الإسلام في أوروبا.. إشكاليات الدمج وأزمة التأصيل القانوني

القراءات الفكرية التي تتعاطى مع الظواهر المترتبة على وجود الإسلام في أوروبا، تجد نفسها محكومة بالراهن المتصل بمفاعيل الإرهاب، وبالتالي فإنها إما تنخرط في موجة محمومة للدفاع عن الإسلام والمسلمين في أوروبا، وإما تنساق في البحث عن بذور وأسباب الإسلاموفوبيا في التربة العربية الإسلامية. القراءة الأولى، كما الثانية، تلغي بعدا أساسيا ولازما لفهم بعض تمثلات النظر الأوروبي إلى الإسلام، وهو بعد الحيثيات القانونية لوجود المسلمين في أوروبا، أو تأصيل علمانيات أوروبا للإسلام.
الاثنين 2016/08/08
هل فشلت علمانية أوروبا في استيعاب الإسلام

أصبح الإسلام حقيقة مركزية منذ بدأت الجمهورية الفرنسية تعيد النظر، ودون أن تعلن ذلك، بنموذج الدمج الاجتماعي فيها. فمنذ “الثلاثينات المجيدة” وبتأثير من حركة مايو 1968 وإغراء النموذج الأميركي، لم تعد النزعة اليعقوبية تحظى برائحة القداسة. ومنذ إعلان الوثيقة الأوروبية لحقوق الإنسان إبان حكم الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، وتسارع التكون الأوروبي وتأثيرات العولمة، بدأ سياق الأزمة الذي لم تشهد نهايته بزيادة الموقف إحراجا.

* قبل الحرب العالمية الثانية: تم التعامل مع الإسلام، مع أنه كان مهمشا، مثل الديانات القائمة، وبالرغبة نفسها في تأمين حرية الضمير، وضمان حرية العبادة بالنسبة لمعتنقيه، وبخلق وظيفة مرشدين إسلاميين في الجيش منذ العام 1914 مع وصول أوائل المسلمين إلى فرنسا والمسجلين من أجل “الدفاع عن الوطن الأم”، وإقامة أماكن مقدسة للإسلام أثناء الحرب العالمية الأولى، وبناء مسجد باريس في العشرينات، وكل ذلك يشهد على هذا الموقف غير الآخذ بالتمييز.

* بين الحرب العالمية الثانية وسنوات 1970: كان ينظر إلى وجود الإسلام ويدار كما ينظر إلى المهاجرين المؤقتين الذين يعدون للعودة إلى بلدانهم الأصلية لا ليتم إدماجهم أو صهرهم، إلا إذا أرادوا وكانت لديهم الوسائل الخاصة بهم، كما هو الحال بالنسبة للسكان الأصليين في المستعمرات.

* منذ السبعينات: أسهمت الأزمة الاقتصادية والإيقاف الرسمي للهجرة في تسريع إقامة المهاجرين المسلمين في الحواضر، وقد قاموا باستجلاب النساء والأولاد رافضين فكرة العودة. ترافقت هذه الإقامة مع إعادة النظر بنموذج الدمج الاجتماعي الفرنسي، وقد عانت إدارة الإسلام في هذه المرحلة، من إعادة النظر هذه، ومن النتائج السلبية والتردد والشكوك، وهذا ما تميزت به سياسة السلطات في هذا المجال. أدت أزمة الخدمات العامة وتراجع التضامنات بالسلطات العامة إلى اللجوء إلى المؤسسات الدينية؛ من أجل الصراع ضد الإقصاء وللتخفيف من آلام “التصدع الاجتماعي”.

في بريطانيا طالما تجاهلت الإدارة الجمعوية المسلمين. وكان لا بد من انتظار أن ينظم المسلمون أنفسهم في جماعات كانت حتى الآن مبنية بحسب الانتماءات القومية لبلدان المنشأ، حتى يبدأ النظام بإعطائهم بعض الحقوق المعترف بها لسائر الأقليات. والمسلمون الذين اكتسبوا الجنسية البريطانية، أو الذين أعطيت لهم بحكم ولادتهم في بريطانيا، نجحوا في انتخاب ممثلين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن حقوقهم على المستوى المحلي. يعتبر فيليب لويس، وقد نقلنا عنه في ما سبق، أنه بحدود عام 1990 كان ثمة 160 مستشارا في البلديات وبعضهم اكتسب صفة عمدة. وفي 1997 تم انتخاب نائب أيضا. وبعد أن تم إعطاء صفة نبيل في مجلس العموم: اللورد ناظر أحمد وأصله من باكستان، والبارونة بولا أودين وأصلها من البنغال. كذلك أعطي المسلمون منذ 1998 الحق بأن تكون لهم مدارسهم الخاصة والممولة من الدولة، تماما كالمسيحيين واليهود. وفي 1999 تم تعيين مرشد في الخدمات الإصلاحية.

على الرغم من كل هذه التطورات ظل التمييز مستمرا. وهو تمييز يطول كل الديانات الأقلوية في بريطانيا؛ إذ أن للكنيسة الكالفينية حق التفوق في اسكتلندا، وللكنيسة الأنجليكانية الحق نفسه في بريطانيا، حيث “الحاكم الأعلى” ليس إلا العاهل البريطاني. ويترافق حق الرفعة هذا بامتيازات مالية وثقافية لازمة لوضعية دين الدولة. مع ذلك، كان الإسلام ولم يزل أقل تعزيزا مقارنة بالأديان الأقلوية الأخرى، إذ باستطاعة السيخ أو اليهود المعترف بهم جماعات إثنية استخدام القانون ضد التمييز العرقي، ولا يستطيع المسلمون ذلك نظرا لتنوعهم.

ما زال الإسلام يعتبر في أوروبا ديانة غريبة، خلافا للديانات التي تقدم بوصفها عنصرا كبيرا مكونا للهوية الثقافية الأوروبية. غالبا ما ترد هذه الهوية إلى البعد المسيحي، وأكثر فأكثر بات يقال “اليهودية – المسيحية”، هذا إلى جانب حساسيات أيديولوجية أو فلسفية تبعا للبلد، إذ يعترف بإرث العصور اليونانية – الرومانية، السلتية، الهندو– أوروبية إلخ، وما زالت المقاومات قائمة تجاه قبول بعد إسلامي لهذه الهوية، هذا بالرغم من إعادة تأهيلها بأعمال تاريخية وفلسفية.

إسهامات أسبانيا المسلمة، وصقلية في القرون الوسطى، وأوروبا العثمانية والمكونات الإسلامية في الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، والشعوب المسلمة التي تعيش في مختلف مناطق أوروبا، كل ذلك ما زال متجاهلا، بل يصار لنفيه. يسري ذلك أيضا على العلاقات التي تربط الإسلام بالديانتين اللتين يقال إنهما المكونتان للهوية الأوروبية، وهما المسيحية واليهودية: إن الخطاب السائد، حتى ما كان منه في الأوساط العلمية، لم ينقطع عن تجاهل العمق المشترك لهذه الديانات الثلاث، وذلك بالمبالغة في ما يميزها، وبالبحث عن إقامة معارضات جوهرية حتى حيثما نشهد تماثلات أساسية أو حيث تكون الاختلافات مرتبطة بمواقف سياسية، اجتماعية اقتصادية. تعزز هذه النظرة إلى الإسلام الأحكام المسبقة غير المقبولة منه، والتي تجعل الإسلام ديانة بربرية، يصعب إدماجها وتبعث على الخوف.

* خلاصة من بحث: محمد شريف فرجاني “الإسلام في أوروبا سياسات متباينة”، من الكتاب 112 (أبريل 2016) ”الإسلام في أوروبا” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13