الإصلاح الديني مرهون بالتغيير السياسي ومربوط بالنسيج الاجتماعي

العالم العربي عرف في مطلع القرن الماضي حركات إصلاحية تسعى إلى مواكبة العصر عبر تحديث مفهوم الدين، لكنها لم تستطع الاستمرار، بل حلّت محلها حالة من الركود والتطرف بسبب تراجع مشاريع النهضة التي لم تجد نخبا ثقافية وسياسية تتبناها، كما أنّ الذهنية الاجتماعية السائدة، ميالة بطبيعتها إلى المحافظة، وهو ما جعل الطبقة الحاكمة تستثمرها في تقوية نفوذها، وظل مبدأ فصل الدين عن الدولة مشروعا صعب التحقيق وبعيد المنال.
الاثنين 2016/12/12
الإسلام الشعبي محافظ لكنه يقبل بالحداثة والتطوير

تعلو الأصواتُ، اللِّيبرالية منها والإسلامية، المطالِبة بضرورة الإصلاح الديني، باعتبار أن الإسلامَ دين سلام، ويقبل بالقيم الحداثية المتعلقة بالديمقراطية والدولة المدنية، وهي في مقابل أصوات متطرفة تقول إن الإسلام دينٌ يشرّع في نصوصه الإرهاب.

وهذا الجدال تصاعد نتيجة توسع العنف الجهادي في أبشع إصداراته المتمثلة في الصور والفيديوهات التي ينتجها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتي فاقت في بشاعتها كلّ ما صدر عن تنظيم القاعدة في أفغانستان والعراق وغيرها. وفي مقابل هذا العنف الجهادي الإسلامي تتزايد ظاهرة الإسلاموفوبيا، خاصة في الغرب الأوروبي والأميركي، وتتصاعد العنصرية ضد المسلمين والعرب.

يشمل شكل الإسلام الحالي مكونات عديدة هي تراكم لطبقات أيديولوجية وتاريخية، يمكن وصفها بمحاولات إصلاح تمّ الخوض فيها مع المتغيرات السياسية والاجتماعية المتعاقبة التي مرت بها المنطقة طيلة التاريخ الإسلامي وحتى عصر الحداثة. في الواقع هي ليست إصلاحات فحسب، بل صراعات أيديولوجية أثرت في أشكال الإسلام الحالي؛ فدوماً وُجد من رفض تلك الإصلاحات، كابن تيمية في القرن الرابع عشر، الذي رفض الإصلاحات التي قامت بها مجموعة من العلماء والقضاة المرتبطين بالنخب العسكرية والحكام أيام حكم المماليك لسوريا ومصر. ورغم الرفض الشعبي للإصلاحات، وتعاطفه مع ابن تيمية حينها، إلا أنه كان لتلك الإصلاحات -المفروضة من فوق- أثر كبير على شكل التعاطي الشعبي مع الإسلام في كل من سوريا ومصر، في حين أن بعض دول الخليج استساغت شرائع ابن تيمية واعتمدت عليها في قوانينها وعقيدتها.

وكان لانتقال الدولة العثمانية إلى الحداثة والعلمنة الجزئية أثر كبير في وجود منظّرين إسلاميين بارزين ومحاولات عربية نحو الإصلاح الديني. وبالمثل كان للنهضة العربية ولتصاعد المدّ القومي العربي أثر كبير، إذ فرض على مؤسسة الأزهر في مصر القيام بإصلاحات مهمة تتوافق مع المتغير الجديد؛ ومن أبرز الإصلاحيين الإسلاميين حينها جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده مفتي مصر حتى مطلع القرن العشرين، الذي حاول إصلاح الأزهر بما يتواءم مع العلمنة الجزئية للدولة، وجعل الإسلام عقيدة وثيقة الصلة بالدولة الحديثة والثقافة والتعليم، لكن لم يتم له ذلك حقاً، إذ احتاج إلى دولة مصرية قوية لدعمه، فخلق مناخاً من الصراعات الفكرية والثقافية والسياسية.

في نفس الإطار يمكن أخذ الإصلاح البروتستانتي ضمن الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا خلال القرن السادس عشر مع انتصار الثورة الصناعية على القيم الإقطاعية وسلطة الكنيسة المرتبطة بها، فكانت تعاليم المصلحين آرثر وكالفن ثورية ضد أبوية الكنيسة، حيث تقول بالعودة إلى الكلمة، أي الإنجيل، والعلاقة المباشرة مع الرب الذي يمنح الخلاص، دون الحاجة إلى وساطة آباء الكنيسة. وهذا يتوافق مع التأسيس لدور العقل والفرد والتساوي والمواطنة في الدساتير "البرجوزاية".

المزاج الشعبي يميل إلى التمسك بالعادات والتقاليد، لذلك فهو غالبا ما وقف مع الحفاظ على السلطة الأبوية

تحقق الإصلاح الديني في عصر النهضة العربية بسبب الضرورة والحاجة إلى مواكبة المتغير السياسي المتّجه غالباً نحو بعض الحداثة، لكنه كان يترافق مع حرص المصلحين على القيم الإسلامية في مواجهة العلمنة الكاملة، وأن الإسلام يتضمن الشورى، وأن الخلافة كانت حكماً دنيوياً مدنياً؛ أي أن ذلك الرضوخ كان يتم من أجل مواجهة الوجه الآخر للحداثة المتعلق بالحريات الفردية، وحقوق النساء والأطفال، فهي تقبل بالحداثة من زاوية الاحتفاظ بسلطتها الأبوية على المجتمع.

ويبدو أن التيارات القومية واليسارية حين نشوئها ثم سيطرتها، لم تدخل في صدام مع المجتمعات المحلية حول هذه القيم، واكتفت بالقول بتحقيق بعض العدالة الاجتماعية للمفقرين، وكسب تأييدهم، خاصة كمقاتلين حرّاساً للنظام الجديد. وبالتالي لم تعترض النظم العربية البازغة حينها، ولا لاحقا، مع تحولاتها الليبرالية إلى مافيات عائلية، على تمسك المحافظين الدينيين بالسلطة الأبوية على المجتمع، بل سعت إلى التحالف معهم.

إن إشكالية بلادنا هي غياب اقتصاد صناعي قادر على إنتاج علاقات اجتماعية جديدة، تستدعي دوراً أكبر للفرد وللعقل، وهذا ما فرض على الفئات الحاكمة التوافق مع الدين، وسهّل على رجال الدين معركة السيطرة على العقل الشعبي. فالمزاج الشعبي يميل إلى المحافظة والتمسك بالعادات والتقاليد، لذلك فهو غالباً ما وقف مع الحفاظ على السلطة الأبوية، ولم يستسِغ الإصلاحات الجديدة بسهولة، لكنه قد يتقبلها لاحقاً.

إن فشل حكم المشاريع القومية واليسارية في العالم العربي، وانتهاءه بحكم عائلي مافيوي، يهدفان إلى توريث الحكم واستمرار النهب، وذلك في أغلب الجمهوريات العربية التي حكمتها أحزاب قومية ويسارية، كان سبباً رئيسياً لتصاعد الهويات الدينية والمذهبية، وبالتالي ظهرت أشكال عدة من الإسلام السياسي السني، فضلاً عن الجهادية الشيعية، ولكن هذه الأخيرة تتميز بتبعيتها لمشروع واحد تقوده الدولة الإيرانية.

يتصاعد الصراع السني الشيعي في العراق وسوريا واليمن، وبدعم من دول إقليمية، ورضى عالمي، ويتفاقم الذعر الأقلياتي من السلفية الإسلامية في العراق وسوريا، وتتمدد الجهادية إلى دول أوروبا وأميركا، كل ذلك خلق مطلباً حول ضرورة الإصلاح الإسلامي الديني. ويظل السؤال أين الطبقة البرجوازية العربية القادرة على النهوض بالثورة الصناعية وبدعم المصلحين؟ هذا ما أخفقت فيه منذ عصر النهضة.

يعتقد البعض أن مشكلة الإصلاح الإسلامي السني تكمن في عدم وجود مؤسسة إسلامية تعبّر عنه ليتم إصلاحها، وأن الإصلاح المسيحي تحقق بسبب وجود كنيسة، في حين أن حكم ولاية الفقيه في إيران تمكّن من لمّ شمل الشيعة حوله باسم الإمامة المنتظرة. ويمكن ملاحظة أن النقاشات الجادة حول العلمنة والأسلمة تكاد تغيب، بسبب سيطرة الوضع غير المستقر والحروب في أغلب الدول المعنية بهذه النقاشات، والعودة إلى هذه النقاشات والأبحاث، بل والصراعات السياسية والأيديولوجية مرهونة ببعض الاستقرار السياسي وبطبقة صاعدة وصاحبة مشروع نهضوي.

بالتأكيد أزمة الدين بشكله الحالي، هي بسبب أن كل سلاسل الإصلاحات التي مرّت بها عبر تاريخ منطقتنا لم تستطع فصل الدين عن السياسة كلياً، بل إن السياسة وظفت النزعة المحافظة في الدين لصالح ديمومتها. وعدم الاستقرار السياسي والحروب الأهلية والتدخلات الإقليمية والدولية، كلها تؤجج النزعات المحافظة والطائفية والأصولية في الدين.

13