الإطلاق المحتشم للإعلام الفضائي لا يفتح باب التعددية في الجزائر

أصيب إعلاميون ومستثمرون جزائريون بالإحباط بعد إعلان الحكومة عن إطلاق سبع قنوات خاصة فقط للاستثمار الخاص، متخصصة في أمور بعيدة عن السياسة، ما يلغي أي مزاعم حكومية بانفتاح وتعدد إعلامي، بل بالعكس يشير إلى مدى تقييد الحريات في البلاد.
الجمعة 2017/10/20
تعددية وهمية

الجزائر- بعد تردد دام ست سنوات، أعلنت الحكومة الجزائرية، عن إطلاق مجال الاستثمار الخاص في قطاع الإعلام السمعي البصري، عبر فتح مناقصة لإنشاء سبع قنوات فضائية، وهو العرض الذي لا يلبي احتياجات الطلب الداخلي.

ولم يرق هذا الإعلان لأي من تطلعات الإعلاميين أو المستثمرين في مجال الإعلام بسبب محدودية العرض مقارنة بالطلبات المتراكمة لدى وزارة الاتصال خلال السنوات الماضية، لدرجة أن البعض اعتبروه مثيرا للسخرية عند الأخذ بالاعتبار وجود ما يقارب أربعين قناة فضائية تعمل بترخص أجنبي، ويبقي الجدل قائما في البلاد، حول جدية السلطة في الانفتاح الإعلامي المنشود.

ووصف صاحب قناة فضائية فضل عدم الكشف عن هويته في تصريحات لـ”العرب”، العرض الحكومي، بـ”ذر الرماد في العيون”، فعلاوة على الشروط القانونية والمالية التعجيزية المطلوبة في الحصول على الرخصة، جاء العرض مخيبا للآمال، ولا يعكس طموحات المجتمع في رؤية تعددية إعلامية حقيقية.

وجاءت المناقصة الحكومية، في أجواء يخيّم عليها التعتيم والتضييق على الحريات الإعلامية، فعلاوة على الأزمة الخانقة التي يعيشها الإعلام الخاص وحتى الحكومي، شكل الحجب المستمر لموقع “كل شيء عن الجزائر”، مؤشرا مقلقا على مستقبل هذا القطاع الحساس في البلاد، بعدما تدحرجت خلال السنوات الماضية، إلى المراتب المتأخرة على سلم حرية التعبير في العالم.

وأعلنت وزارة الاتصال عن فتح باب التقدم للحصول على رخص بث القنوات الفضائية الخاصة، لأول مرة منذ ست سنوات، لإنهاء احتكار الدولة للإعلام السمعي البصري، وهو ما يفتح المجال لعدد من القنوات لتسوية وضعياتها الإدارية والقانونية وحتى الفنية، باعتبارها كانت قنوات جزائرية، تبث من عواصم عربية وغربية.

وحصرت المناقصة شروط الاستغلال في مجالات الأحداث (الأخبار)، الثقافة، الشباب، الطبخ، الاكتشافات، المسلسلات والترفية، إلى جانب الرياضة، وهي المجالات التي تثير استفهامات عديدة، حول جدية السلطة في التأسيس لتعددية إعلامية حقيقية ووعي إعلامي.

7 قنوات فضائية هو عرض مخيب للآمال ولا يعكس طموحات المجتمع في تعددية إعلامية

وتكهن البعض بأن هذه الشروط قد تكون وضعت لتلبية طلبات وأسماء موجودة في الساحة، ولا يستبعد أن يكون الفائزون معروفين مسبقا. وهي القنوات التي أبدت ولاء مسبقا لتوجهات السلطة تحت الضغط أو الإغراء، بعد أن شددت الحكومة قبضتها على الفضائيات التي عارضت السلطة منذ عام 2014، حيث تم غلق قناتي الأطلس ثم الوطن، بسبب انفتاحها على المعارضة السياسية، واهتمامها بالحراك الشعبي الذي رفض الولاية الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة في 2014.

وتذكر مصادر مقرّبة من وزارة الاتصال، بأن محدودية العرض لا تتعلق كما يروّج له أنه انفتاح جزئي، أو أنه إنقاذ موقف فقط من طرف السلطة، لأنها وجدت نفسها محرجة، أمام الرأي العام المحلي والخارجي، بسبب توجهاتها الشمولية ووعودها السابقة، وإنما يتعلق بإمكانيات فنية بحتة، ولا يمكن تلبية الطلب الداخلي في الظرف الراهن بسبب الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد.

ولم يبد فاعلون في القطاع تحمسهم مع العرض الحكومي، لأسباب فنية وإدارية، يأتي على رأسها الشروط المالية التعجيزية، حيث تفرض سلطة الضبط مبلغ مليون دولار، كمقدم في ملف المناقصة، وحصرت النشاط في مضامين معينة، لا يمكن لتلك الفضائيات منافسة الفضائيات العريقة على الجمهور المحلي، فضلا عن البث على قمر أوتلسات المحدود المشاهدة في البلاد، بسبب ارتباط المشاهد الجزائري بباقات قمري عربسات ونايل سات.

وحسب مصدر تقني من التلفزيون الحكومي، فإن الجزائر لا تملك إلا مركزا وحيدا للبث التلفزيوني بضاحية بوزريعة، وطاقته محدودة جدا لا تتعدى حدود 13 قناة فضائية، مما يجعل الحكومة عاجزة عن تلبية الطلب الداخلي، وبقاء أغلبية القنوات تتخبط في مشاكلها التقنية والإدارية، كونها لا تملك مكانا للبث من الداخل، وتبعيتها للخارج من جانب التوطين والبث، وهو ما لا يساهم في تطوير وترقية الإعلام البصري المحلي.

ويمر الإعلام الجزائري حاليا بأسوأ مرحلة في تجربته الحديثة، بسبب ارتدادات الأزمة الاقتصادية، وتراجع إيرادات الإعلان، مما اضطر العديد من القنوات التلفزيونية والصحف الورقية وحتى المواقع إلى الإغلاق، وتسريح صحافييها وعمالها.

ولم تبد الحكومة الجزائرية لحد الآن أي نية في معالجة الموقف الخطير، رغم اعتراف وزير الاتصال جمال كعوان، بتوقف حوالي 60 صحيفة، وإن برر المسألة بمنافسة المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وتبعات الأزمة الاقتصادية، فإنه لم يتطرق إلى ما أسماه البعض من الناشرين في الجزائر، بـ”الطرق الملتوية والمشبوهة في توزيع الإعلان الحكومي، واستئثار جهات مسنودة لدوائر نافذة على عروض الوكالة الوطنية للإشهار”.

وتعاني العديد من المؤسسات الإعلامية، من الموت البطيء أمام أعين الحكومة والمؤسسات الرسمية للدولة، فضلا عن حالات التضييق غير المبررة، على البعض الآخر، على غرار ما يتعرض له موقع ” كل شيء عن الجزائر”، من حجب فني في ربوع البلاد، دون تقديم توضيحات أو تفسيرات من الجهات المختصة.

ووصف مدير الموقع الناطق باللغتين العربية والفرنسية حميد قماش، ما يتعرض له موقعه بـ”الرقابة المقنعة” التي تمارسها الحكومة، على خطه التحريري وانتقاده للسلطة، بعد الحجب المستمر منذ الخامس من أكتوبر الجاري، على موزع الإنترنت وشركتين للهاتف النقال “اتصالات الجزائر” و”موبيليس” ، المملوكتين للحكومة.

وكانت وزارة البريد وتكنولوجيات الاتصال، ووزارة الاتصال، قد نفتا وجود أي قرار بحجب الموقع عن جمهوره في الجزائر، كما شددت شركة اتصالات الجزائر، على إمكانية وجود خلل تقني داخلي في الموقع، وهو ما نفاه حميد قماش، الذي أكد أن جميع الجهات الرسمية التي اتصلت بها إدارة الموقع ترفض التعاون معها، وحتى الرد على أسئلتها.

18