الإعلام الأميركي ينتصر للجلاد ويتجاهل الضحايا

الثلاثاء 2014/12/30
الإعلام الأميركي لم يختلف كثيرا في تغطياته للقضايا الحساسة عن قنوات دول العالم الثالث

واشنطن- سقطت وسائل الإعلام الأميركي في مطب غياب المصداقية والمهنية في تناولها لقضية تعذيب المعتقلين، وغيبت عنصرا أساسيا وهو الضحايا وعائلاتهم، رغم جهودها السابقة لإجبار السلطات على الكشف عن تفاصيل القضية والسماح بنشرها.

وجهت انتقادات شديدة اللهجة للإعلام الأميركي حول تغطيته لقضية تعذيب المعتقلين، وتغييب الضحايا، بعد صدور التقرير الخاص بالتعذيب الشهر الماضي.

وذكر موقع “ذا انترسبت” الإخباري الأميركي، أنه منذ صدور التقرير باتت منافذ التلفزيون الأميركي منصة للجلادين الأميركيين وأنصار التعذيب واستبعد تماما ضحايا أو عائلات من قتلوا جراء عمليات التعذيب.

وأوضح الموقع في تقرير نشره في نسخته الإلكترونية، أن هناك مجموعة تجاهلها التلفزيون الأميركي ولم يسمع عنها أو منها وهي من ضحايا التعذيب، الذين اعترفت بهم حكومة واشنطن بأنهم أبرياء، فضلا عن عدم استضافة أسر من تم تعذيبهم حتى الموت. ورأى أنه سواء كان التجاهل أو الإغفال عن طريق التعمد (على الأرجح) في التغطية، فإن هذا الإغفال الذي لا يغتفر يشوه جذريا تلك التغطية.

وذكر أنه كلما اضطرت الولايات المتحدة إلى مواجهة أفعالها المشينة فإنها تتبع الاستراتيجية المركزية في إخفاء الضحايا، وجعلهم غير مرئيين، مشيرا إلى أن هذا ما يسلب من الضحايا إنسانيتهم معلقا “إنها عملية التجريد من الإنسانية”، الأمر الذي في المقابل، من شأنه أن يمكن النخب الأميركية لأول مرة من دعم الأعمال الوحشية.

وأشار إلى أن نتيجة الاستطلاع الذي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية بالتعاون مع شبكة “ايه بي سي” نيوز الصادر مؤخرا والذي يكشف أن أغلبية كبيرة من الأميركيين يعتقدون أن التعذيب له ما يبرره حتى عندما نطلق عليه لفظ “تعذيب”، وقال الموقع :”لذلك فإن عدم الاضطرار إلى التفكير في الضحايا البشرية الفعلية يجعل من السهل تبرير أي نوع من الجرائم”.

التلفزيون الأميركي أصبح منصة للجلادين الأميركيين وأنصار التعذيب واستبعد الضحايا

واستشهد الموقع بمقال للكاتب الشهير توماس فريدمان عن أعمال التعذيب والتي تشمل التغذية القسرية وتجميد المعتقلين حتى الموت، والذي قال فيه “بالنسبة إلى طبقة صنع الرأي العام في الولايات المتحدة، فإن عمليات التعذيب الوحشي تعد دليلا على تفوق أميركا”، وأضاف “هذا عمل من أعمال الفحص الذاتي وليس فقط ما يبقي مجتمعنا ككل صحيا، وهذا ما يجعلنا نموذجا للآخرين الذين يريدون محاكاتنا”.

وقال الموقع إن التكتم على هؤلاء الضحايا وإسكاتهم وجعلهم غير مرئيين هو أكبر خدمة تقدمها وسائل الإعلام الأميركية للحكومة والتي تدعي أنها تعمل كهيئة رقابية.

تجدر الإشارة إلى أن موقع “ذا انترسبت” يضم مجموعة مشهورة من صحفيي التحريات الأميركيين الذين يتابعون قضايا الأمن القومي.

ومما يثير الاستهجان هو أن تعاطي الإعلام الأميركي مع القضية، يتناقض مع الجهود والمحاولات التي بذلها من أجل الكشف عن القضية حيث طالبت 16 وسيلة إعلام أميركية إدارة أوباما بأن تنشر تسجيلات فيديو تظهر خضوع معتقلين في غوانتانامو مضربين عن الطعام لعمليات إطعام قسرية، وهو ما كانت ترفضه الإدارة بدعوى أن نشر هذه الأشرطة قد يعرض الأمن القومي للخطر.

وكانت القاضية الفدرالية في واشنطن غلاديس كيسلر قد أمرت الإدارة في مطلع أكتوبر بأن تنشر هذه الأشرطة المصورة وعددها 28 شريط فيديو أظهرت عمليات إطعام معتقلين في غوانتانامو بواسطة الأنابيب الأنفية – المعدية، ولكنها عادت ووافقت على طلب الحكومة إرجاء هذا النشر مدة 30 يوما ريثما يتسنى للإدارة استئناف هذا القرار.

وقال الكولونيل البحري كايل كوزاد قائد القوات المشتركة في غوانتانامو في وثائق الدعوى: إنه “يصعب أن يكون هناك توصيف للعملية المستخدمة أكثر وضوحا مما يمكن العثور عليه في أشرطة الفيديو هذه”.

وعلى سبيل المثال، تصور أشرطة الفيديو موضوع الدعوى عملية إدخال وإخراج الأنابيب الأنفية -المعدية في حالة المعتقل السوري أبو دياب. وأضاف أن هذه الأشرطة “تحتوي على قدر من المعلومات أكبر بكثير” من أي صورة سمح بالتقاطها خلال عملية الإطعام القسري للمضربين عن الطعام في غوانتانامو.

التجاهل أو الإغفال عن طريق التعمد في التغطية الإخبارية لا يغتفر ويشوه جذريا تلك التغطية

ولم يختلف الإعلام الأميركي كثيرا في تغطياته للقضايا الحساسة في البلاد عن تغطيته لقضية التعذيب، كما في الاحتجاجات الغاضبة على مقتل الشاب الأسود في مدينة فيرجسون الجنوبية على يد ضابط أميركي أبيض، عن قنوات دول العالم الثالث.

وقال كلينت ويلسون، أستاذ فخري في الدراسات المتعلقة بالاتصالات والثقافة والإعلام، أن وسائل الإعلام الأميركية غطت كل ما يمكن تغطيته.

وتابع، المشلكة في القضايا التي تشبه حادثة قتل الضابط للشاب الأسود هي غياب القيادة والتشتت في وسائل الإعلام، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع العلاقات العرقية في الولايات المتحدة.

ودعا هيمانت شاه، مدير مدرسة الصحافة والاتصالات في جامعة ويسكونسن ماديسون، إلى كتابة تقارير أكثر ثباتا وتنوعا في تغطيتها المتعلقة بالأعراق عموما ولا تقتصر على حادثة بعينها.

ووفق الخبراء فإن الإعلام الأميركي يجب أن يرجع خطوة إلى الوراء، حتى يعرف مكمن التقصير في التغطيات الإخبارية، واقترحوا عدة خطوات لإصلاح الإعلام الأميركي.

وعلى التقارير أن تغطي القضايا السياسية أو الاجتماعية على مدار السنة، وتتفحص القصة الخبرية، وتنقيها من الشائعات، أو المغالطات، وتُصحب التقارير بالتحليل والتعليق والاستقصاء والاعتماد على أكثر من زاوية بالإضافة إلى الحقائق القائمة على أرض الواقع.

وأشاروا إلى ضرورة التنوع في تعيين المراسلين والمحررين الشباب والكبار، الأبيض والأسود، القاطن في مدن الشمال أو ضواحي الجنوب الأميركي، ويجب أن تراعي تشكيلة الصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية المختلفة تنوع المجتمع الأميركي، حتى تتمكن من التعبير عنها أفضل تعبير.

18