"الإسلام بريء من الإرهاب": كلام حق يراد به تأجيل الإصلاح

ألم يحن الوقت لإنتاج معقولية دينية جديدة تكون أداة للتخلص من منطق الجريمة المقدسة؟ فالأمر كان قد انسحب على أديان وأيديولوجيات أخرى، وساهم في إنجاح طفرة حضارية عظمى أدت بأوروبا إلى الحداثة وما بعدها، أما المنطقة المعرفية المرتبطة بالإسلام، فلم تكتسب بعد الجرأة لتخليص الدين من خطاب الجريمة الملتحفة بالنص المقدس.
الاثنين 2015/11/30
مراجعة التراث الإسلامي ليست ترفا فكريا بقدر ما هي استحقاق حضاري ضروري

الجريمة جريمة، سواء اقترفت باسم الإسلام، أو باسم دين من سائر الأديان، أو باسم وطن من بين الأوطان، أو حتى باسم العلم والحضارة وتقدم الإنسان، لا فرق. في ذلك، يجب أن نحافظ للجريمة على مدلولها بلا تعمية ولا تعتيم. الجريمة جريمة في كل الأحوال، لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال. بل لا يجرؤ على تبرير الجريمة سوى عقل إجرامي وقلب مليء بالحقد والعدوان.

هنا بالذات، مطلوب من كل واحد منا أن يسائل نفسه ويراجع سريرته بكل وعي وتجرد. ومن هنا يبدأ تطهير القلب وسمو النفس بنحو عملي بعيدا عن كل الرؤى السحرية. وهو أمر ضروري في بناء الحضارة. لكن، معلوم أن تاريخ البشرية حافل بالجرائم التي اقترفها الجميع تقريبا ضدّ الجميع: استعمارات، فتوحات، غزوات، سبايا مغتصبات، غنائم مسروقات، إلخ. هذه حقائق تاريخية لا يمكن إنكارها، وقد تورط فيها الجميع ضد الجميع، في أزمنة لم يكن فيها من معنى لحقوق الإنسان. كان الاعتقاد الشائع أن الحق هو حق الله على عباده. وكان هذا الحق الإلهي ولا يزال عند الكثيرين مبررا كافيا لشرعنة كل أشكال عنف الإنسان ضد أخيه الإنسان. بل باسم الحق الإلهي كان العنف ينفجر حتى بين أبناء الدين الواحد طالما الحقد الغريزي وحش أعمى ما إن ينطلق من عقاله حتى يخبط خبط عشواء، يهدد البعيد ولا يوقر القريب، يشتم الكبير ولا يرحم الصغير، بل كثيرا ما يرتد إلى نحره. وهذا درس للذين يظنون بأن التطرف يصلح للاستثمار السياسي، وما أكثرهم.

جرائم العنف الهمجي حقائق تاريخية مرعبة عرفتها أوروبا في حروبها الداخلية أكثر من حروبها الخارجية منذ حرب المئة عام الأولى إلى غاية الحرب العالمية الثانية، وعرفها المسلمون كذلك في حروبهم الداخلية أكثر من حروبهم الخارجية منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى وحروب صفين والنهروان وكربلاء إلى غاية الحروب الأهلية الطاحنة اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن، والتي توشك أن تدمر كل شبر من أوطاننا فلا تترك حجرا على حجر.

أمام حالة رعب شبه كوني وشبه يومي يشمل العشرات من الدول والمجتمعات حلت بيننا وفق فهم "خاص" للإسلام

بلا شك فإن جرائم قتل الأبرياء بالعشرات والمئات والآلاف، تعدّ بمثابة معطيات تاريخية ليس من مصلحة أي أحد إنكارها؛ ففيها دروس وعبر، لكن المشكلة هي حين تتحول تلك المعطيات التاريخية إلى مبرر شرعي لأجل الاستمرار في قتل الأبرياء في الحاضر والمستقبل، أي عندما نبرر أفعال الحاضر والمستقبل بجرائم الماضي، فنحاول أن نبرر الإرهاب الممارس اليوم باسم الإسلام بالاستعمار الفرنسي أو البريطاني قبل عدة عقود، أو بالحروب الصليبية أو سقوط الأندلس قبل عدة قرون، إلخ، هنا المشكلة، أي عندما نرهن مشاعرنا وعواطفنا وانفعالاتنا بقصص الموتى والأموات، وحتى بالنسبة إلى هذه القصص لا نذكر جرائمنا وإنما نذكر الجرائم ضدنا فقط.

هل يكفي أن تكون الجريمة قد تم اقترافها مرارا حتى يصبح هذا مبررا لتكرارها إلى الأبد؟ هل جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل دليل ثيولوجي على أن الجريمة قدر إنساني يتوارثه أبناء آدم وحواء إلى يوم الدين؟

بصرف النظر عن حقائق التاريخ فثمة شيء مؤكد، إن ما يميز الحضارة المعاصرة – رغم المآسي الكامنة والبادية- هو الأمل العظيم في انحسار دوائر العنف بين الإنسان وأخيه الإنسان ولو تدريجيا، ولو ببطء شديد، ولو بسرعة قد تثير شيئا من الملل.

لكن الخلل أكبر من مجرّد تبرير لأفعال الحاضر والمستقبل انطلاقا من جرائم الماضي، فمكمن الخلل هو الوهن في استعمال العقل والذي هو أعظم نعمة على الإنسان. هنا بوسعنا أن نوضح بعض الأمور حين كان ستالين يقترف جرائمه باسم الماركسية فقد انبرى معظم الماركسيين والاشتراكيين يراجعون الفلسفة الماركسية بعيدا عن شعارات مملة من قبيل “ستالين لا يمثل الماركسية”، وبعيدا عن الحمية الغريزية التي تقول “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”.

لقد كان الجهد النظري المضاد للإرهاب الستاليني في منتصف القرن العشرين متعلقا بنزع الألغام الستالينية المبثوثة داخل الفلسفة الماركسية نفسها، وذلك باعتماد الاستعمال الحر للعقل النقدي وباستلهام حتى الأدبيات المضادة للماركسية، ولم لا؟ فالعاقل لا يحبطه النقد بل يستوعبه ويحوله إلى طاقة إيجابية. كون ستالين استطاع أن يتكلم باسم الماركسية فهذا دليل على وجود ألغام ستالينية داخل النص الماركسي. هذا ما أدركه العقل النقدي بعيدا عن فنون النكران والكتمان. وأيضا، عندما كان بسمارك يبني ألمانيا بقوة الحديد والنار فقد فرض هذا الإجراء على الفكر الغربي مراجعات جذرية في مفهوم الدّولة الوطنية. وكذلك القول بالنسبة إلى أفران الغاز في ألمانيا زمن هتلر، والمقصلة في فرنسا زمن روبسبيير، إلخ.

هناك أشخاص يجرؤون على قتل المئات من المواطنين الآمنين ويزعمون في المقابل بأنهم يتصرفون بناء على فهمهم "الخاص" للإسلام

لا يكمن التحدي الأخلاقي في طبيعة العمل الإجرامي نفسه وإنما باسم ماذا حدثت أو تحدث الجريمة؟ على سبيل المثال، حين قام بعض القساوسة الكاثوليك بممارسة اعتداءات جنسية على الأطفال فإن هذا لم يطرح تحديا على النصوص الدينية المسيحية طالما أن المجرمين هنا، رغم كونهم رجال دين، إلا أنهم لم يقترفوا جرائمهم باسم الدين، ولم يزعموا بأنهم يقترفونها باسم المسيحية أو باسم أي منظومة فكرية أو حضارية يمكن مساءلتها. وهذا بالطبع رغم اعتقادي بأن مساءلة المسيحية لا تزال مفتوحة في قضايا أخرى كثيرة.

لكن، لو أن أحدهم زعم بأنه يمارس الاعتداء الجنسي على الأطفال باسم المسيح، أو باسم الأناجيل، أو باسم مقتطفات من الكتاب المقدس، فلا شك أن الأمر في هذه الحالة سيختلف كليا، وستكون المسيحية مدعوة إلى الدخول في مواجهة مع نفسها، ونصوصها، وتراثها، وخطابها، لأجل قطع الطريق أمام أي تبرير ديني للاعتداء على الأطفال. وسيكون الأمر كذلك حتى ولو كان المعتدون من غير رجال الدين الرسميين.

هذا بالضبط هو المطروح علينا الآن. هناك أشخاص يجرؤون على قتل المئات من المواطنين الآمنين من المسافرين والعاملين والعابرين والتلاميذ القاصرين، ويزعمون في المقابل بأنهم يتصرفون بناء على فهمهم “الخاص” للإسلام ولنصوص الإسلام ولما يريده الله من المسلمين، بل يستشهدون بنصوص من الإسلام. أكثر من هذا، لا يتعلق الأمر بمجرد جرائم عرضية استثنائية لا تحدث إلا بين الفينة والأخرى، أو تقتصر على بعض البلدان لأسباب خاصة، بل إننا أمام حالة رعب شبه كوني وشبه يومي يشمل العشرات من الدول والمجتمعات، ويستهدف بنحو عشوائي وعبثي كل إنسان لمجرد أنه إنسان.

أكثر من هذا فإن هذه الجرائم التي تخرب كل قضايانا، من فلسطين إلى الديمقراطية، ومن الحرية إلى التنمية، يقابلها شلل أخلاقي في الموقف الإسلامي الرسمي وغير الرسمي: إذا كان الإسلام لا يمثل الجناة فلماذا لا نقول إنه يمثل الضحايا، وهل هذا كثير؟ إذا كنا لا نريد أن ننتسب إلى وجهة نظر الجناة فلماذا لا نستطيع أن نردد شعارا أوضح وأبلغ من العشرات من الجمل الإنشائية والفارغة، فنقول “ليس باسمي”؟

المشكلة واضحة الآن، الجناة يهددون أمننا وأمن العالم معنا، وهم يبررون جهارا نهارا جرائمهم باسم التفويض الإلهي، بمعنى باسم إلهنا نحن. وأما نحن، فلسنا نملك من قدرات ومهارات غير التنصل والإنكار. ومعنى التنصل والإنكار، أننا نريد أن نغلق الباب أمام فرصة الإصلاح.

13