الإصلاح الديني في السعودية ومشاغبات "الصحوة"

المملكة العربية السعودية تواجه بقايا فكر متحجر لم يعد ينسجم مع طموحات الدولة إلى ضرورة التطوير والتجديد، وتطرح فكرة “الصحوة الإسلامية” إشكاليات عديدة في مسيرة نشوئها التاريخي وتطوراتها، وحتى البعض من منزلقاتها على ضوء الأحداث والهزات السياسية الكبرى، التي شهدتها المنطقة والعالم.
الجمعة 2016/09/30
الإسلام في السعودية يتخلص من عوامل الجذب إلى الخلف

الرياض- مع أواخر عهد الملك سعود وبدايات عهد الملك فيصل بدأ ما يعرف بـ«الصحوة الإسلامية» بالتبلور والتكوّن، لينشأ خطاب إسلامي جديد تماما على المجتمع السعودي، وهو خطاب الإسلام السياسي، الذي سيظل كامنا مدة من الزمن ليطل برأسه عام 1987، ثم ينفجر مع أزمة الخليج، وبداية عمليات تحرير الكويت عام 1991.

وقبل هذا كانت حادثة الحرم المكي؛ «اقتحام جهيمان» عام 1979، قد أدت إلى ارتداد حركة الانفتاح في الإعلام تحديدا، والبعض من جوانب التفكير الإسلامي، ومكنت البعض من المتشددين من السيطرة التامة على المناخ الديني والمناخ الاجتماعي للبلد، مما مكن لما يعرف بالصحوة من الهيمنة على المشهد السعودي تدريجيا، وتعطيل أي حركة إصلاح أو تحرر ديني من أسر وإصر الرأي الواحد، أو إجبار المجتمع على الفتوى الواحدة. وعودة إلى بدايات تفجر الصحوة، كانت المعركة مع الحداثة ورموزها عام 1987، الانطلاقة الحقيقية للتيار على أرض الواقع، وخلقت ميدانا واسعا لاستعراض قدرات الصحوة وقوتها ونفوذها المتغلغل في المجتمع السعودي، وسيطرتها لخلق خطاب جديد يتوازى في جوانب كثيرة مع الخطاب القديم، ويتقاطع في البعض من الجوانب الأخرى.

وفي بداية التسعينات الميلادية، وقعت حرب غير منتظرة قلبت الكثير من الموازين، فقد كانت حرب الخليج الثانية حدثا مفصليا بالغ الأهمية والأثر؛ أبرز المعارضة الصحوية الكامنة، والتي جاءت أزمة الخليج لتكون أفضل بيئة، ونقطة ضوء تسلط على هذه المعارضة السياسية المتدثرة بثوب ديني، من خلال معارضة الحل الحكومي لمعالجة أزمة الخليج الثانية. هذه المعارضة أظهرت وجه الصحوة بشكل أكثر وضوحا، وهو الوجه السياسي، خصوصا مع رفعها راية الإصلاح العام، الذي يشمل مناحي عديدة أهمها الإصلاح السياسي، والعسكري، وأقلها الإصلاح الديني، مع تبنيها للبعض من المشاريع الفكرية التي قُدّمت للدولة، كمذكرة النصيحة وغيرها.

بعد حرب الخليج الثانية، تفرغت الحكومة السعودية لمشاغبات الصحوة السياسية، التي بدأت مع الحرب، وتحديدا مع مسألة الاستعانة بالقوات الأجنبية؛ كان هامش الحديث حول الممنوع السياسي واسعا، تجاوز الخطوط الحمراء بمسافات بعيدة، مما جعل الحكومة تعطي، وبطريقة غير مباشرة، الفرصة للحوار، وفتح خط الرجعة لقيادات الصحوة، فظل التجاذب بين الحكومة ورموز الصحوة، سنوات عدة، حتى جاء الوقت الذي وجدت الحكومة نفسها أمام خيار واحد لإطفاء تلك المشاغبات السياسية، والتي ستُنتِج -عمّا قريب- مناهج مغايرة لفكرة الإصلاح الديني على الساحة السعودية، كان الخيار هو إيقاف القيادات الصحوية ومجموعة من أتباعهم.

كان خلو الساحة من الرموز الصحوية، مدعاة لبروز نجوم لم يكونوا بالزخم والوهج ذاتيهما واللذين كانت عليه الرموز التي تمّ إيقافها، ولم يتمكنوا من ملء الفراغ الذي خلفته تلك الأسماء، وصحبه تحرك باتجاه التمرد على النمطية والتسليم، كل هذا أحدث تشظيا بات يتوسع مع الزمن، وتفاقم الأمر عندما خرجت الرموز الصحوية من السجون لتحاول لملمة شعث الصحوة، فوجدت أن المسافة بين الممكن والمطلوب واسعة، ليحدث ذلك منعطفا جديدا في الخطاب الديني، ويبث في مفاصل ما يمكن أن نطلق عليه إصلاحا، روحا جديدة لها أبعادها وآثارها وعمقها الواضح في الثقافة السعودية، استبطنت التسامح، وقبول الآخر ومحاولة التجديد الفروعي والأصولي.

جاءت «أحداث سبتمبر الأميركية» 2001 بعد ذلك، وقلبت العالم رأسا على عقب، وتأثرت السعودية بشكل مباشر، وأضحت الحرب الأميركية على الإرهاب من أبرز ملامح العقد الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، وأثرت بشكل مباشر وكبير على الوضع السياسي والأمني في السعودية، وتاليا أثرت على الوضع الاجتماعي

والثقافي والاقتصادي في البلد بشكل مباشر ومقصود. كانت الصحوة، تحولا ومنعطفا مهما في مسألة الإصلاح الديني، وطرق مجال ديني مختلف عن السائد، وإن لم يكن عن قصد، فالصحوة سلمت ملف الإصلاح الديني -مع التحفظ- إلى فئة خرجت من عباءتها، حيث أسهمت مجموعة من الأحداث في إنضاج عملية التحول.

هذا التحول حمله بكل نشاط وقوة تيار التنوير، الذي ينطلق في مجمله من منطلقات إسلامية وسلفية تحديدا، وكان لاحتكاك الصحوة مع السياسي، ثم وفاة الرموز الكبرى في الصف المشيخي السعودي: كالشيخين ابن باز، وابن عثيمين، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والحرب على الإرهاب، عوامل حاسمة سهلت مهمة من يطلق عليهم بـ«التنويريين» في التقدم، وإحراز مواقع ريادية في الثقافة السعودية، حيث استطاعت التأثير بجدارة في العقل الديني السعودي.

* خلاصة من بحث: خالد بن سليمان العضاض “الإصلاح الديني في السعودية الظروف والموجبات”، ضمن الكتاب 116 (أغسطس 2016) “الفرص والتحديات في دول الخليج العربي2” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13