الإعلام الأميركي يعيد أخطاء زمن هتلر وموسوليني مع ترامب

التساؤلات التي طرحها الإعلام الأميركي حول التعامل مع الزعماء الدكتاتوريين في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، تعود هي ذاتها في عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي مازال يربك الصحافة والإعلام حول الطريقة التي يجب أن يغطي بها أخباره.
الاثنين 2017/02/06
ما أشبه اليوم بالأمس

واشنطن – كيف تتم تغطية خبر اختيار زعيم سياسي معاد للدستور ومؤيد للعنصرية ومشجع على العنف من الناحية الإعلامية؟ هل تخالف الصحافة قوانين المجتمع أم أنها تعتبر فوز المرشح “شيئا طبيعيا” يعكس إرادة الشعب في اختياره؟

هذه التساؤلات تبدو ملائمة للمرحلة الراهنة مع دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، إلا أن المفارقة الغريبة أنها طرحت في الصحافة الأميركية قبل 97 عاما، إبان ظهور الزعماء الفاشيين في إيطاليا وألمانيا ما بين عامي 1920 و1930.

يعيد موقف الإعلام الأميركي من ترامب إلى الأذهان، كيف تعامل هذا الإعلام نفسه مع زعماء سياسيين أمثال أدولف هتلر، وبينيتو موسوليني، فلم تكن التقارير التي قدمتها وسائل الإعلام الأميركية حول نشأة الحركة الفاشية في أوروبا، موفقة على الإطلاق، بحسب تقرير نشره موقع “سميثسونيان” الأميركي.

حابى الإعلام الأميركي الزعيم الإيطالي موسوليني رغم تعارضه الشديد مع القيم الأميركية، فقد استولت الجماعة المسماة “بالقمصان السوداء”، بقيادة موسوليني، على الحكومة الإيطالية بعد زحفها الشهير على روما سنة 1922، وأسفرت عن تعيين موسوليني رئيسا لوزراء الحكومة الجديدة. ثم أعلن نفسه بعد ذلك رئيسا مدى الحياة للحكومة الإيطالية في عام 1925.

وكان موسوليني محبوبا من الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية، ومحورا للمواضيع التي تناولت هذا الموضوع. فقد كتب عنه ما بين عامي 1925 و1932 ما لا يقل عن 150 مقالا منها المؤيد والمعارض والمحايد.

دوروثي طومسون، قللت من شأن هتلر ووصفته بالتافه والسطحي عام 1928، ثم أدركت بعد ذلك الخطأ الذي ارتكبته

كما أدرجت مجلة “مساء السبت” الأميركية سيرة “الدوتشي” الذاتية في حلقات مسلسلة عام 1928. واشادت الصحف الأميركية مثل “نيويورك تريبيون” و”كليفلاند بلاينديلر” و”شيكاغو” بفضل تلك الحركة الفاشية على الحكومة الإيطالية في تنشيط اقتصادها وإنقاذها من براثن اليسار المتطرف، وذلك على الرغم من إقرارها بقساوتها، فقد كانت نشأة الحركة المعادية للرأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى تمثل من وجهة نظرهم تهديدا أكبر لهم من الحركة الفاشية.

واعترفت وسائل الإعلام بأن الحركة الفاشية “كتجربة جديدة” قد عملت على تهدئة أوضاع الشغب في إيطاليا، بحسب تقارير صحيفة نيويورك تايمز.

واعترض الصحافي هيمنغواي وصحيفة “نيويوركر” في الجهة المقابلة على تطبيع موسوليني، كما كتب جون جونتر تقريرا حادا عن مدى تلاعب موسوليني بالصحف الأميركية التي لم تستطع مقاومته.

رأت الصحافة الأميركية في ذلك الوقت، أن نجاح موسوليني في إيطاليا ساعد على تسهيل نجاح هتلر، الذي أطلقوا عليه اسم “موسوليني الألماني”. وكان الاستحسان الذي لاقاه موسوليني في الصحف الأميركية يمثل نقطة جيدة لصالح هتلر. فقد قفز الحزب النازي قفزة غير متوقعة في الانتخابات بمنتصف العشرينات وحتى أوائل الثلاثينات، وسيطر على عدد لا بأس به من مقاعد البرلمان في انتخابات حرة عام 1932.

إلا أن الصحافة الأميركية لم تتعامل مع هتلر بنفس الطريقة التي تناولت بها موسوليني، إذ صورته بطريقة هزلية، على أنه شخص يعوي ويصيح بكلمات نابية وأن مظهره يشبه “شارلي شابلن” بشكل كبير بحسب ما نشرته مجلة “نيوزويك”. وكانت ملامحه تشبه رسما كاريكاتوريا إلى حد كبير. وقالت صحيفة كوزموبوليتان “كان فصيحا لكنه لم يكن يشعر بالأمان".

وافترضت العديد من الصحف الأميركية بأنه إما سيقع تحت سيطرة السياسيين التقليديين، وإما أنه سيصبح معتدلا. وذلك بعيد تمكن حزب هتلر من السيطرة على مقاعد البرلمان، حتى بعد أن تم تعيينه مستشارا لألمانيا عام 1933، نحو عام ونصف العام قبل توليه منصب الدكتاتور.

وزعمت صحيفة واشنطن بوست، أن أتباع هتلر كانوا ممن سيطرت عليهم الأفكار المتطرفة والمذاهب المشعوذة، وذهبت صحيفتا نيويورك تايمز وكريستيان ساينس مونيتور إلى القول “بعد أن أصبح عمله ضمن التشكيل الحكومي واقعا حتميا، أصبح من المتوقع أن يتم وأد تلك الحركة من قبل السياسيين المحنكين".

وأكدتا أيضا أن شهرته ستفضح افتقاره للقبول بشخصيته وافتقاره أيضا لعمق التفكير. وكتبت “نيويورك تايمز” مباشرة عقب توليه منصب المستشارية، أن نجاحه لن يكون سبيلا إلا لكشف تفاهته وعدم جدواه للشعب الألماني. وتساءل الصحافيون في ما بينهم عما إذا كان هتلر قد شعر بالندم بالفعل عقب توليه ذلك المنصب لا سيما أنه أصبح ملزما ببعض المسؤوليات.

وتم قمع انتقاد الصحافيين للحكومة الألمانية، وعلى سبيل المثال، تعرض ابن مذيع بقناة سي بي إس للضرب من قبل “ذوي القمصان البنية” لعدم تقديم التحية لهتلر، ولم يستطع الإبلاغ عن تلك الواقعة.

وعندما كتب إدغار مورر بجريدة “شيكاغو ديلينيوز” أن ألمانيا أصبحت “ملجأ للجنون” عام 1933، طالبت الحكومة الألمانية، الخارجية الأميركية بكبح جماح الصحافيين الأميركيين.

وحذر ألين دالاس، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، مورر على إثرها، من أنه يأخذ الموقف الألماني على محمل الجد أكثر من اللازم. وقامت دار النشر التي كان يعمل بها مورر بعد ذلك بنقله خارج ألمانيا حفاظا على حياته.

أخطأ الصحافيون الأميركيون عام 1930 في التقليل من شأن هتلر وخانهم تخيلهم عن مدى السوء الذي يمكن أن تصل إليه الأمور. وعلى الرغم من وجود نماذج سيئة السمعة، مثل دوغلاس تشاندلر، الذي كتب أنشودة حب في “ألمانيا” لناشيونال جيوغرافيك عام 1937، تواجدت هناك نماذج أخرى مثل، دوروثي طومسون، التي قللت من شأن هتلر ووصفته بالتافه والسطحي عام 1928، ولكن سرعان ما أدركت الخطأ الذي ارتكبته، مثل مورر، عندما بدأت تدق أجراس الخطر.

وأفادت طومسون عام 1935 “لا يوجد شعب على وجه الأرض يمكنه التنبؤ بتحول أحد حكامه إلى دكتاتور قبل أن يتولى الحكم. لا أحد يرشح نفسه ويقول انتخبوني كي أصبح دكتاتورا. دائما ما يقدم المرشح نفسه على أنه الشخص الذي سيحقق إرادة الأمة”. وطبقت طومسون الدرس على الولايات المتحدة، وقالت “الدكتاتور في أميركا هو من يتقدم ليقول إنني من سيعيد كل التقاليد الأميركية مرة أخرى".

18