الإصلاح الاقتصادي في الكويت.. مقتضيات الأرقام وعقبات السياسة

المتغيرات الاقتصادية والسياسية والطبيعية الجارية في العالم، أخذت تفرض على الأقطار العربية عموما، والخليجية بشكل أدق، ضرورة تأهيل سياساتها الاقتصادية الكبرى للحلول في عالم يتغير يوميا، ومنها الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. يترجم هذا التأهيل في اتجاه أغلب الأقطار الخليجية إلى تغيير إستراتيجياتها الاقتصادية بما يحقق الملاءمة بين مقتضيات لم تتوقف عن طرق أبواب كل أقطار العالم، وبين عدم المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين الذين ألفوا نمطا اقتصاديا واجتماعيا بعسر النكوص عنه. الكويت التي باشرت محاولات إعادة بناء اقتصادها منذ سنوات، تعرف مراوحة بين الشروع في الإصلاح والتراجع عن البعض من القرارات، وهي مراوحة متصلة أساسا بالحالة السياسية الكويتية ونابعة من تداخل السياسي بالاقتصادي.
الاثنين 2016/10/17
كويت ما بعد النفط

الكويت – قرار الحكومة الكويتية بمنح المواطنين كميات مجانية من البنزين شهريا لتعويضهم عن ارتفاع أسعاره بعد خفض الدعم، لم يفلح في كسب رضا الشارع والمحللين.

فالخطوة التي جاءت تحت ضغوط نيابية لم تنل استحسان المواطن الكويتي الذي اعتبرها أقل من اللازم، بينما رآها محللون تعطيلا جزئيا للخطة التي أعلنتها الحكومة لإصلاح الاقتصاد على المدى المتوسط، وحصلت على موافقة البرلمان في يونيو الماضي.

وتهدف الإستراتيجية التي عرفت بوثيقة الإصلاح الاقتصادي إلى إصلاح الميزانية العامة وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد وزيادة دور القطاع الخاص وتفعيل مشاركة المواطنين في تملك المشروعات العامة وإصلاح سوق العمل. لكن محللين يقولون إن هذه الإستراتيجية أصبحت اليوم مهددة أكثر من أي وقت مضى بسبب الاعتبارات السياسية.

وفي هذا السياق قدم نواب كويتيون، الخميس الماضي، استجوابا ضد وزير المالية وزير النفط بالوكالة أنس الصالح يدور حول ثلاثة محاور تتعلق، بشكل أساسي، ببرنامج الإصلاح الاقتصادي.

وتتهم صحيفة الاستجواب الوزير “بسوء الإدارة والعشوائية إضرارا بمصالح المواطنين متمثلة في الزيادة غير المدروسة أو المبررة لأسعار الوقود.. والتفريط في حماية مصادر النفط وضياع ثروات البلاد وافتقاد المصداقية في التعاون مع أعضاء مجلس الأمة”.

سجل التراجع الحكومي

هذه ليست المرة الأولى التي تتراجع فيها الحكومة تحت ضغط شعبي ونيابي عن قرارات مهمة لإصلاح الاقتصاد والتأقلم مع هبوط أسعار النفط.

فقد تراجعت في أبريل الماضي تحت ضغط إضراب عمال النفط عن خطة سميت بالبديل الإستراتيجي، وهدفت إلى خفض النفقات وإصلاح مرتبات العاملين في الوظائف الحكومية وتحقيق العدالة بينهم، وفي مقدمتهم عمال النفط الذين يحصلون على مرتبات ومزايا وظيفية لا تقارن بنظرائهم العاملين في وظائف حكومية أخرى.

كما تراجعت أيضا بضغط من النواب عن المضي قدما في خطة خصخصة الخطوط الكويتية التي تمنى بخسائر سنوية كبيرة. وكانت الخطة تقضي بطرح 40 بالمئة من أسهم الخطوط الكويتية للاكتتاب العام، وبيع 35 بالمئة لمستثمر للأجل الطويل، بينما تحتفظ الحكومة بنسبة 25 بالمئة وذلك وفقا للقانون الذي أقره البرلمان في العام 2008.

وقال عبدالله أحمد الشرهان، الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية الكويتية، في 2015 إن الحكومة والبرلمان يتجهان لإلغاء حصة الشريك الإستراتيجي بحيث تبقى 75 في المئة من الأسهم ملكا للحكومة، و20 في المئة للاكتتاب العام للمواطنين، و5 في المئة لموظفي الشركة.

السياسة مربط الفرس

المحلل السياسي أحمد الديين قال إن ما وصفه بعدم كفاءة الإدارة السياسية والاقتصادية لدى الدولة يجعل من الصعب تمرير بعض السياسات التي تعتبرها الحكومة إصلاحات اقتصادية، حيث “تنهار” هذه الخطط عندما تصطدم بأول معارضة.

وأكد الديين أن هناك “مقاومة من داخل المجتمع لهذا البرنامج (الحكومي).. لكن عدم الكفاءة هو العنصر الذي يعوق (تنفيذ البرنامج) أكثر من المقاومة”.

قدرة الحكومة على مطالبة الشعب بالتضحية وتحمل فاتورة الإصلاح ستكون دائما ضعيفة دون مواجهة الفساد

وأكد مواطن عرف نفسه بأبي سعود أن غالبية الشعب تعارض هذه القرارات، معتبرا أن زيادة أسعار البنزين “ليست إلا بداية”. وقال “هذه القرارات باب لقرارات أكبر.. لو زاد سعر البنزين اليوم ستزيد الكهرباء غدا، ثم الماء، ثم يأتي دور الرواتب (لتقليصها) والوظائف.. وكل يوم شوية”.

يذكر في هذا الصدد أن النائب أحمد القضيبي قدم، الأحد الماضي، طلبا لاستجواب وزير العدل الكويتي يعقوب الصانع بسبب التأخر في إصدار اللائحة التنفيذية لهيئة مكافحة الفساد. ورد الوزير بأنه يعتبر الاستجواب “فرصة لكشف الجهود التي تبذلها وزارة العدل بتوجيه من القيادة السياسية لمساندة الهيئة العامة لمكافحة الفساد في تفعيل دورها”.

وقال فؤاد عبدالرحمن الهدلق، الرئيس التنفيذي لشركة الفارابي للاستثمار، إن الاتجاه لتخفيض الدعم قوبل برفض شعبي لأن هناك “اشتراطات مبدئية” لا بد أن تسير فيها الحكومة وأولها خفض ما وصفه “بالهدر”، لا سيما في ملفي مرتبات كبار المسؤولين والعلاج بالخارج المثير للجدل في الكويت.

وأشار إلى تجربة السعودية في خفض مرتبات كبار المسؤولين مع مطالبة الشعب بتحمل تبعات الإصلاح الاقتصادي، وقال “لا تبدأ (التقشف) من تحت وأنت لا تخفض من فوق”.

واعتبر مدير مكتب الجمان للدراسات الاقتصادية ناصر النفيسي أن التقدم في برنامج الإصلاح الاقتصادي “خجول وهامشي” حتى الآن ويقتصر على بعض الإنجازات “الطفيفة”، وأن الاعتبارات السياسية هي “مربط الفرس” في هذا التأخير.

وقال الدكتور بدر الملا الأستاذ بجامعة الكويت “وثيقة الإصلاح الاقتصادي لم يطبق منها وزير المالية سوى البنود المتعلقة بجيب المواطن تاركا البنود الأخرى للنسيان”.

الحكومة والبرلمان: اعتماد متبادل

وتمكنت الحكومة الحالية في ظل الهدوء السياسي الذي تمتعت به خلال السنوات الثلاث الأخيرة مع وجود برلمان يوصف بالموالي لها، من تنفيذ عدد كبير من مشاريع البنية التحتية، لا سيما الجسور والطرق والمشاريع النفطية، وترغب في السير قدما في هذا الاتجاه رغم هبوط أسعار النفط.

وفي الوقت الحالي تتحدث الأوساط السياسية ووسائل الإعلام يوميا عن اقتراب حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة لمنع المعارضة التي قاطعت انتخابات يوليو 2013 من الاستعداد جيدا لخوض الانتخابات الجديدة، وبالتالي إضعاف فرصها في الفوز بنصيب معقول من مقاعد البرلمان.

كما يقول محللون إن الحكومة لا ترغب في تحميل البرلمان الحالي كل تبعات القرارات والقوانين “غير الشعبية” التي تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، لأن ذلك قد يضعف فرص النواب في العودة في الانتخابات المقبلة المقررة في صيف 2017.

وقال مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي في لقاء مع قناة الرأي، إن هناك حاجة لانتخابات برلمانية مبكرة، وهناك أيضا حاجة لفريق حكومي جديد لمواجهة التحديات المحيطة بالكويت. وقال الغانم إنه نقل رأيه الداعي إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة إلى القيادة السياسية معتبرا أن العودة إلى صناديق الاقتراع هي “خيار ديمقراطية وتقليد سياسي عريق”.

لكن النفيسي قلل من أهمية دور البرلمان في معارضة الإصلاح الاقتصادي إذا أصرت الحكومة عليه. وقال “النواب الموالون والمعارضون يريدون إرضاء الشعب.. والإصلاح الاقتصادي سوف يتعطل في الحالتين طالما كانت الحكومة ضعيفة.. المجلس سواء كان قويا أو ضعيفا سوف يسترضي الناخبين وهذا في كل العالم وليس فقط في الكويت”.

إصلاح ممكن

يرى المحللون أن الحكومة الكويتية التي ترتكن إلى صندوق سيادي يقدر بأكثر من 600 مليار دولار ويستثمر غالبية أمواله في الخارج، لا تشعر بضغط حقيقي لإجراء الإصلاحات الاقتصادية حتى لو تضررت ميزانيتها العامة مؤقتا.

وقال الهدلق إن وجود الصندوق السيادي قد يدعم الإصلاح الاقتصادي لأنه يمثل “الوسادة التي تعطي الكويت فرصة كبيرة لأي إصلاح اقتصادي قد يمتد لسنوات عديدة”.

وأضاف “الكويت وضعها لن يكون خطرا في الوقت الراهن، لكن نريد أن نبني نظاما دائما للمستقبل واقتصادا ينمو.. لا نريد أن تصير الدولة دولة فقيرة في المستقبل مقابل أن نعيش نحن سنوات قليلة في بحبوحة”.

وحذر النفيسي من الارتكان إلى الاحتياطيات النقدية الكبيرة لأن “العشرات من المليارات ضاعت في أشهر قليلة” في الأزمة المالية العالمية في العام 2008. وأشار إلى أن التغيرات الدولية السريعة لا سيما بعد إقرار قانون “جاستا” في الولايات المتحدة، تجعل من الصعب على دول الخليج الارتكان إلى صناديقها السيادية. ويمنح قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” والذي يعرف باسم “جاستا” استثناء من مبدأ الحصانة السيادية في قضايا الإرهاب على الأراضي الأميركية.

وقال الديين إن حسبة ميزانية الكويت يجب أن تتم بشكل صحيح بحيث تحتسب عوائد الاستثمار الخارجي للصندوق السيادي للدولة ضمن بند الإيرادات، ولا يتم استبعادها كما هو حاصل حاليا.

وأكد الديين أن الإصلاح الاقتصادي يمكن أن يتم عبر خطوات أخرى من أهمها دعم القطاعات المنتجة وقيام القطاع الخاص بدوره المجتمعي من خلال توفير فرص عمل للكويتيين، وفرض ضرائب تصاعدية على الشركات والبنوك وليس من خلال هذا “البرنامج النيوليبرالي” للإصلاح.

وأضاف ان القطاع الخاص يجب أن يدفع ضريبة تصاعدية على الدخل. وتساءل “أيهما أعدل الضريبة على الدخل (للأفراد) أم الضريبة على البنوك والبورصة؟”.

7