الإسلام محرك لتجديد الحضارات وليس مكبلا لتطورها

تظهر مقاربات مواجهة الجماعات الإسلامية عند اتحاد المفكرين والعلماء والأكاديميين والعمل بشكل متناسق، وكلما كانت المقاربات أشمل وأكثر احتواء لجوانب الحياة الدينية اليومية للمواطنين كلما كانت أنجع في التخلص من السرطان الذي أصاب الجسد العربي منذ ظهور الإخوان المسلمين. وقد كان ذلك السمة الأبرز لمؤتمر مواجهة الفكر المتطرف الذي التأم بمدينة الأقصر جنوب مصر في الأيام الأخيرة.
الاثنين 2016/02/15
إقران المصحف بالبنا سخرية من الإخوان أم عليهم

القاهرة – يواجه مهتمون بالجماعات الإسلامية الأفكار المتطرفة لها عبر حزمة من البحوث والمؤتمرات التي تكثف هذه المجهودات في سبيل إنقاذ الدولة العربية من الاندثار بفعل تغلغل الإسلام السياسي في دواليبها.

وقد وصل عدد من الكتاب والمفكرين المصريين ضمن مؤتمر عقد في الفترة الأخيرة بمحافظة الأقصر جنوب مصر حول سبل مواجهة الفكر المتطرف إلى صياغة عدد من الأفكار الهامة التي من شأنها تفكيك الفكر المتشدد للجماعات الإسلامية من الإخوان المسلمين إلى داعش وإبراز مواطن استغلال الدين الإسلامي فيها وتحويله إلى نصوص أيديولوجية لتبرير جرائمها.

وقد وضع هؤلاء المفكرين والباحثين أفكارهم في كتاب “نحو تفكيك الفكر المتطرف” الصادر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، يحوي أدلة دينية وشرعية تؤكد “كذب المزاعم التي تحاول هذه الجماعات الترويج لها بين شباب المسلمين وقطاعات مختلفة من الرأي العام الإسلامي”، حسب رئيس جامعة الأزهر السابق عبدالحي عزب عبدالعال.

وأكد عدد من المسؤولين وقادة الرأي الديني في مصر، أن الأولوية التي تتصدر أجندة ورشات الإصلاح الديني في مصر والعالم المسلم في هذه الآونة هي “المعالجة الجديدة للخطاب الديني الإسلامي”. وقد أكد وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة أن تصحيح الفكر وتصويب مسار المعتقد الخاطئ ليسا بالأمر الهين أو اليسير، ولكنهما عمليتين تراكميتين تتحكم فيهما عوامل وعناصر متعددة، ويحتاجان إلى جهد دؤوب. كما أشار جمعة إلى ضرورة التفريق بين بعدين في الخطاب الديني؛ أولهما البعد الأكاديمي البحثي الذي يخص أهل العلم والتخصص، والبعد الثاني هو البعد التداولي للخطاب بالنسبة إلى الجمهور والعامة المتقبلة.

العلماء سعوا إلى البحث في إدماج الخطاب الديني بالحياة اليومية للمواطن بعيدا عن التحزب وتسييس الإسلام

وفسر محمد مختار جمعة أنه على العلماء والمتخصصين استنباط المناهج الجديدة وتزويد المدونة الفقهية الإسلامية بآليات التجدد الذاتي، كما أشار إلى ضرورة عقلنة الجمهور المتقبل وتغيير طريقة تلقيه للرسائل الدينية في الفضاءات المتعددة التي تحيط به.

ومن ناحية أخرى، أشار عدد من الشيوخ والفقهاء في الشريعة والحضارة الإسلامية إلى أن الحضارات التي تعاقبت على المنطقة العربية قبل الإسلام ثم الحضارة الإسلامية تعتبران مسألتين متكاملتين ومتناغمتين من ناحية الأبعاد الروحية ورسائلها للإنسان، الأمر الذي يتناقض مع رؤى الإسلام السياسي في أن ظهور الإسلام يبيح التخلي عن التراث والتاريخ اللذين قبله والتعلق بخطاب الهوية الدينية دون النظر إلى مسألة الانتماء القومي والإنساني.

وفي السياق، أكد أحمد الطيب النجار، شيخ جامع الأزهر في مؤتمر الأقصر أن العلاقة بين الدين والحضارة أكثر وضوحا وأشد ارتباطا في حالة الدين الإسلامي، حيث التقت في رحاب الدين الإسلامي شرائع الدين وضرورات الحياة وحاجات الناس، وليس هذا فحسب بل تصالح في شريعة الإسلام السمحة ما وصفه شيخ الجامع الأزهر بـ”ثنائيات”، طالما استعصت على الحل وتنافرت أشد التنافر في العقائد والفلسفات التي سادت بين الناس سواء قبل ظهور الدين الإسلامي أو بعد ظهور الإسلام.

وضرب مثالا على ذلك في أن الحضارة الفرعونية وما تضمنته من عقائد “هي من بقايا بصمات من رسالات إلهية سابقة على هذه الحضارة، أو بقايا شعاع من مشكاة النبوة تنورها المصريون القدماء من رسالات التوحيد التي سبقت حضارتهم وتقدمتها بآلاف السنين”. ودلل شيخ الأزهر على هذه الرؤية بقوله إن الدين بشكل عام كان هو المحرك الأول لنهضة الحضارة الفرعونية القديمة، والباعث الأصيل لمسيرة هذه الحضارة العلمية والفنية.

الأولوية التي تتصدر أجندة ورشات الإصلاح الديني هي المعالجة الجديدة للخطاب الإسلامي

ومن ناحية العقلية الجمعية التي لدى الجمهور المتقبل للخطاب الديني، فقد سعى عدد من العلماء إلى إبراز ضرورة إدماج الخطاب الديني الروحي بالقضايا اليومية للإنسان العربي في أطر وسياقات تخرج المواطن من التحزب في إطار أحزاب دينية إلى الفضاء المسجدي الأصدق والأكثر قربا من التعبد، بعيدا عن التسييس. وقد أكد عبدالحي عزب عبدالعال أن الأسباب الفكرية الداعمة لإنبات التطرف الديني وانتشاره هي غياب الوعي الديني، وانفصال الخطاب الديني عن قضايا الأمة، وعدم الانشغال بقضايا الشباب وغياب التواصل الديني والإعلامي معهم. واعتبر عبدالحي أن أعظم أركان الجهل “هو الجهل الديني، أو انتشار الثقافات الدينية الجامدة التي لا تنتج فكرا أو فهما، ولكن تنتج غلوا أو تطرفا”.

وقد حضر مؤتمر مواجهة الفكر المتطرف في الأقصر عدد من الأئمة والمسؤولين الدينيين من دول غربية وعربية عديدة، من بينها أحمد تميم مفتي أوكرانيا، الذي أكد أن منبع التطرف الديني الذي تروج له الجماعات الدينية المتطرفة هو الجهل بحقيقة الدين الإسلامي، مؤكدا أن خطر التكفير يكمن في أنه “سوف يقضي على الإنسان كقيمة وكخليفة لله على الأرض قبل أن يقضي على الإسلام خاتم الديانات”.

وأشار تميم إلى أن المسؤولية اليوم ملقاة على عاتق الباحثين والأكاديميين والعلماء الدينيين في تأطير الحياة الدينية للمواطنين وحمايتها من أي تحريف قد تقوم به الجماعات الإسلامية.

كما أشار تميم إلى أن مقاومة الفكر المتطرف للجماعات الإسلامية ليس مقتصرا فقط على المسلمين العرب، بل إن العديد من الدول المسلمة أو تلك التي يعيش فيها الكثير من المسلمين مشمولة أيضا بكل الخطط والإستراتيجيات التي من شأنها القضاء على الإرهاب والجماعات الإسلامية الحركية.

13