الإصلاح ألا ينبغي أن يشمل الإعلام

الأربعاء 2015/08/19

تحولت شوارع المدن العراقية وميادينها في الأسابيع الماضية إلى سوح للتظاهر والاحتجاجات الجماهيرية المطالبة بالإصلاح والتغيير بعدما زهق الناس من الفساد وسوء الإدارة والطائفية ومصائب المحاصصة وما يتصف به الكثير من “الحاكمين والمتحكمين” من ضحالة فكرية وطفولة سياسية وقلة وعي… وحتى قلة وطنية!! فهل استطاع الإعلام العراقي، وخاصة الفضائيات أن يواكب هذا الحراك الشعبي غير المسبوق بنفس الهمة والشفافية والانتماء؟

لقد مارس المتظاهرون، حرية التعبير عن أفكارهم ومطالبهم؛ بوعي ومسؤولية لم يرشدهم إليها مرشد، وبحرية لم يمنحها لهم أحد، حرية زرعت الرعب في قلوب الكثير ممن أحسوا بأنهم قد يكونون مستهدفين أو مقصودين أو مشمولين بمطالب الناس وهتافاتهم ويافطاتهم وأناشيدهم في الشوارع والتجمعات، حرية حركت المياه “الخابطة” في بركة السياسة العراقية؛ وكانت بوادر نتائجها قرارات مساء الأحد الماضي بإلغاء ودمج أكثر من عشر وزارات، ونشر قوائم علنية بفاسدين ومفسدين ومقصرين!!

لقد كان الحراك الشعبي الأخير في العراق اختبارا عسيرا لوسائل الإعلام هناك، فقد تعرضت الفضائيات في حالات عديدة، وخاصة في البدايات، للذم والنقد، وتراوح التقييم للنشاط الإعلامي من التقصير عن جهل أو سوء تقدير إلى الحزبي المتواطئ، أو المتستر على الفساد أو الذي يحاول تقليل الصدمة عن بعض ديناصورات الفساد والطائفية.

وقد انشغلت معظم وسائل الإعلام في تبني وجهات نظر ومواقف الجهات التي تنتمي إليها، ولكنها في النتيجة تجنبت أن تثير غضب الجماهير ضدها أو ضد الجهات التي تنتمي إليها، فحاولت التمويه على مواقفها الحقيقية.

ويرصد محللون ومتابعون على بعض الفضائيات العراقية، ومعها مواقع التواصل الاجتماعي، دورها الخفي أو المفضوح لدعم محاولات أطراف سياسية معينة لحرف مسار المظاهرات باتجاه معين، كأن تكون مخصصة ضد جهة بعينها أو محاولات تفكيك الحراك الشعبي بطرق وأساليب مختلفة تجمع بين الترغيب والترهيب، وعرقلة إدامة زخمها الجماهيري غير المسبوق.

وهناك من يزعم وجود مساومات على دفع مبالغ ماليه لتحقيق الانحراف المرغوب، أو الدعوة إليه، أي أن الفاسدين وأنصارهم حاولوا إفساد التظاهرات المناهضة للفساد!!

إن سلوك الفضائيات العراقية ووسائل الإعلام الأخرى ينسجم تماما مع طبيعة تشكيلاتها العشوائية عند انطلاقها بعد الاحتلال عام 2003، حيث تم ربط مفهوم الحريات العامة في أذهان الناس بين الحرية السياسية وحرية التعبير، فلا حرية سياسية دون حرية تعبير، ويتم الحديث عنهما كشيء واحد، وهكذا سعت الجماعات السياسية، وحتى الأفراد، إلى أن تكون لهم منابر إعلامية تشكل اللاعب الرئيسي في تكوين الرأي العام لتعزيز منزلة هذا التشكيل أو ذاك لدى الناس.

لقد تشكلت في العراق منذ 2003 منظومات إعلامية تعاني في معظمها، من ذات العلل والفيروسات والخصائص السلبية التي تعاني منها التشكيلات السياسية المؤثرة حاليا في الدولة العراقية.

اجتمع نفر من الناس وقرروا أن يكون لهم منبر إعلامي، يسند تشكيلتهم السياسية، ويروج لشخوصهم، فأطلقوا فضائية اختاروا لها اسما ولم يضعوا لها منهجا أو خطة فكرية أو برامجية، ورشحوا لها بعض ممن يعتقدون أنهم إعلاميون أو صحفيون، ونصبوا عليها مدراء، غالبا ممن كانوا يعيشون في المهجر… كمعظم السياسيين الحاكمين الآن في العراق، فنشأت فضائيات تعاني من “الطفولة الإعلامية” كما يعاني السياسيون الجدد من “الطفولة السياسية”، وأصيبت بعض الأجهزة الإعلامية بعدوى الفساد والطائفية والمحاصصة والمحسوبية، وحكلي لأحكلك، وتنافست بعض القنوات الخاصة أو شبه الخاصة في الردح والشتم ونشر الغسيل والفضائح، معتقدة أن هذا هو النقد السياسي الجريء، والشجاع!! وأن هذا هو التعبير عن حرية الرأي…

الضرورة والتجربة تستدعيان بإلحاح وضع قضية إصلاح الإعلام في جدول أولويات الإصلاح السياسي لما له من دور كبير في صيانة حرية التعبير في المجتمع ولما يشكله من مصدر أساسي للمعلومات والتوعية لدى المواطنين، ويستدعي إصلاح الإعلام تغيير منظومة قوانين الإعلام، ومنظومة قوانين الإعلام أساسا ليس لها وجود عملي ولا صياغات تمتلك أدوات الإعلام العصري، فالمرجعية الوحيدة للإعلام في العراق حاليا هي هيئة الإعلام والاتصال التي تمنع وتسمح وتراقب وتجيز وتوقف، وفق قوانين وأنظمة سنها بريمر سيئ الصيت!!

18