الإعلام الإيراني يطمس الحقائق باللعب على الوتر الطائفي في العراق

الاثنين 2015/04/06
وسائل إعلام بثت أخبارا عن تحرير مدن كبيرة وقتل المئات من عناصر داعش وتبين فيما بعد أنها غير صحيحة

بغداد - اختلق الإعلام الإيراني شائعات مدروسة مررها عبر بعض وسائل الإعلام العراقية المحلية الموالية له، بهدف الشحن الطائفي وتضليل الرأي العام مستغلا المعارك ضد داعش لنشرها وتغذية الفتنة بين العراقيين.

تختلط الشائعات بالحقائق في تغطية المعارك ضد داعش في العراق، وساهم غياب الحياد بترويج الكثير من الأخبار الزائفة بقيادة الإعلام الإيراني عبر المئات من الصحف والقنوات الفضائية والإذاعات المملوكة للأحزاب الموالية لإيران في العراق، بينما تلتزم وسائل الإعلام المستقلة بعدم نشر أخبار تسيئ إلى “الحشد الشعبي”.

وانتشرت الشائعة الأقوى وهي قيام طائرات “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة بقصف قوات الجيش و”الحشد الشعبي”، وبدأت عبر مواقع محلية مغمورة لا يُعرف صاحبها وسرعان ما انتشرت لتتناولها قناة “العالم” الإيرانية وباقي القنوات العراقية المحلية المملوكة للأحزاب سياسية موالية لإيران.

وظهرت الشائعة في ديالى، حيث قال قادة في “الحشد الشعبي” إنهم شاهدوا طائرات أميركية تقدم الأسلحة والغذاء لعناصر “داعش” بالمظلات، وتبنى نواب في “التحالف الوطني الشيعي هذه الشائعة دون أي أدلة، وأعلنت فصائل مثل “عصائب أهل الحق” و“كتائب حزب الله” أن مقاتليها شاهدوا الطائرات الأميركية وهي تساعد داعش.

ومع مرور الأيام تزايدت الشائعات في تكريت وسامراء التابعة لمحافظة صلاح الدين، و“الكرمة” و“الرمادي” التابعة لمحافظة الأنبار، عندها نفذ صبر الحكومة وأعلنت تشكيل لجنة لمعرفة الحقائق.

وفي لقاء لرئيس الوزراء حيدر العبادي مع مجموعة من الصحفيين العراقيين في 23 من فبراير، أعلن العبادي أنه تحقق بنفسه من هذه الأخبار وتبيّن أنها كاذبة، وقال إن “هذه الكذبة تسعى لتحقيق أهداف معينة”.

سليماني والعامري وأبوعزرائيل أصبحوا في نظر بعض العراقيين منقذين ويتم تداول قصص معاركهم

كما أصدرت السفارة الأميركية في بغداد أكثر من بيان رسمي تنفي هذه الأخبار، بالإضافة إلى قادة في الجيش والشرطة، ومسؤولين كبار بينهم وزير الخارجية إبراهيم الجعفري ووزير الدفاع خالد العبيدي الذين أكدوا أنها شائعات فقط.

وذكر موقع نقاش الإلكتروني، المفارقة هي أن غالبية العراقيين ما زالوا يصدقون هذه الشائعة ولا يصدقون كلام الحكومة، بسبب نجاح الإعلام المتعاطف مع إيران بإقناع العراقيين أن الطيران الأميركي يقتل الجنود ويدعم داعش.

وليست هذه الشائعة الوحيدة، فهناك العديد من الشائعات الأخرى التي تتداولها وسائل إعلام معروفة بارتباطها بإيران، دون أدلة ويصدقها المتابعون بشكل مطلق حتى بدأت تؤثر على العراقيين فيما بينهم، وتشهد مواقع التواصل الاجتماعي تأثير هذه الشائعات عبر شتائم فيما بينهم، فمن لا يصدق هذه الأخبار يعد خائنا ويؤيد داعش.

كما تداولت هذه الوسائل شائعة أخرى، انطلقت مع بداية المعارك ضد تنظيم داعش في تكريت بداية مارس، تقول إن “ابنة الرئيس العراقي السابق رغد صدام حسين موجودة في تكريت وتدعم داعش، وطلبت رغد من الحشد الشعبي السماح لها بمغادرة المدينة مقابل أموال طائلة كانت بحوزتها”.

ويبدو أن هذه الشائعة مدروسة بشكل جيد، فالعراقيون يعرفون جيدا أن تكريت هي موطن ولادة صدام حسين، ولأن الفئات التي اضطهدها صدام، في العراق يكرهونه ويرغبون في الانتقام من عائلته انتشرت الشائعة بسرعة كبيرة، ويصدقها الكثيرون على الرغم من أن ابنة صدام حسين متواجدة في الأردن منذ سنوات.

ومن الشائعات الأخرى أن “حزب البعث بقيادة نائب رئيس الجمهورية السابق عزت الدوري يقود جيشا في تكريت والموصل ويستعد للهجوم على قوات الحشد الشعبي، ويتم دعم هذه الشائعة بأخبار غير موثقة عن تمكن الحشد الشعبي من اعتقال سائقه الدوري أو أحد أقربائه وأصدقائه.

خطاب وسائل الإعلام العراقية تغيَّر تحت ضغوط عدة وتخلّت العديد من الصحف والفضائيات عن حياديتها

ولم تكتف الوسائل الموجهة من الإعلام الإيراني بنشر هذه الشائعات فقط، بل قامت بمهام أخرى، على سبيل المثال تحويل شخصيات وقادة في الحشد الشعبي إلى كاريزما محبوبة أو مخلصين بين العراقيين، أو تشويه سمعة سياسيين ونواب واتهامهم بدعم داعش.

كما جعلت وسائل الإعلام من قائد “الحرس الثوري الإيراني” قاسم سليماني بطلا وصاحب كاريزما، وتستعمل صور التُقطت له وهو بين صفوف الحشد الشعبي إلى جانب قادة عراقيين مثل هادي العامري زعيم منظمة بدر.

وأصبح سليماني والعامري وأبوعزرائيل في نظر بعض العراقيين منقذين، ويتداولون فيما بينهم قصصهم في المعارك، فيما يقوم عراقيون آخرون بوضع صورهم كصورة شخصية في حساباتهم على “فيس بوك”.

تستطيع وسائل الإعلام هذه ترويج أي فكرة حتى لو كانت غير حقيقية، وعلى سبيل المثال هي تبث أخبارا أثناء المعارك عن تحرير مدن كبيرة وقتل المئات من عناصر داعش ويتبيّن فيما بعد أنها كذبة، ومثل هذه الأخبار خلقت الإرباك بين العراقيين.

وهناك حملة إعلامية واسعة تقودها وسائل الإعلام ذاتها. تقلل من أهمية الجيش والشرطة في الدفاع عن البلاد، وتعطي أهمية كبيرة لقوات الحشد الشعبي الذي هو فصائل عديدة غالبيتها موالية لإيران ويقودها ضباط من الحرس الثوري الإيراني.

بدأت المشكلة في انتشار الشائعات منذ تشكيل قوات الحشد الشعبي في يونيو الماضي، وفي ذلك الوقت حصل تحشيد عام لوسائل الإعلام العراقية المحلية، وغالبيتها وقعّت على مواثيق تؤكد على ضرورة تأييد الجيش والحشد الشعبي ضد تنظيم داعش، ولهذا أُخفيت العديد من الحقائق.

ومع اشتداد المعارك بين قوات الجيش المنهارة وحليفه الحشد الشعبي ضد تنظيم داعش الذي استطاع عبر ترسانة إعلامية واسعة من الاستحواذ على الجانب الإعلامي، تغيَّر خطاب وسائل الإعلام العراقية، وتخلّت العديد من الصحف والفضائيات عن حياديتها تحت ضغوط عدة.

18