الإعلام التقليدي التونسي حبيس نموذج اقتصادي مفلس

آفة الأخبار المضللة التي تصبح كالطاعون في الانتخابات والأعمال الإرهابية لا تعصم أحدا من سمومها.
الاثنين 2019/10/07
تجربة محفوفة بالمشكلات

لم يمر يوم على الحملة الانتخابية التشريعية التونسية دون أن ينشر المستخدمون على الشبكات الاجتماعية استطلاعات رأي متضاربة. فتارة يُظهر بعضها حزب قلب تونس في المقدمة وطورا حزب النهضة ولا أحد سوى صانعيها، مهنيين أو مزورين، يعلم حقيقتها. إنه وضع أسوأ مما أراده المشرفون على الإعلام والانتخابات حين منعوا نشر الاستطلاعات على امتداد الفترة الانتخابية.

تونس - لم يدرك المشرفون على الإعلام زمن الانتخابات التونسية، وحتى خارجه، أن تدفق المعلومات وتداولها في المجتمع لم يعد عموديا من الناشر إلى المتلقي بل أصبح أفقيا، بفعل تطور الإنترنت وتعاظم الشبكات ودورها، ففقدت وسائل الإعلام التقليدية السيطرة على تداول الأخبار. ولعل أبلغ دليل على ذلك انتشار “خبر” تعاقد نبيل القروي مع مجموعة ضغط كندية لتلميع صورته في الانتخابات الرئاسية.

كان المنطلق تدوينة نُشرت على تويتر يوم 2 أكتوبر تناقلها بعضهم على فيسبوك فانتشرت كالنار في الهشيم، ثم أخذتها وسائل الإعلام التقليدية من مكتوب وإذاعي وتلفزيوني “عالجتها” بالنقل تشكيكا أو تأكيدا دون سواهما. وكذلك يحدث في شأن الأخبار المزيفة أو المضللة عندما تجد وسائل الإعلام التقليدية نفسها أمام أمرين، إما نشرها، واقعة في الفخ، وإما الإعراض عنها ريبة.

والوضعان مؤلمان، إذ لا يليق بمؤسسات إعلامية نشرُ ما يُتداول على الشبكات الاجتماعية ولا الصمت عنها حتى يذهب في ظن المستخدمين أنها وقائع صادقة طالما لم يكذبها أحد. وليس انتشار الأخبار المضللة على الشبكات، مثل الاستطلاعات الخاصة بالحملة الانتخابية، من جرم المستخدمين وحدهم بل من تقاعس الوسائل التقليدية عندنا بملازمة وضع المتفرج.

إن مجتمعا يستقي معظمُ أفراده معظمَ أخبارهم من غير الوسائل الإعلامية التقليدية مجتمع غيّر بعمق تعامله مع استهلاك الأخبار ومع تلك الوسائل التي ينبغي لها أن تتغير وأن تتأقلم، وإلا فهو مقضي عليها. فهناك أزمة منوال اقتصادي تعاني من تهالكه تلك الوسائل غير أن هناك طرقا أخرى لمواجهة تعثرها منها؛ الانفتاح على أساليب عمل جديدة.

يعلم الجميع أن من أسباب تردي أداء وسائل الإعلام في تونس وضعها المالي القائم على الإعلانات في سوق منحسرة. وأصبح واضحا في بلدان العالم كله أن ذلك المنوال الاقتصادي لا يمكّن من الموازنة بين عائدات إعلانية ضئيلة والحاجة إلى إنتاج مضامين جيدة ومتنوعة لكنها مكلفة. أغلقت صحف كثيرة وتحولت أخرى إلى الصيغة الإلكترونية دون جدوى. لقد فقدت التلفزيونات الأميركية 40 بالمئة من صحافييها بين 2001 و2018.

وعمدت مؤسسات إعلامية أخرى قليلة، أشهرها ميديابرت الفرنسية، إلى أن تكون مضامينها كلها مدفوعة الثمن ونجحت. وهناك أخرى كثيرة جعلت بعض مضامينها مدفوعة الثمن ونجحت إلى حد، غير أن الأمر لن ينجح إن جُرّب في تونس، لسببين؛ قلة عدد قراء المطبوع والإلكتروني وأوضاع الناس المالية المتدنية. لقد تعوّد الناس، بمجيء الإنترنت، على المضامين المجانية، والحال أن بعضهم كان يدفع لقراءة الصحف.

وستبقى وسائل الإعلام التونسية حبيسة ذلك المنوال الاقتصادي المفلس، عاجزة عن إنتاج مضامين جيدة ومتنوعة ذات مصداقية يقبل الناس عليها. كما أنها ستبقى معرضة إلى ذلك السيل من الأخبار المضللة التي يصعب على مؤسسة منفردة التصدي لها أو تفنيدها. وفي انتظار أن تراجع الدولة سياسة إسناد الصحف المطبوعة، قاطرة الإعلام الجيد الضروري للديمقراطية، هناك سبل على وسائل الإعلام التقليدية طرقها لتكون في مضامينها قيمة إعلامية مضافة.

هناك الانفتاح على المحيط غير الصحافي الذي يجمع عددا كبيرا من منتجي المضامين من غير الصحافيين الذين تقلص عددهم في المؤسسات الإعلامية بل إنه لم يبلغ يوما، إلا في المؤسسات العمومية، المستوى المطلوب، عددا، لتأمين مضامين جيدة. يمكن الاستعانة بالمختصين في البيانات والمبرمجين والإحصائيين والخبراء… للإسهام في إنتاج المضامين بالتعاون مع الصحافيين.

وفي اللجوء إلى ذلك اقتحام مجال البحث عن الأخبار أفقيا ومحاكاة لما يفعله المستخدمون المتنقلون أفقيا من رابط إلى آخر للبحث عن المعلومات والأخبار، وهي طريقة تستهوي الشباب خاصة. وقد يقع هؤلاء على مواد جيدة كما يقعون فريسة مواد مضللة يتقاسمونها على صفحاتهم. وهناك سبل للتفاهم ماليا مع منتجي المضامين في إسناد فرق التحرير لتطوير الإنتاج الصحافي.

كما يمكن اللجوء إلى طرق أخرى في اتجاه الانفتاح أفقيا على مصادر الأخبار، كما تفعل الغارديان البريطانية وميديابرت الفرنسية، تتمثل في التعاون مع القراء والمستخدمين بإنشاء قسم لما يسمى بالمساهمين المواطنين الذين يقدمون شهادات واقتراحات لتجويد المضامين وإنذارات لما يمكن أن يكون مواد إخبارية. هناك الآلاف من المساهمين في ميديابرت وفي الغارديان اللتين تخصصان قسما لذلك فيه عشرة صحافيين ورئيس تحرير.

وسائل الإعلام التونسية عاجزة عن إنتاج مضامين جيدة ومتنوعة ذات مصداقية يقبل الناس عليها
وسائل الإعلام التونسية عاجزة عن إنتاج مضامين جيدة ومتنوعة ذات مصداقية يقبل الناس عليها

يذكر كلنا “وثائق بنما” عام 2016 والرجات التي أحدثتها في بلدان كثيرة منها تونس، غير أننا ننسى أنه لم يكن لذلك أن يحدث لو لم يجتمع 400 صحافي من 108 مؤسسة إعلامية للاشتغال أفقيا على عشرات الآلاف من الوثائق على اختلافها. ولا شيء يعطل اعتماد أسلوب العمل نفسه بين خمس مؤسسات أو ست أو أكثر للاستقصاء في مواضيع معقدة ومهمة يستفيد منها الجميع باعتماد العمل الأفقي.

لا مفر اليوم من أن يفكر المعنيون بوسائل الإعلام التونسية في ذلك الاتجاه لمجابهة نقص الكفاءات البشرية في غرف تحريرها وللضغط على التكاليف، بغير الطرد وبخس الأجور، في سياق أزمات مالية خانقة لإنتاج مضامين بالتعامل مع مقتضيات الإنتاج والنشر الأفقيين على الشبكات. وهي في حاجة إلى ذلك لمقاومة الأخبار المضللة التي تعج بها الشبكات وهو جهد لا تقدر عليه أي مؤسسة منفردة.

إن آفة الأخبار المضللة التي تصبح كالطاعون انتشارا وفتكا في ظروف حرجة مثل الانتخابات والأعمال الإرهابية لا تعصم أحدا من سمومها. وإن لم تدرك وسائل الإعلام التونسية بعدُ ضرورة الانفتاح على العمل الأفقي عموما فإنها أدركته لمقاومة الأخبار المضللة كما هو معمول به في عدد من البلدان. فقد قررت وسائل الإعلام العمومي مؤخرا إطلاق منصة خاصة بتفنيد الأخبار المضللة على الشبكات بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

وقد سبقت إلى ذلك مؤسسات أوروبية، بالتعاون مع فيسبوك وغوغل، لإنشاء تجمعات لذلك الغرض في 2017 إبان الانتخابات الأميركية والفرنسية التي طالتهما سموم التزييف. ومن أشهر تلك التجارب التعاقد منذ فيفري 2017 بين فيسبوك من ناحية وثماني مؤسسات فرنسية من المطبوع والمسموع ومن الخاص والعمومي من ناحية أخرى.

لم تفشل تلك التجربة إجمالا في مقاومة الأخبار المضللة غير أنه يُخشى تعثر التجربة التونسية لأسباب متعددة منها؛ أن شروط نجاح التجربة الفرنسية، المتمثلة في تنوعها وتعدديتها، غير قائمة في التجربة التونسية التي اقتصرت على وسائل إعلام عمومية. ويتمثل الخطر في أنه سيكون من سلطة تلك المؤسسات القول إن موقعا ما أو مؤسسة إعلامية ما لا تتحرى أخبارها أو إنها تنشر أخبارا زائفة.

وسيقود هذا الأمر إلى إعطاء مصداقية لتلك المؤسسات العمومية لدى المتلقين على حساب المؤسسات الأخرى، مما قد يعيد إلى الأذهان سيطرتها على المشهد كما كان الأمر سابقا. ومنها أن تنقلب الأمور عليها، إذ أثبتت دراسات أن تكذيب الأخبار المضللة يصبح في أذهان كثيرين مدعاة إلى تصديقها إذا لم تكن المؤسسات المكذبة تحظى بثقة كبيرة لدى الجمهور ومنها طرق العمل. ففي فرنسا مثلا أثارت طريقة العمل، المتمثلة في اعتبار الخبر صادقا إذا تداوله ثلاثة ناشرين، تململا لدى الناشرين الذين رأوا فيه إحداث طبقتين من الناشرين، طبقة تحكم وأخرى تنفّذ. كما أثار جدلا للقول إن بعض وسائل الإعلام المصادقة على الأخبار نشرت، خطأ، أخبارا كاذبة وألاّ شيء يضمن أن النشر الثلاثي حصن طالما أن وسائل الإعلام تنقل عن بعضها دون تحقق أحيانا.

هي تجربة محفوفة بالمشكلات إذ لم تنفتح على وسائل الإعلام الخاصة غير أن مشكلاتها أهون من سموم الأخبار المضللة، تجربة أهم ما فيها دخول وسائل الإعلام التونسية مرحلة التعامل الأفقي القادم إجبارا لا اختيارا.

18