الإشهار العمومي رافد مالي رئيسي لإنقاذ الصحافة المكتوبة في تونس

أجمع مختلف الباحثين والمتخصصين على أن واقع الصحافة المكتوبة في تونس يعاني من عدة أزمات، لا يمكن أن تتجاوزها بمعزل عن مساعدة الدولة، حيث يشكل الإشهار العمومي رافدا ماليا رئيسيا يضمن استمرارها. ولا يرى أهل الاختصاص أن هناك تعارضا بين دعم الدولة لوسائل الإعلام ومصداقية هذه الأخيرة إذا ما تم وفق ضوابط وشروط محددة، بمقتضاها تقوم كل جهة بواجبها؛ بل إن دور الدولة ضروري لضبط هذا القطاع من خلال تعامل الصحف والمواقع الإلكترونية بعدل في توزيع الإشهار، وبما يقطع مع اختراق رجال الأعمال للقطاع لأن ذلك سيحوله إلى خدمة أجندات الأشخاص وبالتالي اختفاء المؤسسات الرائدة.
الأربعاء 2017/03/01
السلطة الرابعة تحتاج إلى من يسمع صوتها

تونس – يعتبر الإشهار العمومي المتنفس المالي الرئيسي لأغلب وسائل الإعلام المكتوبة، في تونس، والضامن لديمومتها، والمجلات واستمرارها. وتأكدت أهمية هذا الرافد المالي الذي كان يأتي عن طريق وكالة الاتصال الخارجي التي تم غلقها مع انهيار نظام زين العابدين بن علي.

واليوم، تعيش الصحافة التونسية أسوأ فتراتها لتراجع القراء وتقلص نسبة السحب وغياب الدعم خاصة من مصادر المال العمومي المتأتية من الإشهار. وأقفلت صحف فيما تمر أخرى بأزمات مادية بالأساس قد ينتهي بها الحال إلى مصير شقيقاتها، خصوصا مع الطفرة التي تحققت في مجال الإعلام الرقمي.

ودفع هذا الواقع المسؤولين عن السلطة الرابعة في البلاد إلى بحث سبل تفادي الانهيار وتداعياته على التاريخ النضالي للصحافة التونسية وعلى العاملين في تلك المؤسسات المهددين بالالتحاق بطوابير العاطلين.

ومؤخرا عقدت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين اجتماعا تشاوريا مع مديري مؤسسات الصحافة المكتوبة والهياكل المهنية والوزارات المتقاطعة في عملية الإشهار العمومي. وخلال اللقاء تمّ التأكيد على أن الإشهار العمومي الذي كان يمنح في السابق على أساس الولاءات لتطويع بعض وسائل الإعلام ومعاقبة أخرى، يجب أن يُبنى في هذه المرحلة على مقاييس واضحة وشفافة وعادلة تعتمد في المقام الأول على الالتزام بأخلاقيات العمل الصحافي.

ذكرت نقابة الصحافيين في بيان لها أنه تمتّ أيضا الإشارة إلى موضوع إسناد الإشهار العمومي في مرحلة الانتقال الديمقراطي بوصفها تتأسس على إنقاذ الصحافة المكتوبة من أزمتها، والانفتاح على الصحافة الرقمية وتشجيعها، وضمان صحافة الجودة وتنوع المحامل الإعلامية.

وقال فاهم بوكدوس، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، في تصريحات لـ”العرب” إن “الصحافة المكتوبة في تونس سواء كانت ورقية أو رقمية تعيش أسوة بعدد كبير من بلدان العالم أزمات عديدة يرجع بعضها إلى ارتفاع كلفة الطباعة والورق والتوزيع مقارنة بحجم المبيعات، واتجاه شركات الإشهار إلى الحوامل السمعية البصرية”.

وأغلقت عدة صحف بعد ثورة 14 يناير 2011 في تونس في حين تتجه أخرى إلى الإغلاق مما ستكون له تأثيرات كبيرة على صمود هذا القطاع الحيوي وتنوع المحامل الصحافيّة إضافة إلى المس الخطير بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعاملين في هذا القطاع، مما يجعل تدخل الدولة والمال العمومي ضروريا في هذا المجال.

ولفت بوكدوس إلى أنّ التمويل العمومي للصحافة المكتوبة يقترن بفلسفة الدولة في المرحلة الانتقالية بوصفها ضامنا لتعددية وتنوع هذا القطاع خدمة لجمهور مختلف الأذواق والقناعات الفكرية والأيديولوجية والسياسيّة بما يقتضيه من دعم للصحافة الجهوية والرياضية والاستقصائية وصحافة الرأي.

 
مفدي المسدي: الحكومة تتجه إلى حوكمة الإشهار العمومي في الصحافة المكتوبة
 

هيكل عمومي

تجاوبا مع خصوصية الوضع، أكدت الحكومة التونسية أنه تم الاتفاق على إحداث هيكل عمومي تحت إشراف رئاسة الحكومة، يتولى توزيع الإشهار والاشتراكات العمومية.

وأشار مفدي المسدي، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء، في تصريحات لـ”العرب” إلى أن الحكومة التونسية تتجه إلى حوكمة الإشهار العمومي في الصحافة المكتوبة وتعيين لجنتين الأولى تعنى بتحديد معايير الإشهار العمومي والثانية تتمثل مهامها كلجنة إسناد، وستكون الحوكمة قاعدة لضبط الإشهار وتوزيعه بشكل عادل وضمن شروط محددة وذلك للانتقال من صحافة الولاء إلى صحافة الجودة.

ويرى نوري اللجمي، رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ضرورة دعم الصحافة المكتوبة المتراجعة على المستوى الدولي وليس المحلي فقط من خلال الإشهار، لذلك استوجب توزيعه بشكل عادل وبشفافية فتراجع السحب والمبيعات والقراء نتج عنه عجز في تغطية التكلفة، لذلك فإن الدعم المادي ضروري للدفاع عن ركيزة أساسية في السلطة الرابعة.

وفسّر نوري اللجمي، في تصريحات لـ”العرب”، تراجع نجم الصحافة المكتوبة على المستوى المحلي والعالمي بتوجه القراء نحو وسائل إعلام أخرى كالصحافة الإلكترونية والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي ما أدى إلى تقلص الإشهار على أعمدة الصحافة الورقية.

ومن الصعوبات التي تواجهها الصحافة المكتوبة في تونس تضاعف ثمن ورق الطباعة المستورد من الخارج وتبعا لذلك ارتفعت تكاليف الطباعة خاصة بالنسبة إلى الصحف والمجلات التي ليس لها مطابع خاصة بها. واعتبر مراقبون أن من أهم تحديات الصحافة المكتوبة في تونس التوزيع غير العادل للإشهار حيث لا يقع توزيعه حسب معايير موضوعية لتتقلص بذلك مساحاته، ولم تعد الصحافة المكتوبة تستهوي المستشهرين.

وكان حسن الزرقوني، المدير العام لمؤسسة سيغما كونساي للدراسات واستطلاعات الرأي في تونس، قدم العديد من الإحصائيات المرتبطة بتراجع واقع الصحافة المكتوبة في تصريحات سابقة وكشف أن 18.8 بالمئة من التونسيين لا يقرأون وبالتالي هم ليسوا زبائن للصحف.

ولفت الزرقوني إلى أن النموذج الاقتصادي للصحافة المكتوبة قائم على الإعلانات؛ ففي عام 2005 وصلت مداخيل الإعلانات بالصحافة المكتوبة التونسية إلى 30 مليون دينار تونسي، أي ما يوازي 15 مليون دولار، وفي خلال عشر سنوات انخفضت هذه المداخيل بنسبة 33 بالمئة.

 
فاهم بوكدوس: الصحافة المكتوبة في تونس تمر بأزمة شأنها شأن الصحافة العالمية
 

وبخصوص إشكالية دعم الدولة للصحافة المكتوبة اعتبر الزرقوني أنّ “المشكلة (تكمن في) أنّ من يتمتعون بالإعانات هم ‘الكبار’ (أي المؤسسات الكبيرة)”، لأن لديهم الإمكانيات التي تسمح بالحصول على الإعانات. وأوضح أنّ أكبر مثال على ذلك ما وقع في فرنسا، فقد حصلت صحيفة لوموند على 18 مليون يورو من الإعانات “لأنها استطاعت تقديم ملف قوي سمح لها بالحصول على دعم رسمي من الدولة”.

تحديد المعايير ودعم الدول

يعتبر محمود الذوادي، رئيس تحرير جريدة الصحافة التونسية (حكومية) ورئيس مركز تونس لحرية الصحافة، أن دعم الصحافة المكتوبة من بوابة الإشهار كان مطلبا قديما يتجاوز العقدين. وقبل ثورة يناير كان الإشهار خاضعا لوكالة الاتصال الخارجي ويمنح حسب ولاء وسائل الإعلام للنظام، أما بعد الثورة فقد طرح موضوع تحديد الإشهار بجدية؛ فالإشكالية اليوم هي غياب هيكل شفاف في تونس ينظم قطاع الإشهار العمومي.

ويشتكي أهل القطاع من الفوضى بالقطاع واليوم مطالبون بتقنين معايير المال العمومي واعتماد مقاييس محددة منها مدى التزام المؤسسات بالضوابط المهنية وأخلاقيات المهنة، والالتزام بالحقوق المادية للصحافيين، لذلك يجب تحديد المعايير لتجنب الفوضى ودعم الصحافة المكتوبة.

ورأى الذوادي أن على الحكومة أن تدعم الصحافة المكتوبة لدورها الكبير كسلطة رابعة في دولة تؤمن بالتعددية والديمقراطية وحرية التعبير. كما أن قطاع الصحافة المكتوبة يشغل الصحافيين المحترفين بنسبة 50 بالمئة، ويجب على الحكومة أن تقتدي بدول كالمغرب وفرنسا اللذين يدعمان صحفهما الورقية بالمليارات حتى تتجاوز الصعوبات. واعتبر أن المال العمومي هو الكفيل بدعم الصحافة المكتوبة وتوفير الضمانات المادية بنسبة 50 بالمئة من الصحافيين.

وكان مجلس نواب الشعب صادق خلال جلسته العامة المخصصة للمصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2017، على دعم مؤسسات الصحافة المكتوبة الورقية التونسية المضمن ضمن الفصل 64 من مشروع القانون في ديسمبر الماضي.

7