الإعلامي في لبنان يصنع نجوميته من موقفه السياسي

الأخبار أصبحت عبارة عن تأويلات بحتة، فالخبر بمعناه الحرفي مستحيل، إذ أصبح الخبر صالحا للتأويل و”يقبل” جره إلى منطقة على حساب أخرى.
الأربعاء 2015/08/19
مريم البسام تستمد شعبيتها من أرائها السياسية "الجريئة"

بيروت- يعيش لبنان حاليا حالة إعلامية بات فيها الخبر مستحيلا بمعناه الحرفي والمهني، فقد أصبحت الأخبار عبارة عن تأويلات بحتة، لا يعود من الممكن معها الحصول على المعرفة، تاليا يصبح استخدام الخبر هو إعادة تدوير للتأويل وجره إلى منطقة صالحة لتبرير تأويل آخر مغاير.

عمل الإعلام أصبح إذن جزءا من السياق الحربي العام الذي يسود لبنان والمنطقة. هذا الانقلاب في وظيفة الإعلام، استجلب انقلابا موازيا في طبيعة دور الإعلامي وحضوره.

الإعلامي في لبنان بات نجما يبني نجوميته على هذا الواقع الحربي، وينطق حكما باسم جهة من جهاته. هكذا صار يطالبنا على الدوام بالتعامل معه انطلاقا من هذه النجومية التي لا يدافع عنها بالكلام ولكن بالدم.

من صفات النجومية أنها تتطلب قدرا كبيرا من المسافة، فلا يمكن للنجم أن يكون قريبا وملتصقا بالناس، بل عليه دوما أن يبقى على مسافة منهم، وأن يكون المرجع الذي يعرف كل الأجوبة ويتوقع كل الأسئلة ويجيب عليها ويخترعها. شاعت منذ فترة البرامج التي تعنى بالفضائح والتي تجتهد في دس الجنس في كل شيء سواء كان يحتمل ذلك أو لا يحتمله.

العنوان الذي سيق لتبرير هذا المنطق كان كشف الحقائق أمام الرأي العام وتعرية الفساد والفاسدين.
حققت هذه البرامج نسبة عالية جدا من المشاهدة. نال مقدموها الشهرة الأكبر في البلد، ولكن ذلك لم يسمح ولو بخلق فسحة صغيرة من الوعي العام تتيح زحزحة السلطات أو تغيير الأوضاع القائمة بل بدا، وعلى العكس من ذلك، وكأن الإعلام يتحالف مع السلطات لناحية خلق وعي زائف ومشوه.
إعلامية في موقع مدافع عن جبهة سياسية

بيروت- يتمترس إعلاميون كل في جبهته السياسية. وقد أثار ما وصف بـ”قصف” مديرة الأخبار في قناة “الجديد” مريم البسام جبهة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع نقاشا واسعا.

ورد الفريق الإعلامي للقوات اللبنانية بمقال عنيف نشر على موقعه الإخباري تحت عنوان “نعيق مريم البسام”، حمل ما حمل من كلام قاس.

والمقال الذي وُقّع باسم “فريق موقع القوات”، جاء على خلفية انتقاد البسام لتغريدات جعجع على تويتر حول توقيف أحمد الأسير.

فقد غرّد جعجع قائلا “نُهنئ أنفسنا بالأجهزة الأمنية على اعتقالها أحمد الأسير، فهذا إنجازٌ أمني كبير”، فردت عليه البسام بالقول “انو تهنئة مفخخة، مش كان بلاها!!” وأكمل جعجع “ولكن في الوقت نفسه نسأل أنفسنا كيف تمكنت هذه الأجهزة من اعتقال الأسير بالرغم من تنكره الكامل واعتماده جواز سفر آخر وكل الاحتياطات التي اتخذها”، فردت البسام قائلة “حقا صح لسانك، وكيف لم تتمكن هذه الأجهزة من اعتقال قتلة رشيد وداني وجيهان والياس وطوني وما خفي كان أعظم”.

ولم ينته السجال هنا فقد عادت البسام وردت على مقال القوات بتغريدة كشفت فيها أنها اتخذت قرارا برفع دعوى قضائية على موقع “القوات اللبنانية”.

ويقول إعلاميون إن مريم البسام تتولى “قصف الجبهات” المتخاصمة مع حزب الله. وكانت قد تعرضت قبل فترة لهجوم لاذع من نجل الأمين العام لحزب الله على خلفية مقدمة نشرة أخبار «الجديد» التي انتقدت انفعال نصرالله بسبب موقفه من أحداث اليمن.

الفضيحة ليست المدخل المناسب للإصلاح لأنها مهما كانت كبيرة لا تعبر عن الحقيقة بل تبقى محصورة بفاعليها الذين غالبا ما يكونون خارج الحماية.

في الحالات النادرة التي حاول فيها الإعلام اللبناني أن يصنع فضيحة لمن يتمتعون بالحماية كانت النتيجة إجبار الإعلام على الصمت، وإعادة تركيب الأمور بشكل يظهر الأمر وكأنه كان نوعا من غلطة تقنية.

سرق الإعلاميون دور القضاة. شاهدنا إعلامية تطرد ضيفا على الهواء بعد أن نعتته بأبشع الصفات التي كان يستحقها بالفعل. المشكلة لا تكمن هنا بل في أن هذا ليس دور الإعلامي.

راجت في لبنان كذلك البرامج السياسية التي تعتمد منطق التوك شو والتي تشبه منطق صراع الديوك. نادرا ما تخلو حلقة منها من مشادة كلامية سرعان ما تتحول إلى عراك جسدي.

الإعلامي في هذه الحالة يحقق نسبة مشاهدة خرافية لا تعود إلى كونه كان حكما وشاهدا، بل بوصفه دوما شريكا في المعركة ومنحازا لأحد أطرافها، وذلك وفق القناة التي يعمل لصالحها. لا يلعب الإعلامي دور الناقل ولكن دور مدبر انتصارات أحد الأطراف على الآخر، أو دور تاجر السلاح إذا صح التعبير.

النجومية هنا تكمن في هذا الحيز الذي ربما يكون في أي بلد من بلاد العالم مقتلا لأي إعلامي، ولكنه في بلاد الأرز يشكل المدخل الوحيد والممكن للنجومية.

الإعلامي لا يحاور السياسيين بل يدينهم أو يمجدهم، والسياسيون لا يتعاملون مع الإعلاميين إلا بوصفهم مكبرات صوت. ومن لا يقبل بهذا الدور فإنه سيقصى وسيصبح بلا صوت.

لا تتمايز المؤسسات الإعلامية في اعتماد هذا المنطق الذي يكرس احتضار الإعلام واحتضار السياسة، ويعلن عن ظهور عهد النجومية الشاملة والكلية والتي تسعى دوما إلى التعبير عن نفسها عبر اغتيال المجال العام، وتحويل كل شيء إلى نوع من الخرافات المقدسة.
18