الإسلام بوصفه جمعية.. وطن بديل لتنظيمات الإسلام السياسي

الاثنين 2016/03/28
التوحش في إدارة التوحش

في دراسة بعنوان “المجتمع العميق للإخوان والسلفيين في مصر” الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، يكشف عمار علي حسن عن الجرائم التي ضربت المجتمع المصري وأوصلته إلى ما هو عليه الآن من تسلف العقل والوجدان، كما يحلل الأفكار المضللة والضآلة التي كان من نتائجها خروج هؤلاء الإرهابيين ووجود من يتعاطف معهم ومن يؤمن بأفكارهم ويوفر لهم المال ويدعمهم لوجستيا ويهلل لما يرتكبونه من جرائم.

وحصر علي حسن أسباب ترسخ “المجتمع العميق” في العالم العربي عموما، وفي مصر على وجه الخصوص، في عدد من النقاط أهمها جمعنة الإسلام، بمعنى أن هناك اعتقاد راسخ في أن الإسلام “دين الجماعة”، بما يفرض على الفرد المسلم التزامات محددة حيال الآخرين، لا تقتصر على الزكاة والصدقات والوقف والهبات وصلة الرحم وغيرها، إنما تمتد إلى الوعظ والنصح والإرشاد في إطار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وتحت طائلة فكرة “الأمة” التي تحتاج إلى “النصرة” الدائمة، وهذا يخلق تفاعلات اجتماعية متعددة، تخلق عمقا اجتماعيا متواصلاً؛ مثل جدار صد في وجه النزعات الفردانية التي عرفتها مجتمعات أخرى بعد الثورة الصناعية.

ويتساءل علي حسن ما تأثير هذا العمق الاجتماعي على الدولة في العالم العربي بشكل عام لا سيما في ظل الاهتزازات التي تعرضت لها بعض الدول عقب انطلاق انتفاضات وثورات شعبية؟ ويقول إن الإجابة تتوزع على أمرين أساسيين؛ الأول، إذا كان هذا العمق طوعيًّا ومتماشيًا مع الدولة الوطنية، والأفكار أو التصورات التي ينطلق منها متماشية أو منسجمة مع الثقافة المدنية والموروثات الشعبية التي تحفظ تماسك الجماعة الوطنية، فإنه يساعد الدولة على الصمود في وجه عوامل التفكك والانهيار.

هناك اعتقاد راسخ في أن الإسلام “دين الجماعة” بما يفرض على الفرد المسلم التزامات محددة حيال الآخرين

والثاني، إذا كان هذا العمق منجذبًا إلى جماعات أو تنظيمات أيديولوجية تعمل على هدم الدولة الوطنية، فمن دون شك سيُستغل في تهشيم ما تبقى من الدولة، لإسقاطها وإقامة كيان سياسي آخر محلها.

ولهذا يبدو العمق الاجتماعي الذي تصنعه الجماعات والتنظيمات السياسية التي تتخذ من الإسلام إطارًا أو أيديولوجية لها، ليس ميزة أو إضافة للدولة، إنما يبدو خصمًا من رصيدها. أما الذي يمكن أن يصب في رصيد الدولة فهو ما يفعله الدعويون، وليس أصحاب المشروع السياسي من الجماعات الدينية.

ويؤكد أنه “منذ البداية آمنت هذه التنظيمات بفكرة ‘الوطن البديل’، وإن اختلفت في طرق التعبير عنها، وأساليب الوصول إليها، والتدرج الواجب في سبيل بلوغها. وقد تطورت وتدرجت الفكرة، وأعيد إنتاجها في صيغ متعددة، أولا الهجرة، وتعني ترك المجتمع وبناء نواة اجتماعية مختلفة، بدعوى أنه ‘مجتمع جاهلي’، تحكمه سلطة كفرية وقوانين وضعية، ولذا لا يجب على أتباع الجماعة، الذين يتوهمون أنهم العصبة المؤمنة، أن لا يمكثوا فيه، ولا يعايشوا أهله، إنما وجب عليهم أن يرحلوا عنه.

ثانيا العزلة الشعورية، ويطرحها سيد قطب في صيغة تحمل كثيرًا من التناقض فيقول “حين نعتزل الناس، لأننا نحس أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلاً، لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا، لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل، وأقلها مؤونة، إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس، مُشْبَعين بروح السماحة، والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع! إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقًا.. إن التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد: هو العظمة الحقيقية”. ومع هذا أخذ ذلك المعنى المتناقض تصورًا أشد صرامة في التطبيق، أو تم الالتزام بأوله من دون آخره، تحت وهم اصطفاء المؤمنين به واختلافهم عن الناس؛ من حيث القرب من الدين أو الامتثال لتعاليمه. وبالتـــالي عـــاش أنصار الجــمــاعات والتنظيمات الدينية المسيسة في دولة متوهمة أو ‘وطن بديل افتراضي’ يخالطون الناس بأجسادهم.

هذه التنظيمات آمنت بفكرة "الوطن البديل"، وإن اختلفت في طرق التعبير عنها، وأساليب الوصول إليها، والتدرج الواجب في سبيل بلوغها

ثالثا الاقتطاع، أي نزع جزء من جسد دولة أو من مدينة، لإقامة ‘وطن بديل’ عليها، يتم فيه تطبيق أفكار الجماعة المتطرفة، بعد أن تمتلك وسائل للسيطرة والتحكم داخل المجتمع، إما بإقناع عدد كبير من سكانه بالفكرة المتشددة، وتوظيفهم في السيطرة على الباقين، أو باستغلال التهميش الاجتماعي وغياب سلطة الدولة والسيطرة بالقوة القاهرة على السكان، وإخضاعهم لتصورات الجماعة أو التنظيم.

رابعا دولة الفكرة، وهناك كتاب بهذا العنوان لعضو جماعة الإخوان محمد فتحي عثمان، يرى فيه أن هذه الدولة هي حلم البشرية، وهي دولة لا تقوم على حتمية ظروف الأرض أو الدم، ولكنها تقوم على ‘اختيار’ الإنسان، بوعيه الكامل وإرادته الحرة، وعلى أساس أن كل أرض سواء، وكل سلالة سواء. خامسا أستاذية العالم، وهي فكرة مؤسس جماعة الإخوان، تعني الوصول إلى ‘قيادة العالم’ بعد المرور بتربية الفرد والأسرة والمجتمع المحلي على أفكار هذه الجماعة، حتى يتم بلوغ ما يسمى بـ’الأخوة الإسلامية العالمية’. وهذه الفكرة خيالية، كما أن قيامها على أسس جماعة الإخوان وفكرتها هشة، فالجماعة التي تعلي من التنظيم على التفكير، لن تؤدي إلى سيطرتها على العالم، كما تزعم، إلا بزيادة الحياة توحشا وبؤسا.

سادسا إدارة التوحش، وهناك كتاب بهذا العنوان يوضح هذه الفكرة الجهنمية ويفصل فيها، وقد قصد مؤلفه، واسمه الحركي أبوبكر ناجي بـ’التوحش’ حالة الفوضى العارمة التي تعم وتطم في إقليم أو دولة ما؛ نظرًا لانفضاض قبضة السلطة الحاكمة عنها، بما يخلق معاناة شديدة للسكان، وعلى ‘تنظيم القاعدة’ الذي يحل محل هذه السلطة المنهارة الغائبة أن يمتلك كفاءة في إدارة المكان والسكان إلى أن تستقر الأمور لصالحه، فيقيم إمارة إسلامية، تطبق الشريعة، وفق التصور الذي يؤمن به التنظيم”.

ويرى علي حسن أنه مما سبق يتبين أن فكرة “إدارة التوحش” التي يتبناها تنظيم داعش الإرهابي في الوقت الحالي، مرت بأطوار ومراحل متعاقبة، ودمجت بعض جوانبها، وليست كلها بالطبع، في تصورات تبنتها تنظيمات وجماعات دينية مسيسة.

6