الإطاحة بالبشير خطوة أولى والسودانيون معتصمون

يُستدل من مزاج الشارع السوداني الآن، أن أي دور للقادة العسكريين مرفوض تماما، باستثناء حفظ النظام والسلم الأهلي، لحين انبثاق حكومة مدنية وقيادة جديدة للبلاد ينتخبها الشعب دون إكراه.
السبت 2019/04/13
ماذا عن مطلب محاسبة رموز النظام، من يحاكم من؟

بعد إعلان الجيش الإطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير، ارتسم التشابه في بعض السمات العامة، بين الحراك الشعبي الجزائري وحراك السودان. لعل أهم هذه السمات، أن العبارات التي وصفت سيرورة عزل رئيس لم يعد الشعب يطيق بقاءه؛ استحثت التأكيد من قبل الحراكيْن الجزائري والسوداني على المطالب الأساسية، على اعتبار أن النظام لا يقتصر على شكل رئيس الجمهورية وإنما يشكل كل مرتكزاته وعصبيته.

ففي الحدثين، الجزائري والسوداني، رفض المطالبون بإسقاط النظام منطق الإعلان عن تنحي رئيس الجمهورية، لأن التنحي معناه أن الرجل قرر بإرادته مغادرة موقع الرئاسة، بينما الذي حدث أن الرئيس لم يستطع البقاء وحدث خلعه، ولا علاقة للشعب بموضوع كرامته الشخصية، لأن سيادته لم يقم وزنا لكرامة الشعب وكرامة البلاد.

فما حدث هو أن آخرين من عصب النظام حاولوا إقناعه بتقبل الحقيقة الموضوعية، وبخاصة العصب الأمني والعسكري، تلافيا للأسوأ الذي سينعكس عليهم، وطلبا للخلاص الفردي لكل من هؤلاء الآخرين، أو لإبقاء الفرصة أمام كل منهم لكي يلعب دورا داخل منظومة الدولة، وهذا مرفوض بقدر ما كان رئيس الجمهورية للعشرات من السنين مرفوضا. بالتالي كان الأدق تعبيرا في بيانات الإطاحة، هو الحديث عن اقتلاع أو خلع الرئيس، توطئة لاقتلاع قواعد ارتكاز النظام ورفع عبئها عن الدولة وعن الشعب!

ما إن أطيح بالرئيس، في الجزائر ثم في السودان، حتى علت من جديد الأصوات المنادية بإطلاق عملية الإجهاز على منظومة الفساد والاستبداد، والتمكين للإرادة الشعبية.

ففي الحدث السوداني قيل الكثير في هذا السياق، ومن الأمثلة ما قاله القيادي في حزب “الأمة” صديق الصادق المهدي “إن الشعب السوداني سوف يواصل اعتصامه حتى تتحقق مطالبه التي أعلن عنها خلال الأيام الماضية.. فالإعلان عن اعتقال البشير والتحفظ عليه في مكان آمن غير كاف”، وأردف مشككا في مقاصد قادة الجيش قائلا “يجب أن نعرف مصير البشير، وأن يحدثنا وزير الدفاع السوداني بن عوف عن العدالة، وعن عودة حق السودانيين المتضررين.. فهذه الإفادة ناقصة جدا، لكن لا عجب في ذلك، فهي صادرة من وزير دفاع عيّنه الرئيس المعزول”.

في ساعات الترقب وازدياد زخم التحشد الشعبي في محيط وزارة الدفاع السودانية، كان لا بد من بيان ثان يتبعه فتح المجال للتسريبات التي تُطمئن الشعب الذي يريد أن يعرف من الذي أطاح بالبشير؟ من الذين سيحكمون السودان وكيف؟ وما ملامح المرحلة الانتقالية؟ هل يتراجع الجيش ليفتح المجال أمام المدنيين لممارسة عمل سياسي حقيقي، وتكرار تجربة المشير عبدالرحمن سوار الذهب واللواء حمادة عبدالعظيم حمادة في إبريل 1985؟ وماذا عن مطلب محاسبة رموز النظام، من يحاكم من؟

في هذا الإطار، أعلن “تجمع المهنيين السودانيين” وهو أحد اللاعبين الأساسيين في الحراك، عن مطالبته من سماهم “شرفاء الجيش” بالتصدي لمحاولة سرقة واختطاف الثورة الشعبية، ممن سماهم “سدنة النظام”. وهنا في الحقيقة تكمن احتمالات أخطر من ارتجاعات الزلازل، لأن تضحيات السودانيين لم تُبذل لكي يعود الشعب إلى نقطة الصفر!

وعندما أعلن وزير الدفاع عوض بن عوف عن خلع الرئيس البشير، وتعيين مجلس عسكري انتقالي يتولى زمام الأمر لمدة عامين، اعترض الحراك الشعبي على المدة الانتقالية، وعلا من جديد الهتاف “سلام عدالة حرية” ولم يغادر المتظاهرون مكان اعتصامهم أمام مقر قيادة الجيش، ما اضطر محمد حمدان، قائد قوة الدعم السريع، إلى إصدار بيان في فجر الخميس يدعو فيه قيادة تجمع المهنيين ورؤساء الأحزاب وقادة الشباب “إلى فتح باب الحوار والتفاوض، للوصول إلى حلول ترضي الشعب السوداني وتجنب البلاد الانزلاق إلى الفوضى”.

وكان بيان قائد هذه القوة يعكس وجود اختلافات في المنطق وربما في المقاصد، على مستوى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي أطاحت بالرئيس البشير.

وجاء إعلان حظر التجوال، ليدعم شكوك الشارع والقوى الاجتماعية في مآلات الإطاحة وفي ما بعدها. لذا تحدث محمد ناجي الأصم، أبرز ناشطي تجمع المهنيين السودانيين، مخاطبا حشدا ضخما أمام مقر وزارة الدفاع بعد دخول حظر التجول حيز التنفيذ قائلا بصوت عال “إن الثورة لم تنته بعد، ولم تبلغ أهدافها بعد، وسنقف بقوة لكي لا يقع الالتفاف على مطالب الجماهير، وتسكين الحراك بتغييرات شكلية. ففي أقل من أربعة أشهر قاوم السودانيون ثلاثين عاما من التهميش وتقسيم المجتمع، والشعب الآن ماض في سبيله ضد الظلم والعنصرية والاستبداد. وما حدث بخلع البشير هو محض خطوة أولى”!

السودانيون في هذا الخضم، عبروا عن رغبات يُستشف منها أنهم يطالبون أكثر من اختصار مدة الفترة الانتقالية التي يحكم فيها العسكريون، ويركزون على ضرورة أن تتشكل خلال الفترة الانتقالية حكومة انتقالية مدنية، لكي لا يؤثر الزمن ونوعية القوى المتنفذة، سلبا على أداء الدولة!

ومع كل هذه المحاذير، لم يجاف الناشطون السودانيون في تصريحاتهم، ضباط جيشهم وقادته الذين كان البشير هو الذي منحهم رتبهم وأدوارهم وواكب عملية ترقياتهم الانتقائية عبر ثلاثين عاما. فقد اعترف قادة الحراك للجيش بفضله في حماية المعتصمين من ميليشيات النظام في وقت سابق، وفي الانحياز مجددا لصالح ثورة السودانيين، وفي أحد البيانات الأخيرة للحراك، خاطب الناشطون ضباط الجيش قائلين “نثق في وقوفكم صفا واحدا مع الشعب من أجل الوطن، ومن أجل أن تعود القوات المسلحة المختطفة إلى وضعها الطبيعي والرائد، قوات الشعب المسلحة”.

ويُستدل من مزاج الشارع السوداني الآن، أن أي دور للقادة العسكريين مرفوض تماما، باستثناء حفظ النظام والسلم الأهلي، لحين انبثاق حكومة مدنية وقيادة جديدة للبلاد ينتخبها الشعب دون إكراه. في أكثر التغريدات على وسائل التواصل هدوءا يقال إن استمرار وزير الدفاع في واجهة النظام السياسي يعني أن ثورة الشعب لم تنته فصولها، وقد كتب المغردون “لا لأي حكم عسكري. نريد في السودان حكومة مدنية تبني البلاد من جديد وتُعيد للشعب الطيب هذا كرامته”.

وهذا أمر طبيعي بعد ثلاثين عاما من حكم رجل لم يخلع البزة العسكرية، وأوصل السودان إلى حال التفجر الاجتماعي. وجاءت أطرف التغريدات على “تويتر” واحتذاها عشرات الألوف تقول باللهجة السودانية الساخرة “البشير إلى السجن حبيسا. وبن عوف للقصر رئيسا. الحنك دا (هذا الكلام) ما بمشي فينا تاني. بن عوف لا يمثلني ولسة معتصمين”.

8