الإصرار على بقاء الحدود مغلقة مع المغرب تخشب آخر في القرار الجزائري

مصالح الجزائريين بقيت إلى الآن محصورة في إطار ضيق تتحكم فيه السلطة الحالية في ما يتعلق بملف فتح الحدود مع المغرب. فرغم دعوات القوى والحساسيات السياسية في الجزائر إلى إنهاء حالة الغلق وفتح الحدود أمام كفاءات الشعبين الجزائري والمغربي للمرور بحرية، إلا أن السلطات لا تزال مصرة على إغلاقها، مانعة بذلك فرصا للنقاش الحر وتعزيز التنافسية بين الطرفين، الأمر الذي دفع العديد من الأطراف السياسية في الجزائر إلى الاحتجاج.
الاثنين 2016/04/18
في انتظار الأحبة

لندن- قبل أشهر حدث في الجزائر أن دعا حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض، وعلى لسان رئيسه إلى فتح الحدود الجزائرية-المغربية. كان يمكن لتلك الدعوة أن تمرّ مرور الكرام وأن تُنشر في الصحف بصفتها خبرا عاديا، بيد أن ردود الفعل كانت تترواح بين حدّها الإيجابي إلى مشارف المفاجأة وبين حدّها السلبي إلى درك الإدانة والاستهجان.

ارتكب محسن عباس رئيس الحزب محظورا. كان الرجل يتكلم في تجمع شعبي في الجزائر العاصمة بمناسبة الذكرى الـ27 لتأسيس حزبه، فقال “يجب فتح الحدود لتقوية كفاءاتنا. وأولئك الذين يعارضون ذلك هم المستفيدون من وضعية العزلة هاته”. في تعبير الرجل رجاء بتقوية الكفاءات الجزائرية، بما يعني أن فتح الحدود بالنسبة إليه مصلحة جزائرية ومنفعة للجزائريين، وفي موقف الرجل اتهام للمسؤولين عن قرار الأقفال، كما للمستفيدين من هذا “الستاتيكو” السلبي الذي يصفه الرجل بالـ”العزلة”.

التصريح جزائري المصدر والسجال الداخلي الذي سخر من تلك الدعوة واستهجن “ارتكابها” جزائري الهوية، فيما لم يصدر عن الطرف الجزائري تدخل يذكر في ذلك السجال، إلا نقل للخبر دون أي تدخل يذكر، وكأن الأمر، للمفارقة، يدور حول مسألة لا تتعلق بالشأن المغربي مباشرة.

وفي متن الحجج التي قدمها رئيس الأفافاس (جبهة القوى الاشتراكية) لتبرير دعوته إلى فتح الحدود المغلقة مع المغرب ضرورة لـ “تعزيز التنافسية وخلق نقاش حر”. وفي ذلك وضع إصبع على جرح، ذلك أن ما يقف وراء الموقف الرسمي الجزائري المتمسك بإقفال الحدود يتعلق مباشرة بذلك التنافس الذي يبدو أنه مرجح لصالح المغرب، فيما الكلام عن “النقاش الحر” يراد منه فتح ملفات البلد على نقاش مفقود، بما في ذلك وليس فقط ذلك، ملف العلاقة مع المغرب.

محسن عباس: المعارضون لفتح الحدود مستفيدون من وضعية العزلة

لم تكن هي المرة الأولى التي يثير فيها محسن عباس هذه المسألة. كان قبل ذلك، في بداية هذا العام، حين دعا، وكان ذلك من المغرب، حيث حضر أشغال مؤتمر حزب الأصالة والمعاصرة المغربي، إلى التشاور بشأن إطار موحد بشمال أفريقيا، مما يستوجب “وضع حد لغلق الحدود البرية بين الجزائر والمغرب”. بمعنى آخر، إن إعلان ذلك من المغرب، يعزز إصرارا حقيقيا على إثارة الأمر والاشتغال عليه، حتى لو كان ذلك للمناورة الداخلية، بحيث أن موضوع الحدود البرية المغربية الجزائرية لم يعد في الجزائر شأنا محرّما لا يمكن نقاشه، على ما بدا في العقدين الأخيرين.

حدث ذلك بالتحديد في شهر أغسطس من عام 1994، أغلقت الجزائر حدودها البرية مع المغرب، بعد أن اتهمت الرباط المخابرات الجزائرية بالوقوف وراء هجوم إرهابي على فندق أطلس أسني بمراكش. الهجوم أسفر حينها عن مقتل سائحين أسبانيين، وجرح سائحة فرنسية، فيما تبيّن أن من قام بالاعتداء هم ثلاثة فرنسيين من أصول جزائرية.

عقب هذا الهجوم فرض المغرب تأشيرة على الجزائريين، فردت الجزائر بالمثل، وذهبت أكثر من ذلك بإغلاق الحدود البرية، وهو إجراء ما زال ساري المفعول حتى أيامنا هذه. وعلى الرغم من أن العالم تغيّر خلال هذين العقدين، وأن عالمنا العربي يمر بأنواء تتجاوزُ علل عام 1994، فإن الموقف الجزائري لم يتغير في شأن إغلاق ملف أصبح، واضحا، أنه بات من الكلاسيكيات البليدة لآليات العلاقة بين البلدين.

تدافع الجزائر عن موقفها من مسألة إغلاق الحدود بأن الأسباب أمنية لرد تسلل الإرهاب إلى أراضيها، فيما الإرهاب يأتيها من أصقاع ونواح أخرى فاض بعضها من الحدث المالي. وعلى الرغم من هذا التدبير الأمني، ربما اللا مثيل له في العالم، تتهم الجزائر الرباط بالعمل على إغراق الجزائر بالمخدرات، ما يعني اعترافا جزائريا بأن إغلاق الحدود البرية لم يحل دون رواج التهريب، بما في ذلك تهريب المخدرات. في المقابل يتهم المغرب الجزائر بالعمل على إدخال حبوب الهلوسة إلى أراضيه، كما إغراق البلد بالمهاجرين الأفارقة عبر تلك الحدود، بما يعكس وصول الجدل بين البلدين إلى درك سفلي مقلق.

ويرى الصحافي الجزائري قدور حباري أن هذه “مسألة أزلية وقضية مفتعلة (…) لأن الحدود ما هي إلا جزء من نكسة العلاقات الجزائرية المغربية المتعلقة أولا وآخرا بالصحراء الغربية أو المغربية، يتوقف على أي جانب تختار”. ويضيف حباري أن “السلطات الجزائرية تتعذر بالجانب الأمني لغلق حدودها وحركة مرور غير عادية للكيف المغربي في الأسواق الجزائرية وانتشاره أكثر من انتشار البطاطس في أسواقها في حال فتح الحدود”.

يرى خبراء الأمن أن المقاربة الأمنية تقتضي منطقيا فتح الحدود لوقف استحداث معابر غير شرعية يستخدمها المهربون، كما تقتضي الإشراف المشترك المتعاون بين البلدين على تلك الحدود المشتركة المفتوحة. لكن طالما أن إغلاق الحدود أضحى مسلّمة جزائرية، فإن أمر ذلك لا يدخل في تصنيفات المنطق والعقل.

ويقول قدور حباري إن “الرأي العام الجزائري له هموم أهم من فتح الحدود أو الإبقاء على غلقها، فالأمر ليس من أولوياته ولا أعرف عن حركة قوية تطالب بفتح الحدود”. ويضيف “إنها مسألة حساسة وقد يتهم كل من سار عكس تيار السلطة بتهمة الخيانة الوطنية وما أسهل هذه التهم في مجتمعاتنا”.

وفي الآونة الأخيرة وبمناسبة زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون المنطقة سخر الصحافي عبداللطيف بلقايم من أن الجزائر تعتبر أنها وجهت “صفعة” للمغرب بوصف بان كي مون الصحراء الغربية بالمحتلة وأن المغرب أصبح معزولا أمام المجموعة الدولية. وقال بلقايم “الجزائر هي المعزولة في الواقع. واعتبر بلقايم “أن غلق المغرب الباب أمام بان كي مون هو في الحقيقة قوة وجرأة مغربيتين لا تتمتع بهما الجزائر”.

ويضيف “إن قضية الصحراء الغربية لم تعد تحظى بإجماع الجبهة الداخلية في الجزائر وهذا ليس سرا فالجميع يعرف موقف أطراف في حزب العمال وأطراف في الأفافاس ومؤخرا العالم أجمع أصبح يعرف موقف الرجل الأول للحزب الحاكم من القضية والذي أدهش الجميع. عمار سعداني، الأمين العام لجبهة التحرير الجزائري، فجر قنبلة في هذا الباب، من دون احتساب مواقف مناوئة لشخصيات وطنية ومثقفين لا يؤمنون أصلا بقضية اسمها الصحراء ويعتبرون أنها انهكت كاهل البلد ومنهم من لا يؤمن إلا باتحاد مغاربي تزول به كل الحدود من ليبيا شرقا إلى موريتانيا غربا”.

الجزائر قامت بتوسيع "خندق" الحدود مع المغرب

جدير بالذكر أن سعداني أدلى بتصريحات فهم منها تشكيك بالرواية الجزائرية الرسمية حول مسألة الصحراء حين رفض في مقابلة تلفزيونية التعليق على الموضوع معللا ذلك بأنه “لو تحدث عن القضية الصحراوية سيخرج الناس إلى الشارع″، مؤكدا أنه سيدلي برأيه في القضية في مناسبة أخرى.

علة مغاربية

قيل الكثير عن الأسباب الجذرية للخلاف بين المغرب والجزائر، قيل إن دولة الاستقلال في الجزائر أنتجت نظاما انتهج خيارات يسارية اشتراكية اقتربت من المعسكر الاشتراكي والناصرية، فيما الخيارات المغربية الملكية انتهجت مسالك ليبرالية متحالفة مع الغرب ودول الخليج. وقيل إن لبّ الخلاف يعود إلى العبث الذي ارتكبه الفرنسيون أيام الاحتلال، لجهة اقتطاع منطقة تندوف المغربية وضمها إلى الجزائر، ما أوجد لغما فجّر حربا في الستينات، وقاد إلى ما يشبه القطيعة حتى يومنا هذا، ثم قيل ما قيل عن استفادة الدول المعنية بالمغرب العربي، فرنسا، أسبانيا، الولايات المتحدة وغيرها، من تلك العلّة المغاربية التي تمنع اتحادا وتبعد قوة تخشاها تلك الدول.

وبغضّ النظر عن التخمينات التي قد يرتكبها المراقب في محاولة فهم الموقف الجزائري، فبالإمكان الاعتماد على شروط رسمية عبّر عنها سابقا المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائري عمار بلاني، لتطبيع العلاقات الثنائية وإعادة فتح الحدود “فتح الحدود البرية بين البلدين يستدعي الوقف الفوري لحملة التشويه التي تقودها الدوائر المغربية الرسمية وغير الرسمية ضد الجزائر”، ثم “التعاون الصادق والفعال والمثمر من قبل السلطات المغربية لوقف تدفق وتهريب المخدرات إلى الجزائر” ثم “احترام موقف الحكومة الجزائرية في ما يتعلق بمسألة الصحراء الغربية”.

واضح أن المطلبين الأولين إجرائيان لا إشكالية فيهما، وأنهما زيادة عدد للوصول إلى لبّ المشكلة المتعلقة بالصحراء. وواضح أن الشرط الجزائري الثالث تعجيزي يطالب المغرب بالاعتراف والتسليم بما هو أساسا أصل المشكلة بين البلديّن. في هذا، أن الجزائر ما زالت تستخدمُ مقاربات مستحيلة هدفها البقاء على ملفات التأزيم.

ويرى حباري أن “توتر العلاقات الدبلوماسية في الفترة الأخيرة بين البلدين أبعدهما أكثر عن الجلوس إلى طاولة المفاوضات لأجل فتح الحدود”، واعتبر أنه “نظرا لسيطرة أجهزة النظام على غالبية وسائل الإعلام، حتى المستقلة منها، فإن ذلك يبعدنا أكثر وأكثر عن احتمال فتح الحدود في المستقبل القريب”.

الأمر بات مدار نقاش داخل الطبقة السياسية، وقد كتب موقع Tout Pour l’Algerie الجزائري الناطق بالفرنسية أن مسألة إعادة فتح الحدود بين المغرب والجزائر التي تطالب بها الرباط، تقسم الأحزاب السياسية الجزائرية. فإذا كانت المعارضة تؤيد إعادة فتح هذه الحدود فإن الأحزاب المشاركة في الحكم تفضل الاصطفاف وراء الموقف الرسمي للحكومة الرافض لذلك.

وأضاف الموقع أن الدعوة العلنية التي أطلقها محسن بلعباس، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، من أجل إعادة فتح الحدود المغربية الجزائرية المغلقة منذ سنة 1994، قد أحيت النقاش حول هذه القضية التي تسمم العلاقات بين البلدين. ونقل الموقع عن بلعباس قوله إنه لا علاقة بين إغلاق الحدود والنزاع حول الصحراء، وخلافا لما قاله الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، فإن نزاع الصحراء ليس هو السبب في إغلاق الحدود وإنما الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في مراكش.

ويعتقد بلعباس أن أحداثا أهم من ذلك وقعت بين الجزائر والمغرب دون أن تؤدي إلى إغلاق الحدود، مذكرا في هذا الصدد بـ”حرب الرمال” التي وقعت سنة 1963، وباندلاع قضية الصحراء سنة 1975، موضحا أن هذا المشكل الأخير تسبب في إغلاق للحدود لكن بشكل مؤقت.

وبالنسبة إلى حزب حركة مجتمع السلم، الإسلامي، فهو يرى أنه “لا معنى لإغلاق الحدود سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي”. وقال عبدالرزاق مقري، رئيس الحزب، إن هذا الإغلاق “يلحق الضرر بالأسر المغربية والجزائرية وبحقوقها ويساعد على التهريب”، مؤكدا أن بناء المغرب العربي الكبير “أمل كل سكان المنطقة”.

ونفس الأمل عبر عنه أحمد بن بيتور، رئيس الحكومة الأسبق، الذي قال “إن ظروفا معينة تسببت في إغلاق الحدود، وكلما تم التعجيل بفتحها كلما كان ذلك أفضل بالنسبة إلى كافة بلدان المغرب العربي”.

عمار سعداني: لو تحدثت عن القضية الصحراوية سيخرج الناس إلى الشارع

من جهته، أكد عبدالله جاب الله، رئيس جبهة العدالة والتنمية، أن فتح الحدود “ليس مطلبا جديدا ولكن فكرة قديمة”، وعبر عن أسفه لكون التأخير الذي يشهده تجسيد مشروع بناء المغرب العربي “كان له وقع سيء على دوله التي تتقاسم هذا الفضاء الجغرافي”.

وقال محمد الدويبي، الأمين العام لحزب النهضة، إن كل الدول “تحاول بناء كيانات جهوية ليكون لها وزن. إننا نؤيد إعادة فتح الحدود في إطار شامل لبناء المغرب العربي”.

أما الأحزاب المشاركة في الحكومة فتفضل الانحياز للموقف الرسمي للحكومة، فقد انتقد محمد جمعي، رئيس الفريق البرلماني لحزب التحرير الوطني، المغرب قائلا “إن الحدود مغلقة، والمغرب يغزونا بالمخدرات التي تشكل خطرا على أجيالنا”.

الموقف نفسه عبر عنه حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه أحمد أويحيى. ففي الوقت الذي عبر فيه عن أمله في بناء المغرب العربي الكبير، أعلن أنه يفضل ترك مسألة الحدود لوزارة الخارجية. وقال الصديق شهاب، المتحدث باسم التجمع، “إننا نتبنى الموقف الرسمي للدولة، لكننا نناضل أيضا من أجل بناء كيان مغاربي كبير”.

أزمة مصطنعة

تتشارك أسبانيا وبريطانيا في الاتحاد الأوروبي، رغم الخلاف المتعلق بمضيق جبل طارق، كما تتنامى العلاقة بين اليابان وروسيا، رغم أن طوكيو ما برحت تطالب موسكو بالانسحاب من جزر الكوريل المحتلة، وطالما أننا نتحدث عن المغرب، فإن الرباط مرتبطة بعلاقات سياسية واقتصادية متقدمة مع مدريد، على الرغم من مطالبة المغرب بتحرير مدينتي سبتة ومليلة المغربيتين من الاحتلال الأسباني.

واضح أن الأزمة مصطنعة ويراد لها أن تكون خشبية لا مجال لتليينها. للطبقة الحاكمة في الجزائر أسبابها، بيد أن الطبقة السياسية بدأت تعبّر عن تبرم من ذلك، ربما لأن المناكفة في موضع العلاقة مع المغرب هي مناكفة في ملفات داخلية يصعب فتحها، وربما باتت تلك الملفات بعينها، التي تبدأ بمصير الرئيس والخلافة انتهاء بطبيعة النظام السياسي برمته عرضة للنقاش، بما يفتح باب نقاش مسألة الحدود مع المغرب.

7