الإصلاحات البابوية تصطدم بـ"دولة عميقة" ترفض التغيير

السبت 2017/03/11
صعوبة إيقاد شموع الإصلاح

الفاتيكان - باشر البابا فرنسيس المنتخب في 2013 إجراء إصلاحات في الفاتيكان الذي أضعفته الفضائح، ورشى عدة، لكن اندفاعته تجد صعوبة في التحول بصورة سريعة إلى واقع ملموس بعد أربع سنوات على حبريته.

وإن كان سلفه السابق البابا بندكت السادس عشر، يعد متحفظا وأكاديميا، فإن البابا فرنسيس يلجأ دائما للابتسامة العريضة ويتمسك بالرضا. ورغم النظرة السائدة إليه بكونه متحررا، إلا أن إصلاحاته للإدارة البابوية -التي انتقدها على عزلتها- تسير ببطء.

وعشية حلول هذه الذكرى الاثنين 13 مارس 2017، مازال البابا الأرجنتيني (الكاردينال جورجيو ماريو بيرغوليو)، الذي ترعرع في وسط يغلب عليه الطابع الاجتماعي في أميركا الجنوبية، يثير حماسة شعبية كبيرة، بفضل لغته البسيطة وقربه من الناس، لا سيما الأكثر تواضعا بينهم، لكن داعميه أقل عددا بكثير في جهاز إدارة الفاتيكان.

بابا جيد، إدارة سيئة

في كلمة ألقاها في كرادلة حاضرة الفاتيكان في ديسمبر لتقديم أمنياته للسنة الجديدة، تلا البابا لائحة من ثمانية عشر قرارا إصلاحيا أساسيا، مشددا على ضرورة ألا تكون مجرد “إجراء شكلي” بل أن تترافق مع “تغيير في العقلية”.

لكن أسقفا أرجنتينيا قريبا من البابا قال إن الحبر الأعظم لا يستطيع أن يعول إلا على حوالي 20 بالمئة من الدعم النشط داخل الجهاز التنفيذي للفاتيكان، لأن أكثرية أعربت عن ولائها بطريقة تتسم بالمزيد من السلبية، فيما أبدت أقلية معارضتها.

وتقف عقبة أخرى في طريق الإصلاحات وهي أن التغيير مسألة غير راسخة أبدا في ثقافة الكنيسة التي تعود إلى ألفي عام والتي تتبع وتيرة خاصة بها. ويشكل ملف التعديات الجنسية البالغ الحساسية دليلا على هذه الصعوبة المزدوجة.

ساندرو ماجستير: الإصلاح الذي كان يطغى قبل أربع سنوات على الخطابات مازال بعيدا

ومؤخرا، استقالت ضحية إيرلندية سابقة هي ماري كولينز من لجنة مكافحة التعديات الجنسية على الأطفال التي أنشأها البابا، منددة بقلة تعاون “معيب” من مسؤولي الفاتيكان، وخصوصا من جانب “مؤتمر العقيدة والإيمان” حارس العقيدة والتقاليد.

ورد رئيس المؤتمر الكاردينال الألماني المحافظ غيرهارد لودفيغ مولر بالقول “أعتقد أنه من الضروري التخلص من هذه الفكرة المسبقة التي تقول إن هناك من جهة البابا الذي يريد الإصلاح، ومن جهة أخرى مجموعة من المعارضين الساعين إلى عرقلته”. ويعتبر الخبير الفاتيكاني جياني فالنتي، المتعاون مع موقع فاتيكان اينسايدر للتحليلات والمتعاطف مع رسالة البابا، أن “الصورة المبسطة لبابا جيد وإدارة سيئة باتت تشكل خطرا على الحبر الأعظم من خلال عزله”؛ كما أنها لا تنطبق دائما على حقيقة الواقع. فالكثيرون في الفاتيكان يعتبرون أن بعض الإصلاحات لم تجر في شأنها مشاورات مسبقة، أو عهد بها إلى أشخاص ليسوا على قدر المسؤولية.

والمثال الأبرز على ذلك يبقى توظيف المستشارة فرانشيسكا شوقي التي أوقفت في 2015 لتسليمها اثنين من الصحافيين الآلاف من الوثائق السرية عن الوضع المالي للفاتيكان.

وكشف هذان الصحافيان لاحقا في كتبهما عن عدد من عمليات الاختلاس المالي، منها اختلاس هبات مقدمة للكنيسة ومخصصة للفقراء، لكنها استخدمت لتمويل نمط الحياة الفاخر لبعض الكرادلة. وأدت هذه الاختلاسات إلى محاكمة فاتيليكس 2 التي أحرجت الفاتيكان.

ويتمحور صلب الإصلاحات حول رقابة أفضل للنفقات الهائلة. لكن الكرسي الرسولي يقر بأنه سيحتاج إلى “بضع سنوات” إضافية لنشر حسابات موحدة مثبتة. وقال مصدر داخلي ساخرا “إنها لمسألة معقدة أن تفرض معايير محاسبة مشتركة عندما لا تفعل ذلك منذ قرون”.

وبعد شهر على انتخابه، شكل البابا مجلسا استشاريا من ثمانية كرادلة (اليوم تسعة) لمساعدته على إصلاح الإدارة المركزية للكنيسة، من غير أن تتوافر تفاصيل كافية عن التقدم الذي تحقق حتى الآن في هذا المجال.

وفي بداية 2014، أنشأ البابا وزارة قوية للاقتصاد يتولاها الكاردينال الأسترالي جورج بل الذي كشف عن وجود مئات الملايين من اليورو غير المرئية في الحسابات. وأثار تعيينه موجة استياء، لكن صلاحياته المطلقة التي كان يحظى بها تراجعت منذ ذلك الحين، كما يرى الخبراء الفاتيكانيون.

خطوط توجيهية

يشير الخبير الفاتيكاني المحافظ ساندرو ماجستير الذي يوجه الانتقادات للبابا إلى أن الهيئة المشرفة على الثروة العقارية الهائلة للكنيسة استعادت السيطرة على أنشطتها. وفي المقابل، أبصرت النور وزارتان كبيرتان، ويجري إصلاح جذري لوسائل الإعلام في الفاتيكان، على رغم الانتقادات.

وقال ساندرو ماجستير منددا إن “البابا يفتح ملفات وينشر الفوضى”. وأضاف أن الإصلاح الذي كان يطغى قبل أربع سنوات على الخطابات التي سبقت المجمع “ما زال بعيدا عن تحقيق هدفه”.

الفاتيكان لا يزال عالما يلفه الكتمان، مثل عالم مصغر، تخضع حدوده لحراسة مشددة

دافع جياني فالنتي بالقول إن “البابا يطرح خطوطا توجيهية، هذا عمل يحتاج إلى نفس طويل”. واعتبر الخبير الفاتيكاني إن نجاح حبريته “لا يتوقف على تحقيق نتائج خلال حياته”، مذكرا بأن إدارة الفاتيكان مجرد أداة في خدمة البابا.

وينقسم نقاد البابا فرنسيس إلى معسكرين: بعضهم يعتقد أنه يسعى إلى التغيير أكثر من اللازم، والبعض الآخر يرى أن عليه أن يفعل أكثر من ذلك. يحدث الإصلاح ببطء، وعلى نحو متفاوت. تبدو تعليقاته ولفتاته كما لو كانت تقدمية، ولكن في نواح يُعتقد أنه لا يتحرك بما فيه الكفاية.

الفاتيكان لا يزال عالما يلفه الكتمان، مثل عالم مصغر، تخضع حدوده لحراسة مشددة. عن هذا العالم تقول صحيفة الغارديان “من الصعب إصلاح مؤسسة حينما يُنظر إلى ماضيها على أنه مستوحى من العناية الإلهية”. ولكن ابتسامة البابا فرانسيس تدل على أن لديه المزيد ليقدمه، ففي التاسعة والسبعين من عمره، حسب ما يقول الأب لومباردي، “لديه طاقة غير متوقعة من شخص في نفس العمر، سألته كيف يفعل ذلك، فأجابني: حسناً، يعطيني الله القوة للقيام بذلك. ويقول أصدقاؤه الأرجنتينيون: نحن لم نتعرف عليه! يبدو أصغر بعشرين سنة مما كان عليه عندما غادر. في سنواته الأخيرة في بوينس آيرس، بدا كما لو أنه يستعد للتقاعد. وبدلاً من ذلك، انطلق مرة أخرى. وهو يقودنا جميعا إلى الأمام”.

7