الإصلاح والتقمص الوجداني في مذكرات "سبع عجاف"

الاثنين 2014/02/24

هناك صفة أساسيّة يجب أن يتّصف بها المُشرع وفق الرئيس الأميركي أوباما- في مذكراته- وهي القدرة على التقمّص الوجداني. فمن غير الممكن أن يعيش المشرع أدقّ التفاصيل الحياتية التي يمكن أن يشملها مشروع القانون المقترح، ولا يكفي أن يكون ذلك المشرع من فقهاء القانون حتّى يكون قادراً على تقدير أثر القانون على أحوال الناس، ثم أنّ الخبرة القانونية لا دور لها سوى في مرحلة صياغة العبارة القانونية، أما الأساس فلا يكون إلا بالتصور الشمولي وبالقرب الوجداني من أحوال الناس. إن الوضع المثالي هو أن يكون المشرع الذي يريد أن يسنّ قوانين تهمّ إصلاح قطاع الصحّة قد عانى من مشاكل الإسعاف ونقص الدواء، وأن يكون المشرع الذي يبتغي اقتراح مشاريع قوانين لإصلاح السجون قد خاض تجربة السجن بتفاصيلها من فترة الاعتقال الاحتياطي إلى الاستنطاق والنطق بالحكم وصولا إلى يوميات الزنزانة. لكن، ولأن هذا الوضع المثالي غير ممكن، سيحتاج المشرع إلى نوع من التقمص الوجداني، أي عليه أن يضع نفسه مكان الفئات التي قد تتأثر بالقانون الجديد. ولاشك في أنّ تنمية القدرة على التقمص الوجداني تتأتى من خلال شيء واحد، القراءة: قراءة الأدب والشعر والفلسفة والرواية والمسرح وأي شيء. والسؤال، كم عدد المشرعين في البلاد العربية الذين يقرؤون كتابا واحدا في السنة؟ في تجربة مشهورة، سبق للبرلمان البرازيلي أن قام بإصلاح نظام مستشفيات الأمراض النفسية بناء على رواية للكاتب البرازيلي باولو كويلو.

أذكر هذا الكلام على هامش قراءتي لرواية “سبع عجاف” للكاتب السعودي سعد آل سالم، الصادرة هذا العام عن مؤسسة الرحاب الحديثة (بيروت). هي شيء يشبه المذكرات، يشبه الرواية، يشبه السردية، وهي شيء آخر مختلف. ولنقل إنّها رؤيا برواية أخرى. فالبطل يحمل نفس الاسم النبوئي، يوسف، غير أن يوسف السجين، أو السجين السابق على وجه التحديد، لم يكن مجرّد مفسر لأسرار رؤى المساجين، بل هو صاحب الرؤيا، الحامل لرؤية تبدأ بسبع عجاف دون أن تعقبها دورة آخرى، وأما البحث عن تأويل للرؤيا فقد قاده هذه المرّة إلى المكان الصحيح، عيادة الطبيب النفساني.

يوسف لم يسرد الرّؤيا على مسامع طبيبه بنحو مباشر، بل عبر التسجيل الصوتي على جهاز الكومبيوتر، بحيث سينجح الرّاوي في إقناع كل من يوسف والطبيب لأجل الحصول على التسجيل الصوتي وتفريغه على الأوراق. وهكذا كان. هي ثلاث شخصيات للحكاية الإطار: الرّاوي، والطبيب النفساني الدكتور مازن، والسجين السابق يوسف. هكذا هو الزمن السردي على طريقة ألف ليلة وليلة: حكاية إطار تتخللها حكايات فرعية، ويكون الراوي شخصية محورية في الحكاية. لكن من هو الراوي؟

ابن نجران، أرض النخيل، وجذور التاريخ، الكاتب والإعلامي السعودي سعد آل سالم، كان بارعاً في تفريغ السردية التي ستحمل اسم “سبع عجاف”. اختار سعد آل سالم أن يكون وسيطاً في عملية معقدة، وكثيرا ما اختلط فيها الراوي بالرّائي، كثيرا ما اختلطت الرؤيا بالرواية، إلى حد التماهي. لنقل إنها اسم على مسمى، سنوات “سبع عجاف” في سجن عربي يذكرنا بسجـون عصر المماليك. هذه المرّة خسر يوسف في سجنه كل شيء، الدراسة والحب والصحة، حتى الصحة النفسية، وهذا ما جعله يطرق باب الطبيب النفساني، لكنه خلاف يوسف النبي لم يخسر حياة البلاط، لذلك كان يوسف هذه المرّة قادرا على أن يحمل الحلم بدل أن يكتفي بدور المؤوّل. سبع عجاف أكبر من مجرّد مذكرات للذكرى، إنها بيان من أجل إصلاح نظام السّجون في مجتمعاتنا، على أمل أن ينتقل السجن من حفرة للتّعذيب المستمر على نمط العصر الوسيط، إلى مؤسسة حديثة “للعقاب” المنحصر في حدود سلب الحرية دون سلب كرامة الإنسان. سبع عجاف، امتحان في التقمّص الوجداني واجهه الرّاوي بعد اطلاعه على تسجيلات يوسف السّجين السّابق في عيادة الدكتور مازن. وقد بلغ به التقمص الوجداني حدّ التماهي لدرجة أن الرّاوي توارى خلف الرّائي، بل تماهى مع شخصيات الرّؤى جميعها: يوسف نفسه، والشيخ أبو حاتم، وعامر ووالده، وماجد وأخوه، إلخ. وقد كانت اللحظة الدراماتيكية القصوى التي عاشها يوسف هي لحظة سماعه نطق الحكم عليه بسبع سنوات وثلاث مئة جلدة لكنه ابتهج فرحا، ما أثار استغراب أحدهم، ليجيبه قائلا: “فرحتنا بسبب انجلاء أكبر هم من على صدورنا، والذي كان الأصعب في السجن، وهو معرفة مصيرنا”. نعم، صدق من قال: “وقوع المصيبة أرحم من توقعها”. السردية تمرين لفقهاء التشريع لعلهم يتمرنون على التقمص الوجداني للحياة داخل السجون العربية قبل فوات الأوان. والحال أننا نرى بأم أعيننا “أهوال” خريجي السجون العربية، والتي هي مجرد أمكنة لتدمير الإنسان وتحطيم كرامته. آه، كيف تتوقعون أن يكون خريجو سجون لا يتردد فيها الجلاد أن يصرخ في وجه ضحيته المكبلة في اليدين والقدمين: “سأنتهك عرضك الآن”. هذا ما قيل ليوسف بعد حصة طويلة من التعذيب الجسدي.

أليست غالبيـة الإرهابيين قد تخرجت من سجون نجحت في تحطيم غرائز الحياة عند الإنسان؟ من حسن الحظ أن يوسف إنسان مثقف، وقد عرف أي الأبواب يقصد لأجل الشفاء من أثر سبع سنوات من التعذيب النفسي والجسدي، فقد قصد عيادة الطبيب النفساني. لكن، ليس جميع الناس مثقفين. المهم أن نقرأ أولاً، وأن نقرأ ثانيا.. وأن نقرأ سابعاً. وعسى “سبع عجاف” تتلوها سبع سمان في يوم عند الله قريب.


كاتب مغربي

9