي تحدث التغير الحقيقي وفق أستاذة الفلسفة. أما بالنسبة لعبارة “إسلام فرنسا”، فتقول “كتبت مقالا في هذا الموضوع بينت فيه أن الاعتقاد أنه يمكن إصلاح الإسلام بفرنسا دون بقية المجتمعات الإسلامية ليس ممكنا ويدل على عدم معرفة أصحابه بخصوصيات المسلمين ونفسياتهم”، مضيفة أنه لا يمكن أن يصلح الإسلام الموجود في فرنسا ويكون عصريا متكيفا مع القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الحديثة، بينما يظل في باقي المجتمعات على حاله أي إسلاما تقليديا ويتغلب عليه الفهم والنظرة السلفية.

الإسلام لا يعني إدارة الظهر لقيم العالم
الإسلام لا يعني إدارة الظهر لقيم العالم

وتعتبر عدناني هذه الفكرة مثالية لأن المسلمين الفرنسيين لمّا يتعلق الأمر بأمور دينهم يتوجهون إلى أوطانهم الأصلية وإلى الأمة الإسلامية التي يشعرون أنهم ينتمون إليها، كما أن محاولة تقديم إسلام مختلف عما هو عليه في بقية العالم الإسلامي للمسلمين في فرنسا، يخدم التيار المحافظ الذي سيتحجج بفكرة أن الغرب يريد نهاية الإسلام، الأمر الذي من شأنه أن يولد لدى المسلمين في فرنسا رد فعل يزيد من الهوة بينهم وبين المجتمع الفرنسي. وتقول عدناني “كل هذا سيسرّع في فشل الحركة الإصلاحية سواء بفرنسا أو بغيرها، خاصة وأننا نعرف حساسية المسلمين تجاه الغرب”.

وبحكم استقرارها في فرنسا تعتبر الكاتبة الجزائرية أن الدين الإسلامي تجذر في أوروبا لأن هناك من الأوروبيين من هو مسلم دون أن يعني ذلك أنه أصبح جزءا من الثقافة الأوروبية، فالإسلام برأيها لم يندمج في الثقافة الأوروبية وإنما بنى ثقافته إلى جانب الثقافة الأوروبية. ما يعني أنه اليوم توجد ثقافتان متعايشتان جنبا إلى جنب في أوروبا.

وبحسب عدناني فإن مسألة اندماج المسلمين في الثقافة الأوروبية من المشاكل المطروحة اليوم، ولو تحقق اندماج المسلمين لما طرح كواحدة من القضايا التي تهم المسلمين في الغرب. فالتعارض بين القيم الغربية والعديد من القيم الإسلامية أمر تعكسه النصوص الدينية ويؤكده الخطاب الديني. وهذه الأسباب هي ما يعرقل عملية الاندماج، أضف إليها الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي تمس المسلمين، لكونهم نازحين، أكثر من غيرهم. لكن مشكلة الاندماج والتكيّف تطرح أكثر عند المسلمين الذين يريدون تطبيق تعاليم دينهم، أي الذين لا يريدون أن يكتفوا بالإسلام الروحي وإنما يريدون أن يكون لهم سلوك فردي وجماعي موافق لتعاليم الإسلام.

أما في ما يهم الأطروحات التي تثير التناقض بين الإسلام والعلمانية في ما يخص حقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة، فتؤكد عدناني أنه “لا بد ألا ننسى أن القرآن نزل في القرن السابع ميلادي حيث التمييز بين الدين والسياسة لم يكن معروفا وحقوق الإنسان لم تخطر على بال الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل كانت أمرا لا يتصور”. وتشير إلى أن القرآن لم يكن منفصلا عن عصره وبيئته، رغم ادعاءات البعض، وذلك بشهادة من القرآن نفسه الذي يؤكد في سورة إبراهيم الآية 4 (إن الله لم يرسل رسولا إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، ولا تعني كلمة اللسان هنا بحسب الباحثة الألفاظ المستعملة فقط، وإنما أيضا معانيها وكل ما يمكّن من فهم الخطاب وذلك بشهادة علماء الدين الذين يؤكدون أسباب نزول الآيات وليس ذلك إلا دليلا على عدم انفصال القرآن عن الواقع بل وتعامله معه. وهذا الأمر يعترف به رجال الدين مثلما فعل محمد قطب بالنسبة للآيات التي تتعلق بالعبيد التي قال بوجوب إدراجها في ثقافة القرن السابع الميلادي.

لذلك فإنكار التعارض بين القيم الإسلامية والقيم الإنسانية الحديثة هو “إنكار لحقيقة الإسلام والعصر الذي ظهر فيه مما يجعل التغيير اليوم ضروريا، أما ما يجعله ممكنا من الناحية الدينية فهو تلك الآيات التي تتحدث عن العدالة والحرية كالآية 105 من سورة المائدة التي تقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)” التي يمكن استعمالها، على حد تعبير الكاتبة، لترسيخ مبدأ الحرية الفردية في نفوس المسلمين.

13