الإعلام الأميركي يعترف بسقوطه في متاهة الحرب على الإرهاب

الاثنين 2015/02/02
وسائل الإعلام الأميركية فشلت في كشف الحقائق للجمهور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر

لندن – يعترف رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بأن وسائل الإعلام الأميركية لم تكن في مستوى الحدث، ولم تطرح "الأسئلة الصعبة" والهامة حول مقاضاة إدارة بوش بشأن ما سمته الحرب على الإرهاب.

صرّح دين باكيت، رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أن الصحيفة، كما هو الحال بالنسبة لكافة وسائل الإعلام الأميركية الأخرى، فشلت في كشف الحقائق للجمهور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وقال للمجلة الألمانية الأسبوعية “دير شبيغل”: إنه كان متفقا مع النقد الذي وجهه حينها مراسل نيويورك تايمز، جيمس رايزن.

وأضاف “لم تكن الصحف الأميركية حازمة وحادة بالقدر الكافي بعد أحداث سبتمبر، لم تكن عدوانيّة بالقدر الكافي لطرح الأسئلة حول قرار الذهاب إلى الحرب في العراق، لم تكن عدوانيّة بالقدر الكافي لطرح أسئلة صعبة حول الحرب على الإرهاب. أقرّ بذلك نيابة عن صحيفتي لوس أنجلوس تايمز ونيويورك تايمز”.

وتحدث باكيت الذي يدير نيويورك تايمز منذ مايو 2014، كما كان رئيس تحرير صحيفة لوس أنجلوس تايمز. في مقابلة شاملة مع دير شبيغل، عن مستشار الأمن القومي إدوارد سنودن الذي اختار أن يسرد قصّته لصحيفة الغارديان.

وقال: إنه يعتبر أن صحيفة الغارديان منافس جديد لنيويورك تايمز في العصر الرقمي. وقال: هل أخشى تنافسهم معنا وانتصارهم الفعلي علينا بحصولهم على قصة سنودن؟ نعم.

وبخصوص سؤاله “هل كان أليما عليكم، كمؤسسة، ألا يحاول إدوارد سنودن حتى الاتصال بالنيويورك تايمز؟” أجاب باكيت “آلمنا ذلك كثيرا. فذلك يعني شيئين. أخلاقيا، هذا يعني أن شخصا لديه قصة كبيرة وهامة يرغب في نشرها لم يعتقد أننا كنا المكان الذي يمكن أن يتوجه إليه، وهذا مؤلم. كما يعني ذلك أيضا أننا هزمنا في المنافسة على ما كان يعتبر أكبر قصة متعلقة بالأمن القومي منذ سنوات عديدة. وليست الغارديان الوحيدة التي هزمتنا، لأن سنودن اختارها، ولكننا هُزمنا كذلك من الـ“واشنطن بوست، لأنه اتصل بالبوست بشأن هذه القصة. لقد حاولنا إصلاح الوضع من خلال نشر بعض القصص (المقالات) الجيدة التي أفخر بها. لكن ملف هزيمتنا في قصة سنودن كان حقيقة مؤلمة”.

دين باكيت: ثمة طرق للدفاع عن حق النشر دون أن تتخلى عن قيمك ومعاييرك

وقال البعض إن سنودن لم يتصل بالنيويورك تايمز لأنها رفضت نشر مجموعات البحث الأولي حول الأمن القومي في 2004.

وحول ما إذا كان قرار رفض نشر ذلك البحث خطأ، أشار باكيت أنـه لم يكن يعمل في صحيفة نيويورك تايمز في تلك الفترة. كما سألت المجلة الألمانية باكيت عـن المنافسين الرقميين، وذكرت تسريب وثيقة داخلية للنيويورك تايمـز تقـول أن “ميزتهـا الصحفية” تتقلص في مواجهة المنافسين عبر الإنترنت.

وقال باكيت: لقد افترضنا، وهو خطأ منا، أن نجاح هؤلاء المنافسين الجدد كان يستند على مجرد قيامهم صحفيّا بشيء آثرنا ألا نفعله. لقد كانت غطرسة منا، إذا أردنا فعلا التحلي بالنزاهة. تعالينا على منافسين جدد، وأعتقد أننا أدركنا أنه كان خطأ. لقد فهموا قبلنا كيفية توفير قصصهم للأشخاص الذين يرغبون في قراءتها. لقد كنا بطيئين جدا في إدراك ذلك.

ووعد باكيت “سنودن التالي” قائلا “سنعرب أننا أكثر استعدادا من أي مؤسسة إخبارية لتغطية الخبر. ونملك الوسائل، الأدمغة، وبالتأكيد الجرأة لنشر خبر مماثل”.

وباعتبار أن الطباعة لا تزال تمثل ثلاثة أرباع مداخيل الصحيفة، تساءلت دير شبيغل “كيف يمكن لكم أن تؤسسوا للثقافة الرقمية في غرفة أخباركم، والحال أنّ ميزانيتكم العمومية تطالب بالطباعة أولا؟”.

فأجاب باكيت “اعتقدت دائما أن ‘الرقمي أوّلا’ هو فكرة مبسطة، وأنا لست متأكدا تماما ما يعنيه ذلك. ينبغي أن تكون القصص هي الأولوية القصوى. لنأخذ مثلا قصة باريس (شارلي إيبدو). قمنا بتغطية شاملة ويومية. نشرنا على موقعنا على الإنترنت كل ما بلغنا من معلومات أو أخبار، أولا بأول. ثم عندما تقترب من موعد الطباعة الخاصة بك، عليك أن تقوم بأمرين. عليك أن تقوم بتهذيب وصقل تلك القصص التي نشرتها على الإنترنت، لأن الطباعة أقل تسامحا مع الأخطاء.

ثانيا، في عالم مثالي، عليك اختيار شيء واحد يكون جديدا وقويا وقادرا على اجتذاب أكبر عدد ممكن من القراء في الصباح، عندما يمرون لاقتناء صحفهم المعتادة”.

وحول القرار بعدم إعادة نشر صورة شارلي إيبدو، قال باكيت: إن القرار كان صعبا جدا. كان رد فعلي التلقائي الأول كصحافي رغبتي في التعبير عن تضامني مع الصحافيين الذين قُتلوا. لذلك اتخذت في ذلك الصباح القرار بنشرها. لكني أحجمت عن ذلك، مع أن هذا لم يكن بالأمر السهل. فكرت أننا بنشرنا صورا مماثلة نضع المأساة الحقيقية جانبا ونصبّ اهتمامنا كله على الرسوم الكرتونية بحد ذاتها. لذلك جلست في الغرفة ورحت أتأمل مجموعة من الرسوم الكرتونية.

وتابع "أيقنت أن هذا النوع من الدعابة ما هو إلا إهانة غير مبررة، وأنا لا أنتقدها. لم يتوافق هذا النوع من الدعابة مع المعايير المتبعة في نيويورك تايمز. لم أظن أن علينا عرضها للناس كي يفهموا ما حدث. يكفي أن نصفها. ما من ضرورة لنشرها".

وأضاف “أعتقد أن ثمة طرقا للدفـاع عن حق النشر دون أن تتخلى عن قيمك ومعـاييرك. صحيح أنني أود الإعراب عن التضامن، إلا أن ذلك يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة بين مهامي الأكثر أهمية. تبقى مهمتي الأولى أن أخدم قراء نيويورك تايمز. ولا شك في أن جزءا كبيرا من قرائنا سيشعرون بالإهانة إن نشرنا رسوما تسخر من النبي محمد. لا يشكل هذا القارئ عضواً في داعش، بل شخص مسلم ملتزم يعيش في بروكلين، له عائلة، ويعتبر عملا مماثلا مهينا. نقترف خطأ كبيرا صحافيا إن نسينا هؤلاء القراء. بحثت عن رسوم كرتونية تسخر بأديان أخرى ورحت أتأملها، فأدركت أن من الضروري عدم نشرها. إن رفضت أن أنشر رسما ساخرا عن يسوع، فلمَ قد أنشر رسوما عن شخصية دينية أخرى؟”.

18