"الإصلاحية" لم تعد مكانا لإصلاح الطفل أخلاقيا وسلوكيا

“الإصلاحية” أو “الأحداث”، هو المكان الذي يوضع فيه الأطفال والمراهقون الذين ارتكبوا جرائم ومخالفات للقانون، حيث يتم وضعهم تنفيذا للأحكام القضائية لإبعادهم عن المجتمع وإعادة تأهيلهم وإصلاحهم سلوكيا وأخلاقيا، إلا أن ما يحدث يكون غير ذلك، حيث يخرج الأطفال من الإصلاحية دون أن يحظوا بأي نوع من التربية أو إعادة التأهيل السلوكي والأخلاقي، بل قد يتحولون إلى مجرمين وأكثر جنوحا نحو الجريمة، مما يجعل الإصلاحية سلاحا ذا حدين؛ فإما تهذيب وإصلاح، وإما ملجأ لتخريج المجرمين.
الجمعة 2017/08/04
عجز عن وضع حد للجنوح نحو الجريمة

القاهرة- كانت بداية استخدام مصطلح “الإصلاحية” في الولايات المتحدة الأميركية، للتعبير عن المكان الذي يوضع فيه الأطفال كمسمى أفضل من مصطلح السجن، ويعبر عن الهدف الرئيسي منها كمؤسسة تأهيلية وليست عقابية.

لكن في معظم الأحيان كانت هذه المؤسسات احتجازية، ومع مرور الوقت وخاصة خلال فترة خمسينات وستينات القرن العشرين لُوحظ أنه يتم استغلال الأحداث الأصغر سنا من الأحداث الأكبر سنا، وأن الأطفال يعتبرون السجناء الأكبر منهم قدوة وموجهين لهم في الحياة، وبذلك تطوّر مصطلح الإصلاحية ليكون وصمة عار في حدّ ذاته.

وكشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالقاهرة، عن وجود قصور شديد وسلبيات في مؤسسات دور الرعاية للأحداث خاصة المتعلقة بالفتيات.

وأكد على أهمية التوسع في إنشاء مؤسسات ودور رعاية للأطفال، مع حصر جميع احتياجات هذه المؤسسات وإجراء متابعة وتقويم دوري للأحداث بصورة مستمرة، بهدف تخريج طفل مؤهل للتعايش مع المجتمع منضبط سلوكيا، وعدم مساعدته على أن يكون مجرما في المستقبل.

الفتيات الصادرة ضدهن أحكام بالسجن يتم وضعهن في السجون العامة، مما يعرضهن لنشأة اجتماعية غير سوية

ووجد التقرير الذي أعده الجهاز، أن هناك نقصا شديدا في مؤسسات رعاية الأحداث ووجودها في 12 محافظة، وتتركز المؤسسات الخاصة بالفتيات في 3 محافظات فقط.

بالإضافة إلى عدم وجود مؤسسات عقابية للفتيات الصادرة ضدهن أحكام بالحبس، حيث يتم وضعهن في السجون العامة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعرضهن لمخاطر عديدة ونشأة اجتماعية غير سوية تؤدي إلى انحرافهن بصورة أكبر وليس تأهيلهن.

ولفت التقرير الذي أعده الجهاز إلى وجود عدة سلبيات، أهمها عدم كفاية قدرة الاستيعاب المتاحة بالعديد من المؤسسات لاستقبال الحالات، وضيق الأماكن المخصصة للمبيت أو الخاصة بممارسة بعض الأنشطة الرياضية والفنية.

بالإضافة إلى عدم وجود غرف خاصة بالمذاكرة والتحصيل الدراسي، وتهالك شبكات الصرف الصحي بعدد من المؤسسات وتسرب المياه منها إلى عنابر المبيت، وعدم وجود وسائل نقل للحالات الطارئة للعلاج، أو للتوجه إلى جلسات المحاكم، وهو الأمر الذي يعود بالسلب على نفسية الأحداث.

كما أشار إلى تهالك العديد من الآلات والمعدات الموجودة بالورش وانخفاض كفاءتها ونقص الخامات اللازمة للتدريب، وكان الأهم من كل ذلك هو عدم وجود أخصائي اجتماعي ونفسي في المؤسسات، مما أدى إلى عدم إجراء متابعة نفسية مع الطفل ونقص المشرفين، فلم تعد مؤسسة الأحداث مكانا لإصلاح الطفل أخلاقيا وسلوكيا، بل أصبحت هي التي تؤهله لكي يخرج عنيفا كارها للمجتمع.

وتقول عزة العشماوي، الأمينة العامة للمجلس القومي للأمومة والطفولة في مصر إن المؤسسة العقابية الخاصة بالأحداث تعاني منذ سنوات طويلة من تردّي البنية التحتية لها، وعدم انضباط المتخصصين العاملين بها، وعدم تأهيلهم للتعامل مع الأطفال.

فهؤلاء الأطفال ارتكبوا جرائم ضد المجتمع ويجري عقابهم، مما يستلزم وضع برامج تأهيلية لتحويل طاقتهم السلبية والعنف الموجود بداخلهم بعد معرفة أسبابه، إلى طاقة إيجابية تفيد المجتمع، ويكون ذلك من خلال تعميق ثقتهم بأنفسهم وتنفيذ أنشطة من شأنها إعادة تأهيلهم النفسي.

ونبهت إلى أن الواقع مخالف لذلك تماما؛ لأن إعادة تأهيل الأطفال تحتاج إلى كوادر بشرية تؤمن بأن هذا العمل إنساني في المقام الأول.

لكن هذه الكوادر تحتاج إلى التدريب بصورة مستمرة لتنمية مهارات الاتصال والتواصل مع الأحداث ومتابعتهم، لضمان عدم خروجهم عن ميثاق الشرف المطلوب من الأخصائي الاجتماعي والنفسي الذي يتعامل مع الطفل في المؤسسات العقابية.

إعادة تأهيل الأطفال تحتاج إلى كوادر بشرية تؤمن بأن هذا العمل إنساني في المقام الأول، لكن هذه الكوادر تحتاج إلى التدريب بصورة مستمرة

وللتأكد من عدم وجود أي ممارسات مخالفة أو شاذة من شأنها أن تدمر مستقبل الطفل وتجعله أكثر إجراما.

وعن المشاكل التي تعاني منها مؤسسات رعاية الأحداث، أفاد خبراء أمنيون متخصصون في إدارة رعاية الأحداث، أنه من أهم المشاكل التي تواجهها المؤسسات ودور الرعاية الاجتماعية الموجودة حاليا، عدم تأهيلها وإعدادها للتعامل مع الأطفال، وعدم تقديم أي برامج تطويرية تأهيلية تليق بها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اكتساب الأطفال الذين يدخلونها أساليب إجرامية جديدة، تصنع من الفرد عنصرا إجراميا.

كما أن المؤسسات التي تستخدم أساليب متطورة تحصل على تمويلات خارجية تؤدي إلى القضاء على قيمة الانتماء لدى الطفل إلى المجتمع، فيخرج وهو يبحث عن الهجرة. وأفاد متخصصون أمنيون أنه مع الأسف لا توجد في مصر بأكملها دار رعاية واحدة على طراز متقدم، ويرجع ذلك لغياب الدور الأساسي للقائمين على برامج إصلاح وتأهيل الأطفال بتلك المؤسسات.

كما أن المعضلة تكمن في أن مؤسسات الرعاية بدلا من أن تخرج أطفالا صالحين للتعايش في المجتمع، وهو ما يعتبر دورها الأساسي، تخرج أطفالا أكثر اجراما مما كانوا عليه، حيث يتعلمون بداخلها أساليب إجرامية جديدة، وهذا ما يدمر مستقبل الطفل عند الخروج منها.

ويطالب الخبراء الدولة والهيئات المعنية، بالتكاتف لتطوير مؤسسات الرعاية الاجتماعية والأحداث بأحدث وسائل التكنولوجيا، ودعمها بالعناصر البشرية المؤهلة والمدربة للتعامل مع الأطفال.

وأشار الخبراء إلى أن الإعلام يتحمل دورا كبيرا في الحد من مشكلة أطفال الشوارع من خلال تكثيف الحملات الصحافية والتلفزيونية عن هذه القنابل الموقوتة في الشوارع..

كما أن إحصائيات الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث (بوزارة الداخلية) في جميع المحافظات، تؤكد أن أطفال الشوارع يبلغ حوالي 50 ألف طفل، ويرجع السبب في وجودهم إلى الظروف الاقتصادية وعجز الأسرة عن القيام بدورها في الإنفاق على أطفالهم، وازدياد حالات الطلاق، وإهمال الدولة لهؤلاء الأطفال.

21