الإسلام في خطر.. مسلمون عاجزون عن التفكير بعيدا عن عقدة التهميش

حملات تعمق مشكلات الاندماج والأحكام المسبقة ضد المسلمين، واستنزاف لتوظيف حجة التمييز على أساس الدين.
الاثنين 2019/02/04
محاولات لفرض الحضور دون مراعاة خصوصية المجتمعات الغربية

تلقى البعض من الاحتجاجات التي تزعم أن ماركات معينة ازدرت الإسلام باستعمال شعارات معينة رواجا لدى جزء من المسلمين البسطاء الذين لا يملكون نضجا فكريا يكسبهم مناعة ضد هذا النوع من الحملات، على غرار الاستهجان ضد ماركة الملابس الرياضية “نايك” بسبب شعار رأى فيه البعض تشابها مع كلمة “الله” بالعربية. هذا الجدل ليس سوى زوبعة في فنجان، لكنه رغم ذلك يطرح مشكلات أعمق تتعلق بمعوقات اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها وبمواكبة تطورات العصر ومعالجة الواقع بفكر مستنير ومنفتح لا منغلق على فهم ساذج للدين وللعالم.

واشنطن - اهتمت وسائل إعلام عالمية بعريضة نشرت على الإنترنت تعتبر أن الشعار الجديد الذي وضع أسفل الحذاء الرياضي الذي أطلقته شركة “نايك” مؤخرا فيه “تجديف” وإساءة للإسلام باعتبار أن الشعار يشبه كلمة “الله” بالعربية. ومن شأن إثارة الموضوع ومحاولة الضغط على الشركة التجارية للتخلي عن الشعار “المسيء” وفق البعض، أن تكون لها نتائج عكسية وسلبية تجاه المسلمين الذين يعيشون داخل المجتمعات الغربية.

فالمحتجون ضد شعار الحذاء الرياضي يساهمون بطريقة أو بأخرى في تغذية الأفكار السلبية والأحكام المسبقة ضد المسلمين على اعتبار أنهم ضيقون في تفكيرهم من جهة وعاجزون عن الاندماج ضمن المجتمعات المتقدمة التي يعيشون داخلها من جهة أخرى.

وقالت شركة “نايك” للملابس والأدوات الرياضية، في بيان نقلته عنها وكالة الأنباء “بلومبرج” الخميس، إنه جرى تصميم الشعار ليمثل العلامة التجارية “آر ماكس”، وأن “فهم أي معنى آخر هو أمر غير مقصود”. وأكدت الشركة ”نحترم كافة الأديان، ونأخذ مثل هذه المخاوف على محمل الجد”.

ومنذ حوالي أسبوعين تواجه شركة “نايك” ضغوطا من أجل استدعاء أحد تصميماتها الرائدة من الأحذية الرياضية الخفيفة، وذلك بعدما قدم مستهلك عريضة عبر الإنترنت قال فيها إنه يوجد أسفل الحذاء شعار يشبه كلمة “الله” بالعربية.

البعض من الممارسات تحبط مبادرات كسر الأحكام المسبقة بشأن الإسلام وتقديمه في صورة الدين المواكب لللحداثة

وطالب المستهلك الشركة باستدعاء “هذه الأحذية التجديفية المسيئة وكافة المنتجات التي تحمل نفس الشعار ووقف بيعها حول العالم على الفور”.

وكانت الشركة قد تعرضت لمشكلة مشابهة في 1997، عندما احتج “مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية” على شعار ظهر على أحذية رياضية لكونه يشبه كلمة “الله”. وقالت الشركة إنها تأسف لسوء الفهم الذي حدث وأوضحت أنه جرى تصميم الشعار ليشبه الشعلة، وقامت باستدعاء خط من الأحذية.

الاحتجاج ضد شركة “نايك” واتهامها باستهداف الإسلام ليسا سابقة من نوعها، فهذا النوع من الاستهجان ينتشر نسبيا بين المسلمين في أي بلد في العالم.

هذه الاحتجاجات والدعوات لمقاطعة ماركات معينة بسبب الشعور بازدراء الإسلام تلقى رواجا كبيرا من الكثير من المسلمين “البسطاء” الذين لا يملكون نضجا فكريا يقيهم من هذه الدعوات ويكسبهم مناعة ضدها، فأصحاب الفكر المحدود يخلقون من أمور بسيطة ويومية وخالية من كل دلالات جدلا وهميا يستحيل إلى زوبعة في فنجان فيفزع له الكثير من الأنصار.

لكن الخطير في كل هذا يبدو أعمق من هذا الجدل المثار من وراء التأويلات لشعار ماركة الملابس الرياضية، فالمسألة تحيلنا إلى السخرية التي يجلبها البعض من المسلمين لأنفسهم بعد إطلاقهم لعرائض مطالبة بمعاقبة الشركة التجارية لإساءة مزعومة معينة أو الاحتجاجات المنددة باستعمال شعارات تم تأويلها بطرق خاطئة.

عقدة التهميش تجعلهم يشعرون أنهم مستهدفون
عقدة التهميش تجعلهم يشعرون أنهم مستهدفون

ففي الوقت الذي يحاول فيه الكثيرون كسر كل الأحكام المسبقة بشأن الإسلام وتقديمه في صورة الدين القادر على مواكبة الحداثة من خلال اعتماد مناهج فهم عصرية وطرح رؤى تتجاوز البعد الضيق في التعامل مع الدين إلى جانب صياغة إسلام خاص بالغرب يحاكي خصوصيات هذه المجتمعات، تحبط بعض الممارسات كل هذه المبادرات وتعود بها خطوات إلى الوراء بالتمسك بفهم ساذج للدين والعجز عن التحليق بعيدا عن التعصب والتشدد والرجعية.

التنديد كذلك بالشعار المعتمد على الحذاء الرياضي الجديد ليس سوى حلقة أخرى من سلسلة مشكلة الاندماج في المجتمعات الغربية التي تعاني منها الجاليات المسلمة، فالاحتجاج على الشعار لن يزيد مشكلات المسلمين في الغرب إلا تعقيدا فهو يبين أن البعض من هؤلاء يتصيدون الفرص لإثارة مشكلة التمييز ضدهم أو إظهار أنفسهم في صورة “الضحية” المستهدفة بحملات تجارية على أساس ديني أو عرقي أو هوياتي، في حين أن المسألة يمكن أن تكون بعيدة عن ذلك كل البعد.

يعاني الكثير من المهاجرين في المجتمعات الغربية من عقدة التهميش مما يجعلهم يشعرون أنهم مستهدفون من خلال البعض من الممارسات أو السلوكيات، وفي الكثير من الأحيان يكون الأمر حقيقيا لكن في أغلب الأوقات تكون مجرد مشكلات مفتعلة منبتة في حججها عن الواقع.

المسلمون بدورهم لا يمثلون استثناء لهذا الواقع فهم يعانون على غرار غيرهم من المهاجرين المنتمين إلى الأديان الأخرى من الشعور بالتهميش وعدم المساواة والعداء ضدهم، وهو شعور يستمد مبرراته من التطورات الحاصلة في المجتمعات الغربية والمتمثلة أساسا في تنامي التيارات اليمينية الشعبوية، خاصة مع وصول أحزاب منتمية إلى هذا التيار إلى مواقع القرار.

13