الإطار القيادي الفلسطيني المعطل

اجتماعات عباس باتت معلومة الفحوى. فالرجل يمارس لعبة التذاكي وهواية عرض العنفوان اللفظي الذي لا يلقى سوى السخرية والتضاحك من قبل نتنياهو ومن معه. ولم يعد رئيس الفلسطينيين قادراً على خداع حتى السذّج من شعبه.
السبت 2020/05/16
وماذا بعد

دعا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى اجتماع في مكتبه في رام الله، يوم السبت المقبل. وسرعان ما بادرت ثلاث قوى فلسطينية رئيسة إلى رفض هذه الدعوة باعتبارها أقل بكثير مما تتطلبه مخاطر اللحظة وما فيها من جموح إسرائيلي – أميركي لضم الأراضي المحتلة في العام 1967.

 في حالات العبث والهُزال، والتمادي في السياسات الخاطئة، يمكن أن يصبح الموقف السلبي عنصرا إيجابيا مساعدا على تصويب السياسات الرديئة. ذلك علماً بأن الطيف الفصائلي الفلسطيني كله، وبلا استثناء، أسهم في حال التردي السياسي والكياني، وفي إرهاق المجتمع الفلسطيني والتسبب في الكثير من شقاءاته!

الاجتماع الذي دعا إليه عباس لن يمثل علامة فارقة بين سياق عقيم وآخر إيجابي، لأن شكل وفحوى هكذا اجتماعات، تُعقد في مكتب الرئيس الفلسطيني، لا يُنتجان سوى المزيد من العجز والتفرد والعُقم. لذا فمن عين الصواب عدم التماشي مع دعوته إلى اجتماع من هذه الشاكلة، لأنه لا يجري في إطار بُنية مؤسسية، وليس له نظام داخلي مُلزم، ولا تصويت فيه، وليست محددة الأحقية في الحضور أو صفات الحاضرين، ولا يشهد مثل هذا الشكل من الاجتماعات أي نقاش جدي فيه الحد الأدنى من الحرية والموضوعية.

فإن كانت اجتماعات المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير، بكل أكلافها وضجيجها، وما اتخذته من قرارات، ظلت حبيسة في أدراج مكتب عباس، ليتأكد أنها مجرد جلسات لا قيمة لها، وأن قراراتها حبر على ورق، فما الذي سيكون حال اجتماع يجلس عباس على رأسه متقمصاً إهاب الديك، فيقاطع وقتما يريد، ويزجر من يريد، ويوبخ صاحب كل ذي رأي لا يعجبه، بينما المشهد كله يدور تحت قبضة الاحتلال، الذي سيتلقى بث الوقائع على الهواء مباشرة!

 كانت الفصائل التي تحضر هذا النمط الفارغ من الاجتماعات، ملومة على حضورها. على الأقل، لأنها تشارك في توفير الغطاء لعملية إقصاء السياسة عن المجتمع الفلسطيني، ومعاملة القوى السياسية باعتبارها راضخة ومهددة بقطع مخصصاتها، ولم يكن ممثلو الفصائل الوازنة في المجتمع يستطيعون الوصول إلى “المقاطعة” حيث مقر عباس في الأراضي المحتلة، ويكون الهدف من الاجتماع أصلاً ينحصر في إصدار بيان يفيد أن عباس جمع ممثلي الشعب الفلسطيني وأدى الواجب.

هذا الأسلوب هو أدنى بكثير من مستوى الأداء السياسي للجمعيات الفلسطينية الاجتماعية والثقافية في العام 1918عندما لم يكن لدى الفلسطينيين أي إطار سياسي ذي صفة تمثيلية. ويواجه الفلسطينيون اليوم قوة احتلال استجمعت كل متطرفيها لكي تنفذ عملية ضم الأراضي في الضفة، ومعها إدارة أميركية مفرغة من العقل ومن العلم بالتاريخ والسياسة، وتمثل كتلة من الشر والعنصرية والاستهتار بالعالم. لذا فإن الأجدر بالفلسطينيين أن يجمعوا أشتاتهم. لكن الذي يجري للأسف، أن عباس ومن يجتمعون معه ومن يعارضونه اختاروا أن يظل الشعب الفلسطيني بلا مؤسسات دستورية أو حتى مؤسسات وأطر تتشكل عشوائياً لكنها تنضبط لنظام عمل. بينما شعب فلسطين يرابط على أرضه، ويكابد الشقاء والعوز!

 النقطة الإيجابية وسط هذا الركام، أن الشعب الفلسطيني بالمعيار التاريخي، لم يفقد أوراقه المؤثرة، فضم الأراضي مع بقائه تحت الاحتلال، يعطيه العزم على إعادة المعادلة الطبيعية إلى وضعها المؤرق للاحتلال، إذ سيؤدي الضم موضوعياً إلى انهيار السلطة، ولكي تبقى إسرائيل طوال حياتها تنام على وسادة القلق الوجودي، لأن شعباً آخر، هو شعب البلاد الأصلي وصاحبها، لن يكف عن نشدان الحرية واستعادة الحق في الاستقلال والعدالة، لاسيما وأن هذا الحق، بكل تفصيلاته، منصوص عليه في القرارات الأممية، وأن قوة الاحتلال تمارس القتل والعدوان على مدار الساعة، وتُعيد إحياء نظام الفصل العنصري، وتحافظ على الاحتلال العسكري الوحيد التي تبقى في العالم.

 إن ما يشوش على هذه المعادلة هو وجود سلطة فلسطينية هكذا ممارساتها، وهكذا اجتماعاتها، وبلا بُنية نظامية وبلا دستور، يقودها فرد وهذا الفرد يتمسك بمنصبه حتى الرمق الأخير، ويختطف صلاحيات النظام السياسي ومؤسساته، ولا يزال على هذه الحال، عندما أعجزته شيخوخته عن التفكير وأصبح خاضعاً لتلقين الحلقة الضيقة!

السلطة الفلسطينية وجدت منذ سنوات أن مصلحتها تكمن في مساعدة الاحتلال على تكريس الرضوخ بذريعة الأمن وإحباط أي حراك شعبي أو مطلبي. وإسرائيل، من جانبها، تعتقد أن هذا يلائم مستقبلها ويساعد على تنفيذ خططها. ومثلما هم المتطرفون الذين يستندون إلى الأصوليات الغبية ولجهلهم بالتاريخ، ظن قادة اليمين الإسرائيلي أنهم أنهوا المشكلة ويحسمون الأمر تاريخياً!

لقد غزا الهولنديون جنوب أفريقيا في منتصف القرن السابع عشر، ثم جاء البريطانيون فطردوهم في العام 1806 وأسسوا جمهوريتهم العنصرية المقيتة على أرض الشعب الجنوب أفريقي وحكموه بالحديد والنار. وبدل من النظر اليوم إلى مآلات وخواتيم ذلك المشروع، فإن إدارة ترامب واليمين الإسرائيلي ينظرون إلى بداياته. فخطط الضم وتأطير الشعب الفلسطيني داخل حدود المساحات الجغرافية التي يتمسك فيها الاحتلال، ليست إلا عملاً في سياق مشروع فصل عنصري وسرقة أراضي شعب آخر. إن مثل هذا الوضع هو الأنسب والأوجب في ثقافة دونالد ترامب ومساعديه. لكن الأنسب والأوجب والمؤكد، في سنن التاريخ، أن هكذا تجارب لن تدوم، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تطوي فيها كل راياتها، وتخسر نفسها وتغادر مهزومة وفي خزي، تلاحقها اللعنات، ثم تتحول إلى نقطة سوداء في تاريخ شعوبها وأديانها. أما المتخاذلون والمتواطئون المحليون، فإنهم إما يلوذون بالفرار غير مأسوف على سحناتهم، أو يعيشون في بلادهم أذلاء ويُؤخذون عبرة لمن يعتبر.

اجتماعات عباس باتت معلومة الفحوى. فالرجل يمارس لعبة التذاكي، وهواية عرض العنفوان اللفظي الذي لا يلقى سوى السخرية والتضاحك من قبل نتنياهو ومن معه. ولم يعد رئيس الفلسطينيين قادراً على خداع حتى السذج من شعبه، وبخاصة عندما يلعن الأب الذي أنجب سفير ترامب لدى نتنياهو أو يلعن ترامب نفسه وتصفق له الحاشية. فالفلسطينيون يعلمون أن جدية اللعنة عندما صدرت على لسان رئيس بنما مانويل نورييغا في العام 1989 جعلت الأميركيين يغزون بلاده ويقبضون عليه ويعلقون في رقبته لافتة برقمه كسجين، علماً بأنه كان عميلاً للاستخبارات المركزية الأميركية!

في الحقيقة، لا يُنتظر من عباس أي عمل في الاتجاه الصحيح، فالعكس هو ما يُنتظر في كل يوم، وبخاصة على مستوى السياسات الاجتماعية. وعلى الرغم من ذلك لا بد من تفعيل “الإطار القيادي” الفلسطيني الذي تم اختراعه قبل سنوات لملء شيء من فراغ النظام السياسي الفلسطيني، وأصر عباس على عدم تفعيله. لكن الطر وصل إلى الذروة، وأصبحت السلطة والمواثيق الدولية والمكتسبات السياسة في العالم، وأكلاف الطائرة الرئاسية ورحلات الوفود؛ في موقد النار، ولم يعد أمام الطيف الباقي من أصحاب العناوين التحريرية، سوى الاجتماع في مكانٍ لا تصل إليه سيارات جيش الاحتلال للتوافق على استراتيجة عمل وطني ذات طابع تاريخي وديمقراطي، والإصرار إلى إعلاء شأن القضية ودق كل الأجراس.

8