الإصرار الفرنسي على الإساءة إلى المغرب..

الأحد 2014/06/22

يشير ما تعرّض له الجنرال عبدالعزيز بناني، أحد أبرز ضباط الجيش المغربي، من “اعتداء معنوي” في باريس إلى وجود نية لدى بعض الجهات الفرنسية في الإساءة إلى العلاقة بين البلدين.

ما حصل أن ضابطا مغربيا سابقا يدعى مصطفى أديب دخل مستشفى فال دو غراس حيث يعالج الجنرال بناني، الموجود في غرفة العناية الفائقة، وترك رسالة تتضمّن عبارات مسيئة إلى الضابط الكبير وإلى الجيش المغربي وإلى المغرب.

ليس مصطفى أديب سوى ضابط مطرود من الجيش يقيم حاليا في باريس بعدما أنهى عقوبة أمضاها في السجن. من الواضح أن الرجل حاقد على المغرب وعلى المؤسسة العسكرية المغربية ممثلة بالجنرال بناني الذي يبلغ الخامسة والسبعين من العمر والذي ساءت حاله الصحية قبل فترة ونقل إلى العاصمة الفرنسية حيث يعالج في مستشفى عسكري تتخذ فيه إجراءات أمنية شديدة، كما العادة في مثل هذا النوع من المستشفيات.

كيف دخل أديب إلى المستشفى ومن سمح له بالاقتراب من مكان وجود الجنرال بناني؟ إنّه سؤال أكثر من مشروع. يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح نظرا إلى أنّها ليست المرّة الأولى في الأشهر القليلة الماضية التي تتصرّف فيها أوساط فرنسية بطريقة توحي بنيات مبيتة ذات طابع خبيث تجاه المغرب.

من المستغرب أن يكون الضابط المفصول استطاع الوصول إلى داخل المستشفى من دون تواطؤ من جهة ما تسعى إلى تحقيق مآرب معيّنة ليست بعيدة عن الحملة المفتعلة والرخيصة في الوقت ذاته التي يتعرّض لها المغرب ورموزه.

قبل فترة وجيزة وفي باريس أيضا، تعرّض المسؤول عن مديرية مراقبة التراب الوطني المغربي إلى إساءة. لم تقبل الرباط أن يمرّ الحادث مرور الكرام، بل سارعت واحتجت وعلّقت التعاون الأمني والقضائي بين البلدين، فردّت السلطات الفرنسية بالاعتذار. وجاء الاعتذار من أكبر المسؤولين الفرنسيين.

قبل فترة وجيزة أيضا، جرى تفتيش وزير الخارجية المغربي، لدى مروره بمطار رواسي- شارل ديغول، بطريقة غير لائقة تسيء إلى فرنسا أوّلا وإلى التقاليد المتبعة في التعامل بين الدول. حصل ذلك، على الرغم من أن الوزير أظهر جوازه الديبلوماسي الذي يشير إلى موقعه وإلى المهمّة التي يتولاها. هذه المرّة أيضا اعتذر وزير الخارجية الفرنسي ووعد بعدم تكرار الحادث!

في كلّ مرّة بدرت إساءة من فرنسا إلى المغرب، كان هناك اعتذار فرنسي وكان هناك نوع من التفهّم المغربي، من زاوية أن الموضوع ليس مقصودا به الإساءة، بل هناك أوساط معيّنة تتعمّد افتعال مشكل بين باريس والرباط.

كان الرأي السائد في الرباط أنه من الأفضل تفادي المشكل، بالتي هي أحسن، لتفويت الفرصة على ذوي النيات السيئة الذين يزعجهم وجود علاقات فرنسيةـ مغربية متميّزة. تقوم هذه العلاقات أوّل ما تقوم على المصلحة المشتركة بين البلدين وعلى الشراكة التجارية القائمة بينهما وعلى الرغبة المشتركة في العمل معا من أجل الاستقرار ومحاربة الإرهاب والتطرّف على ضفّتي البحر المتوسّط.

هذه المرّة، وعلى الرغم من الاعتذار الفرنسي الجديد والوعد بفتح تحقيق في ما جرى، تتجاوز الإساءة إلى الجنرال بناني شخص الضابط الكبير الذي كان إلى ما قبل أيّام المفتّش العام للقوات المسلّحة وقائد المنطقة الجنوبية التي يرابط فيها القسم الأكبر من عديد الجيش، نظرا إلى أن هذه المنطقة تشمل الصحراء المغربية.

شارك الجنرال بناني في كلّ الحروب التي خاضها المغرب، خصوصا في الصحراء حيث لعب دورا أساسيا في المحافظة على التراب الوطني. أشرف بنفسه على استكمال بناء الجدار الدفاعي الذي حمى الصحراء والأرض المغربية وأمّن الانتصار العسكري للمغرب.

كانت الحرب التي خاضها المغرب في مواجهة الساعين إلى الاعتداء عليه حربا طويلة. استمرّت هذه الحرب نحو خمسة عشر عاما، أي بين 1975 و1990. كانت حربا شنتها الجزائر على المغرب بغرض استنزاف المملكة. كانت جبهة “بوليساريو” أداة في تلك الحرب التي استخدم فيها شعار، ظاهره حقّ وباطنه باطل، وهو شعار “حق تقرير المصير للشعوب”.

لو كانت الجزائر صادقة فعلا في رفع لواء هذا الشعار، ولو كان يهمّها أمر الصحراويين، لماذا لم تقدّم جزءا من أراضيها التي يقيم فيها هؤلاء لإقامة وطن لهم؟ لماذا لم تعتبر الجزائر موريتانيا وطنا للصحراويين، علما أن معظم الموريتانيين صحراويون وأنّ هؤلاء موجودون على طول الشريط الساحلي الذي يبدأ بموريتانيا ويمرّ بجنوب الجزائر، أم أن كلّ ما هو مطلوب استنزاف المغرب وتشجيع الإرهاب في تلك المنطقة؟

لم تكن الإساءة إلي الجنرال بناني الذي أمضى عمره في خدمة بلده، كما كان مع القوات الملكية المغربية التي خاضت الحروب العربية مع إسرائيل وأبلت البلاء الحسن في ظلّ ظروف قاسية وصعبة.

كانت الإساءة الفرنسية إلى المغرب كلّه الذي ائتمن فرنسا على حياة الشخصية العسكرية الأبرز في المملكة وأرسلها إلى مستشفى عسكري فرنسي يفترض أن تتوافر فيه كلّ الإجراءات الأمنية المطلوبة، إضافة إلى العلاج الطبي المتقدّم بطبيعة الحال.

بعد الحوادث المتكررة التي استهدفت المغرب، يصحّ السؤال ماذا تريد فرنسا في نهاية المطاف، هل فرنسا دولة مركزية جديّة ذات سياسة واضحة؟ هل تريد معاقبة المغرب على سعيه إلى إقامة علاقات نموذجية معها في جوهرها الفوائد المتبادلة والتوازن بين الجانبين المعنيين؟

هل تريد معاقبة المغرب بسبب سعيه إلى دور فعّال في مجال مكافحة الإرهاب في كلّ منطقة الساحل الممتدّة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر؟ هل أغضبها الدور الإيجابي للمغرب في بعض الدول الإفريقية والذي يصبّ في محاربة الفقر؟

تبدو السياسة الفرنسية مثيرة للحيرة إلى حدّ كبير. هناك من يرتكب الأخطاء وهناك من يستعجل الاعتذار. لا الأخطاء مطلوبة ولا الاعتذارات مفهومة. من الصعب تقبّل الاعتذارات بعد كلّ هذه الكمّية من الأخطاء.

كلّ ما يمكن قوله مغربيا، إن الكيل طفح فعلا، خصوصا أنّ طبيعة العلاقات القائمة بين الرباط وباريس لا تبرّر أي خطأ من أيّ نوع كان. على العكس من ذلك، إن الكلام الذي يصدر عن كبار المسؤولين الفرنسيين، وعلى رأسهم الرئيس فرنسوا هولاند، يتضمّن كلّ الإيجابيات التي يمكن أن تصدر عن رجل عاقل، نظريا، على علم تام بما تحقّق في المغرب في مجال الإصلاحات الديموقراطية وحماية حقوق الإنسان أوّلا. هل فرنسا ملتزمة الكلام الذي يصدر عن رئيسها، أم أن هذا الكلام لا قيمة له، أي أن فرنسا دولة لا تحترم ما يقوله المرجع السياسي الأعلى فيها؟

هل من مشكلة أكبر من هذه المشكلة في دولة تدّعي أن لديها دورا يتجاوز حدودها وأن لديها ما تعطيه من دروس للآخرين؟

3