الإسلام في مرآة الآخر: الاستشراق الجديد يعيد صناعة الكراهية

صورة الإسلام السلبيّة في وسائل الإعلام الغربية لم تمنع بعض الكتّاب من مقاربة هذا الموضوع من منظور يتأسّس على نقد ذاتي، في دعوة إلى مراجعة التصوّرات التي تراكمت عن الإسلام.
الاثنين 2021/08/02
إعادة تصنيع كراهية غير المسلمين للإسلام

صورة الإسلام في الغرب يرسمها ويذيعها المستشرقون الكلاسيكيون أو الجدد، وصُنّاعُ القرار من الخبراء في مراكز الفكر والبحث ورجالُ الإعلام وأربابُ السياسة والموجِّهون للرأي العام والمتحكِّمون فيه. غير أنّ ما يُنتَج من صور ليس وليدَ الآن وإنّما هو وليدُ ما استقرّ في وعي الآخر ولاوعيه، فالأمر الخطير هنا هو اتخاذ الصور والتمثّلات غير العلمية عن الإسلام؛ مادّةً عند بعض النخب الأكاديمية الغربية وتدريسها على أنّها هي الإسلام عينُه.

وهذا الكتاب “الإسلام في مرآة الآخر” يجمع محاور الندوة العلمية الدولية التي أقامتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث واستجلت الصور والتمثّلات التي يحملها الآخر عن الإسلام، وذلك من جهات المكوّنات وأسباب التشكّل والمرجعيّات ومسالك الترويج والدلالات والوظائف.

كتاب يستجلي الصور والتمثّلات التي يحملها الآخر عن الإسلام
كتاب يستجلي الصور والتمثّلات التي يحملها الآخر عن الإسلام

وتناولت جملة المحاور التي تصدت للإشكالية المطروحة أولا الإسلام في المتخيّل الأوروبي زمن العصر الوسيط. ثانيا الإسلام في الدرس الاستشراقي الكلاسيكي والجديد وذلك بالنظر في الأدوات المنهجيّة والعُدّة المعرفيّة التي استند إليها الاستشراق في دراسة الإسلام تاريخاً وتمثّلاً. ثالثا الإسلام في برامج التدريس الغربية المعاصرة. رابعا الإسلاموفوبيا: المنشأ والتداعيات والتوظيفات. وخامسا الإسلام في وسائل الإعلام الغربية. سادسا الإسلام في مراكز البحث الأميركية. وأخيرا نحو إمكان إرساء فهم جديد للإسلام، حيث طرح تساؤلات عن الشروط الكفيلة بإيجاد فهم جديد للإسلام، لا صورة جديدة، يجعله بحقّ غير متصادم مع القيم الكونية التي لا تفاضل، بأيّ وجه من الوجوه، بين الأعراق والأديان والثقافات؟

وقد أشار الباحث التونسي بسام الجمل في مقدمته للكتاب إلى أن بعض الدراسات عرجت على صورة الإسلام في الوعي الأوروبي في العصر الحديث، وتحديداً ما بين القرنيْن الـ16والـ18. ومن أهم العوامل التي أثّرت في تشكيل تلك الصورة التهديدُ العثماني العسكري لأوروبا. ومن ثمّ تعالي العديد من الأصوات، حتّى من بين زعماء حركة الإصلاح الديني في أوروبا، إلى معاداة الإسلام.

ورأى الجمل أن الإعلام الغربي نهض بدور حاسم ومؤثّر جدّاً في ذيوع صور عن الإسلام فيها خلط ومماهاة بين الإسلام باعتباره رسالة دينيّة داعية إلى قيم إنسانية سامية، والإسلام كما مورس في التاريخ بفعل المأسسة والاستخدامات الإيديولوجيّة والتوظيفات البراغماتية.

وأكد أنّ صورة الإسلام السلبيّة في وسائل الإعلام الغربية لم تمنع بعض الكتّاب الغربيّين من مقاربة هذا الموضوع من منظور يتأسّس على نقد ذاتي، في دعوة إلى مراجعة التصوّرات التي تراكمت عن الإسلام.

وغير خافٍ أنّ العديد من الصور والتمثّلات الدائرة على الإسلام في منظور الآخر أفرزت صورة نمطيّة جامعة عنه، يبدو من الصعب، الآن وهنا، تغيير مكوّناتها، أو زحزحة دلالاتها، وهو ما يوفّر مشروعية التدخل المباشر، أو غير المباشر، في سياسات عدّة دول عربيّة وإسلاميّة، بحجّة حماية الأمن العالمي، أو الأمن القومي، لدول غربية في أوروبا والولايات المتّحدة.

وفي دراسته “الإسلام في نظر الاستشراق الجديد” تناول الباحث في علم وتاريخ الأديان والحضارات خزعل الماجدي قضية انتقال الاستشراق الجديد من الحرب الباردة إلى صناعة الإرهاب بخُطى واضحة ومنظمة.

ورأى الماجدي أن الاستشراق الجديد نظر إلى الإسلام بوصفه نسيجاً بلون واحد، ولم يُظهر، في البداية، عناية خاصة بالظروف الجغرافية والثقافية والمذهبية فيه؛ لذلك نظر إليه على أنه نظام شمولي عقائدي مدبّب من الداخل يمكن تحفيز كوامنه والمساعدة على تصنيع الإرهاب الذي سينجم عنه.

الاستشراق الجديد يعيد صناعة الكراهية والغضب والعنف، في الإسلام ونحو الإسلام، بمدّ جذوره في مقولات الاستشراق القديم

وأكد أن الاستشراق الجديد يعيد صناعة الكراهية والغضب والعنف، في الإسلام ونحو الإسلام، بمدّ جذوره في مقولات الاستشراق القديم، وإعادة تصنيعه بشكل يتلاءم مع فشل الإسلام في العصر الحديث، وعدم قدرته على حل مشكلات المسلمين في العلم والثقافة والحضارة وفي حياتهم اليومية. وأنه يسير خطوة خطوة مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ويغرّر بالدول الأوروبية لتتبع السياسة الأميركية ذيلاً لها تحت حجج مختلفة، أهمها مجاورة أوروبا للعالم الإسلامي، وضرورة الحذر منه والاستعداد لمواجهته.

وحلل الروائي والأستاذ المحاضر في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في سوسة فرج الحوار في بحثه “نبيّ الإسلام في جدل الفرقاء المسيحيّين بيير بايل (1647-1706م) أنموذجاً” للمقال الموسوم بـ”محمد” في “القاموس التّاريخي والنّقدي” لبيير بايل الواقع في نحو خمسين صفحة.

وقد خلص الحوار إلى أنّنا، اليوم، في ضوء تنامي نزعتي الإسلاموفوبيا والإسلاموفيليا شرقاً وغرباً، لم نتحرّر بعدُ من سلطان حوار الطّرشان بين الإسلام والمسيحيّة بتداعياته اللاهوتيّة والأيديولوجية والاقتصادية والسياسية، وأنّ الأمر ازداد تعقيداً منذ اتّخذت الإسلاموفيليا الشّكل الإرهابي الذي هي عليه اليوم في العراق وسوريا؛ بل إنّه ليخيّل إلينا أحياناً أنّنا تراجعنا بعض الشّيء عن النّتيجة التي قرّرها بيير لاروس، منذ ما يزيد على قرن ونصف القرن؛ إذ خسر مؤسّس الإسلام في الوعي الغربي، اليوم، بعض الاحترام الذي كان اكتسبه، نظراً لأنّ شخصه لا يزال اليوم لدى أتباعه وأعدائه على حدّ سواء موضوعاً لرهانات ومزايدات أيديولوجية وسياسية كثيرة ومعقّدة. أمّا صورة الإسلام، فقد ازدادت سوءاً عمّا كانت عليه من قبل.

13