الإصلاح الديني: معركة دول جنوب شرق آسيا من أجل إسلام إنساني

موجة التحرر من الإسلام الوافد نشطت على أكثر من جبهة بعد الخيبات التي أصيبت بها التيارات الإسلامية المحلية جراء التبعية لنموذج إسلام الصحراء الذي لم يحقق نماذج إيجابية.
الأربعاء 2018/11/14
مهمة طموحة لإعادة تقديم الخطاب الإسلامي

تتطلع المجتمعات المسلمة إلى تحسين صورتها الملطخة بالأفكار الظلامية للمتشددين، ما دفع البعض منها إلى اعتماد نهج جديد يقوم على الإصلاح لإرساء إسلام إنساني أساسه قيم وتقاليد المجتمعات المحلية. وبدأت بلدان جنوب شرق آسيا في القطع مع نموذج السلفية من خلال إنشاء مدارس دينية تدعم الإسلام المحلي، ويرى الخبراء أن دول الشرق الأوسط يمكنها اتباع هذا النهج الجديد للتخلص من تداعيات الفكر السلفي والتعليم الديني التقليدي والنفوذ المالي للجماعات الإسلامية.

لا يبدو أن الإسلام الشرق أوسطي سيكون قادرا على إنقاذ نفسه من بوابة جديدة تتجاوز صورة التشدّد التي انطبعت من حوله، وربما يتم إنقاذه من بوابة دول جنوب شرق آسيا التي بدأت تتخلى عن موروث إسلام الصحراء الوافد منذ ستينات القرن الماضي، والذي تسبب لها بمآس كثيرة، وتبحث لها عن إسلام محلي يتمركز حول الفرد ولا ينشد تغيير العالم.

وتقول تقارير مختلفة إن دولا مثل إندونيسيا وماليزيا تجاهد لبناء مدارس دينية تدعم الإسلام المحلي الذي انطلق من البداية كإجابات عن أسئلة الفرد وتعلق به الناس لكونه يحقق لهم السكينة الروحية في محيط ديني متنوع لكنه يلتقي عند نقطة واحدة، وهي مخاطبة الروح.

لم يكن مسلمو جنوب شرق آسيا، رغم أن عددهم يقدر بعشرات الملايين، يفكرون في السيطرة على محيطهم وإجبار الهندوس أو البوذيين أو بقية الناس الذين يعبدون كيانات وأشكالا متعددة على اتباع دينهم وبناء دولة إسلامية تبسط سيطرتها على محيطها الجغرافي.

كان همهم الرئيسي أن يحصلوا على اعتراف الآخرين بهم كهوية ثقافية يتداخل فيها الديني بالثقافي المحلي، ولذلك كان الإسلام في انطلاقاته الأولى بهذه المناطق أقرب إلى تصوّف عرفاني متأثر بالثقافة والتعبد الهنديين. وقد عرف المسلمون بكونهم الأكثر اعتدالا وتسامحا والأقرب للاندماج في محيطهم.

ووصل الإسلام إلى تلك المناطق عن طريق التجار والرحالة من العلماء (علماء متعددي التكوين، ولا فقهاء متشددين) ولم يصل عن طريق الفتوحات إلى أن انفتح هؤلاء المسلمون على النماذج الإسلامية المتشددة الوافدة من الشرق الأوسط. هذه النماذج تمثلها السلفية في السعودية التي تسللت إلى المنطقة من بوابة منظومة الدعوة التي كانت المملكة تروج لها في السابق.

ويضاف إلى ذلك فكر الأزهر الذي نشط هناك في تنافس خفي مع السلفية مرتبط بالتنافس السياسي بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر وملوك السعودية في سياق الحرب الباردة والصراع بين القومية العربية والإسلام في تلك الفترة، ثم فكر الإخوان المسلمين الذي كان يهدف بالأساس إلى تسييس الدين وتحويل المنطقة إلى فناء خلفي له يلجأ إليها في أزماته ويستثمر فيها أموال التنظيم الدولي.

موجة تتزامن مع التغيير في السعودية والقطع مع فترة الصحوة والمدارس السلفية
موجة تتزامن مع التغيير في السعودية والقطع مع فترة الصحوة والمدارس السلفية

وتشير التقارير إلى أن موجة التحرر من الإسلام الوافد نشطت على أكثر من جبهة بعد الخيبات التي أصيبت بها التيارات الإسلامية المحلية جراء التبعية لنموذج إسلام الصحراء الذي لم يحقق نماذج إيجابية في محيطه الجغرافي. وعلى العكس فلقد تم استثمار هذا الإسلام بشكل واسع لإثارة الفوضى والحروب والانقسام الطائفي والديني، وتراجع بسببه التسامح بين الأديان والطوائف.

وابتليت المنطقة الآسيوية بالتيارات الإسلامية المتشددة التي استنسخت تجارب القاعدة وداعش مثل الجماعة الإسلامية في إندونيسيا التي كانت وراء تفجيرات بالي ذات النتائج الكارثية على المسلمين. وخلفت تلك التفجيرات عشرات القتلى ودفعت الدول والمجموعات الدينية والعرقية إلى اعتبار المسلمين كأعداء مفترضين وحولت الإسلام في نظر ملايين السكان إلى خزان للإرهاب والقتل بعد أن كان أملا في التغيير والتصالح بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي.

استعادة الهوية المحلية

وتقول التقارير المحلية إن العمليات الانتحارية والتفجيرات التي نفذها إسلاميون في إندونيسيا والفلبين، وما تبعها من حملات شيطنة للإسلام والمسلمين المحليين، دفعت الحركات الإسلامية ذات الهوية المحلية مثل “نهضة العلماء” و“الجمعية المحمدية” في إندونيسيا، وكلتاهما حركة ليبرالية بهوية إسلامية عامة ولا تطالب بتطبيق الشريعة، وتقيم علاقات متينة مع محيطها الديني والعرقي المختلف، إلى المثابرة من أجل إحياء الهوية الإندونيسية للإسلام، والتخلص من ميراث الإسلام المتشدد.

ويشير باحثون في تاريخ الحركات الإسلامية إلى أن “نهضة العلماء” والحركات الشبيهة لها تأسست في فترة مقاومة الاستعمار مع بداية القرن الماضي. ويقول هؤلاء إن الإسلام كان عنصرا مغذيا لجهود التحرير والمقاومة، ولم تكن تلك الحركات تدعو إلى الانفصال أو بناء دولة إسلامية أو خلافة أو ما شابه ذلك، وهي تشبه إلى حد كبير حركات التحرر الوطني في مصر وشمال أفريقيا، حيث وظفت المعطى الديني لتجميع الناس حول مهمة التحرر من الاستعمار.

ويقول هؤلاء إن هذه الحركات تراجعت إلى الوراء وتركت الباب مفتوحا للتشدد القادم من الشرق الأوسط لاعتبارات كثيرة بينها العنف الذي مارسته السلطات في فترتي سوكارنو وسوهارتو على الإسلاميين المعتدلين. لكن الأحزاب المغالية في التطرف، والتي تدعو إلى تطبيق الشريعة سرعان ما تراجعت شعبيتها بعد انقضاء الحكم الدكتاتوري وبداية التجربة الديمقراطية، وهو ما كشفت عنه نتائج انتخابات 2009، وما بعدها.

ويقول فرانتس ماغنيس سوسينو، عالم اللاهوت الذي أقام في إندونيسيا لسنوات طويلة، إن المجموعات المتطرفة محدودة التأثير السياسي، إذ فشلت محاولاتها عام 2001 لفرض الشريعة على المسلمين وتضمينها في الدستور، وذلك برفض مجلس الشعب الاستشاري الإندونيسي (البرلمان) وبأغلبية 81 بالمئة من الأصوات لهذا الأمر. ويضيف سوسينو أن تلك الحادثة وغيرها تكشف أن التيار العريض لما يقارب 220 مليون إندونيسي يقف بالمرصاد ضد التطرف.

ولا تقف معركة كسر العظم مع التيارات المتشددة عند إندونيسيا، بل تمتد إلى ماليزيا وباكستان، جنوب آسيا، التي تحدت في الأيام الأخيرة لجوء التيارات الناشئة تحت ضغط مفهوم الحاكمية عند أبوالأعلى المودودي، وهو المفهوم الذي يقف وراء ثقافة التشدد التي تعتبر الآخر كافرا وجب قتله، مثلما حدث في قضية المسيحية آسيا بيبي التي حكم عليها بالإعدام بتهمة التجديف في عام 2010، وبرأها القضاء الباكستاني.

التحرر من قبضة المتشددين
التحرر من قبضة المتشددين

وربما تكون إندونيسيا وماليزيا الأكثر وضوحا في ملامسة التجديد الديني، لكن باكستان تشهد بدورها استدارة لافتة بمواجهة الإسلام المتشدد الذي أربك علاقاتها الإقليمية والدولية، وكشف أن التراخي والتسليم بالأمر الواقع لا يزيدان هذه الحركات سوى قوة ورغبة في السيطرة على كل شيء.

وكان من الواضح أن الوقفة القوية بمواجهة مطالب حزب “تحريك لبيك” المتطرف الذي يحاول فرض قوانينه في باكستان، لم تكن حادثا ظرفيا، بل جزءا من استراتيجية جديدة لتخفيف قبضة المتشددين على حياة الباكستانيين. وقد لا يكون للخطوات الإصلاحية التي اتبعتها إسلام أباد للحد من مظاهر التطرف في البلاد تأثير حيني، لأن التشدد ضرب الجذور العميقة في المجتمع وكذلك الدولة وسيستغرق الأمر سنوات لاجتثاث ذلك، لكن قطع الطريق مهم جدا إذا كانت باكستان تسعى فعلا لوقف ارتهان قرارها السياسي والديني لأولئك المتشددين.

ويقول الكاتب وائل مرزا، في موقع “السوري الجديد”، إن حياة المسلمين الماليزيين لا تتمحور إلى حدّ الهوس حول التفكير بالمُحرَّمات، ولا يجعلون هذا التفكير المدخل الأساسي لعلاقتهم بالإسلام، ولا مقياسا لتديُّنهم. ويلفت مرزا إلى أنه لا تنشغل عقولهم وكتبهم ونشاطاتهم الثقافية والاجتماعية بالوهم الذي يوحي بأن فعاليات الحياة البشرية المختلفة إنما هي مصائدُ شيطانيةُ كبرى، لا يمكن للإنسان أن يتعايش معها إلا بوجود أقصى مشاعر التوجُّس والحذر والشك والخوف والريبة، في النفس وفي الآخرين.

وأعلنت حركة “نهضة العلماء”، التي تضم ملايين الأعضاء وتعتبر أكبر حركة سنية في العالم، أنها تعزم الآن العمل على إصلاح ما لحق بالإسلام من تشدد وكليانية وتسييس من خلال تقديم تفسير إنساني لمقاصده.

ورفعت الحركة الإندونيسية، التي تدير المدارس والمعاهد الدينية عبر الأرخبيل، المهمة الطموحة لإعادة تقديم مفهوم الاجتهاد أو الخطاب الإسلامي لتعزز من نفوذها السياسي مع زعيمها الروحي، معروف أمين، المرشح لأن يصبح نائب الرئيس الحالي، جوكو ويدودو، في الانتخابات المقرر إجراؤها في أبريل المقبل.

وفي وثيقة مكونة من 40 صفحة، تمت كتابتها من وجهة نظر الشريعة والفقه الإسلامي، والتي من المقرر نشرها في الأيام المقبلة، يشرح جناح حركة “نهضة العلماء” الشبابي القوي، جيراكانبيمودا أنصور، إطارا لما يراه، كتفسير إنساني للإسلام، على أنه متسامح وتعددي في طبيعته.

وتم تصميم المبادرة لمواجهة ما يعتبره الكثيرون في حركة “نهضة العلماء”، التي تأسست عام 1926، بمثابة التحدي الأول للإسلام، وهو صعود الإسلام المتطرف. وتطلق الحركة لفظ “متطرف” ليس فقط على المتشددين والجهاديين ولكن على أي تعبير يخص الإسلام السياسي وتؤكد دائما على أنها تناضل ضد تسليح الدين.

ويعتقد خبراء في الإسلام السياسي أن صياغة “إسلام إنساني” يبدو شعارا أقرب منه إلى واقع عملي وإمكانات بحثية وفقهية لدى هذه الحركة من أجل جسر الهوة بين الإسلام والحياة في منطقة بشرية كبرى، مشيرين إلى أن الأمر في غاية الصعوبة، لكن وجود الرغبة يمثل خطوة ضرورية لأي مشروع نوعي.

غياب المراجع

يقول الخبراء إن “نهضة العلماء” ستبدأ اجتهاداتها من أفكار محدودة وشعارات فرضها الواقع المحلي، لكنها لن تجد أي نموذج إصلاحي يمكن أن تستلهم منه خطواتها الأولى. صحيح أنها تتزامن مع التغيير في السعودية والقطع مع فترة الصحوة في سياق موجة الإصلاح الواسعة التي يرفعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لكن الإصلاحات ما تزال قناعات شخصية لم تتنزل بعد في أرض الواقع في ضوء سيطرة تامة للفكر المتشدد في مختلف المنابر، وخاصة في الجامعات التي يفترض أن تنهض بمهمة الإصلاح والتطوير، وهو ما يجعل استجابته لدعوة الإصلاح أمرا محدودا جدا.

وتحتاج السعودية الجديدة إلى الكثير من الوقت لتبديد الصورة التي أرستها مجاميع الصحوة والبعثات الدعوية في الخارج، وهو ما يجعل استلهام نواياها صعبا.

لكن الخبير الأميركي في السياسات الدولية جيمس دورسي يقول إن السعودية ستوقف تمويلها العالمي للمنشآت الثقافية والدينية والتعليمية المحافظة كجزء من مجهود الأمير محمد بن سلمان لإعادة بلاده لتكون منارة الإسلام المعتدل وتحسين صورتها.

هذا التوجه، سيقطع، وفق الخبراء، الطريق أمام التبريرات و القراءات التي كانت تلقي بكل ما له علاقة بالتطرف في سلة التمويل السعودي، ما يعني أن مختلف الدول، الراعية للإرهاب، أو التي استفادت منه، وتضررت منه، كباكستان وغيرها، مطالبة بإصلاح حالها أيضا، ولا مجال لتحميل الرياض أخطاء حكومات وسياسات أدت إلى انتشار التطرف.

ويوضح دورسي ذلك مشيرا إلى أن الاتجاه المتشدد ترسخ في قطاعات كبرى في باكستان. وهذا الترسخ هو نتيجة للعب الحكومات المتعاقبة بالدين لتحقيق مكاسب سياسية، كما أن تصوير طبيعة التطرف في باكستان على أنه ديني، ليس صحيحا دائما، ففي كراتشي وبلوشستان يكون المتطرفون مدفوعين في الغالب بالعنصرية العرقية.

معركة التعليم

مدارس دينية تدعم الإسلام "المحلي" وتقلص هيمنة المؤسسات المرتهنة لتعليم الأزهر
مدارس دينية تدعم الإسلام "المحلي" وتقلص هيمنة المؤسسات المرتهنة لتعليم الأزهر

من الصعب أن تلجأ هذه الدول إلى الأزهر لدعم استراتيجيتها في تثوير الإسلام لاعتبارات أهمها أن الأزهر نفسه يحتاج إلى رؤية إصلاحية تحرره من سيطرة مجاميع متشددة، تتخفى به لتنفيذ أجنداتها أو لمنع صدامها مع الدولة. 

كما أن ما يظهره من “إصلاح” لا يعدو أن يكون إجراءات شكلية لمواءمة رغبة السلطة في توظيف منزلتها الرمزية في معركتها السياسية مع التيارات الإسلامية التي تصفها بالمتشددة مثل الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والسلفيين.

 يقول الخبراء إن خطة التطوير التي تعتمدها “نهضة العلماء” بشأن تجديد الدين ستكون بلا معنى إذا توقفت الجهود عند حدود الدراسات أو أفكار العلماء، وإن ضمانة نجاحها هي تحويلها إلى مشروع مجتمعي عن طريق التعليم بمستوياته المتعددة.

وأشاروا إلى أن الحركات الإسلامية المتطرفة إلى الآن هي الأكثر قدرة وحيوية على التواصل مع الناس واستقطاب الشباب، وإن تعديل برامج الدين التي تدرس لهؤلاء الشباب سيكسبهم وقاية من التشدد.

وحث المؤتمر الدولي للجامعات الإسلامية وتعزيز الفكر الوسطي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع الجامعة الأزهرية في جاكرتا، على “أهمية التعليم في بناء العقائد والأفكار والمفاهيم الصحيحة لدى الأجيال المسلمة، وضرورة تضافر الجهود بين الجامعات الإسلامية لإيصال الرسالة التعليمية لطلابها خالية من الأفكار والقيم المنحرفة”.

وقال المؤتمر الدولي في بيانه الختامي إن “الجامعات هي الحاضن العلمي والفكري المؤثر في بناء حضارة الأمم والمجتمعات ونهضتها وتنميتها، ويناط بها إصلاح المعارف الدينية وتجديدها، وإيجاد الحلول الفقهية في النوازل العصرية، وحفظ الهوية الإسلامية وتعزيزها، ونشر القيم والأخلاق الحميدة”.

ويمكن لتعليم غير مخترق من المتشددين أن يساعد الحركات الإسلامية ذات الهوية الوطنية المحلية على توسيع دائرة المؤمنين بأفكارها مثل التعايش بين الأديان، ورفض العنف كوسيلة لتغيير الأفكار والقناعات، وتحويل القيم والتقاليد الأصلية إلى عناصر إغناء وتطوير على شاكلة الثورة الثقافية في الصين التي قادها ماوتسيتونغ والتي نجحت في تحويل الخصوصيات المحلية إلى عامل داعم للتغيير.

13