الإصلاحات الملحة التي يرفضها المطالبون بالإصلاحات في العراق

الاثنين 2015/09/28

تنطوي الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات في العراق على مغالطات وحقول ألغام لا تعد ولا تحصى، ويبدو أنها ستبقى محاصرة في دوامة يصعب الخروج منها في الأفق القريب، وقد تنتهي بانهيار الدولة ودخول البلاد في فوضى أسوأ مما شهدته حتى الآن.

أكبر مشاكل العراق المالية اليوم هي الحفرة العميقة التي حفرها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتفجر الموازنة التشغيلية، إلى مستويات غير مسبوقة في أي دولة في العالم.

فقد أمعن خلال طفرة أسعار النفط، في الهروب إلى الأمام بتشغيل الملايين في وظائف حكومية، دون أي عمل يذكر، إضافة لمئات آلاف “الفضائيين” أي الأسماء الوهمية والأشخاص الذين يتقاضون جزءا من رواتبهم مقابل عدم الحضور للعمل، ليذهب الجزء الآخر للمسؤولين الفاسدين مقابل السكوت عن ذلك.

وقد أقر رئيس الوزراء حيدر العبادي بأن الدولة تدفع رواتب لأكثر من 6 ملايين شخص (4 ملايين موظف ومليوني متقاعد) وأن ذلك يرهق موازنة الدولة. وعند المقارنة بعدد سكان البلاد، فإن النسبة ستكون الأعلى في العالم دون أي منازع، بل إن ذلك العدد يصل إلى أضعاف عدد العاملين في دول يزيد عدد سكانها على 3 أضعاف سكان العراق.

هناك عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من المقيمين في الخارج الذين لم يعملوا يوما واحدا في الدولة العراقية، يتقاضون رواتب تقاعدية، بحجة أنهم كانوا مضطهدين سياسيا، ومعظمهم في أوضاع اقتصادية جيدة ويعملون في وظائف في الدول التي يقيمون فيها، أو يتقاضون إعانات اجتماعية منها.

ترشيق الدولة العراقية، هو أكثر الإصلاحات إلحاحا في ظل الأزمة المالية الخانقة، لكننا نجد معظم المتظاهرين، يطالبون بتوفير وظائف حكومية. أي أن الإصلاح الأكثر إلحاحا سوف يغضب المطالبين بالإصلاحات، وهي معضلة قد يستحيل الخروج منها.

إذا أراد رئيس الوزراء إنقاذ الاقتصاد العراقي وإخراجه من الشلل التام، فعليه حتما تقليص الوظائف الحكومية ومراجعة جميع رواتب من تعيلهم الدولة، وعليه أيضا في موازاة ذلك، وضع قـوانين وحوافز للاستثمار المحلي والأجنبي، كي يتمكن من يتم إخراجهم من الوظائف الحكومية من العثور على وظائف في القطاع الخاص.

لكن تطبيق ذلك في غاية الصعوبة، إذ أن الملايين الذين تعيلهم الدولة سينقلبون عليها وقد يترحمون على عهد المالكي، الذي منحهم تلك الوظائف الوهمية، وأدخل البلاد في طريق مسدود.

هناك مؤسسات ومصانع عراقية تضاعف عدد موظفيها عشرات المرات منذ عام 2003 رغم أنها متوقفة عن العمل منذ ذلك الحين. ويعرف معظم العراقيين بأن هناك أعداد كبيرة من الأشخاص المسجلين في عدد كبير من الوظائف في وقت واحد بسبب الفساد، فهو مثلا جندي في الجيش وشرطي في وزارة الداخلية وعامل في مصنع متوقف عن العمل وموظف حكومي يحضر إلى مكان العمل لساعات معدودة شهريا.

أي أن الرواتب التي يزيد عددها على 6 ملايين راتب، تذهب إلى عدد أقل من ذلك بكثير، بسبب الفساد والمحسوبية، في حين يعاني معظم العراقيين من انعدام فرص العمل.

لذلك يبدو مستبعدا أن تؤدي الإصلاحات المعلنة عن أي نتائج ملموسة في واقع الانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات، بل إنها يمكن أن تؤدي إلى نتائج معاكسة لرغبات المتظاهرين، الذين يطالبون بالوظائف.

تقليص عدد الوزارات وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، إجراء ضروري لإنقاذ الاقتصاد العراقي على المدى البعيد، لكنه يمكن أن يزيد من حدة الاحتجاجات في المدى القريب بعد انضمام العاطلين الجدد إلى جيوش المحتجين.

ويبدو أن رئيس الوزراء حيدر العبادي سيبقى محاصرا بين فكي خفض الموازنة التشغيلية وتلبية مطالب المحتجين، إلى أن يتمكن من محاربة الفساد، ووضع قوانين شفافة للاستثمار، تتمكن من خلق فرص عمل يمكن أن تستوعب بعض العاطلين عن العمل ومن سيتم تسريحهم عند ترشيق مؤسسات الدولة المترهلة.

11