الإعلام التقليدي يستعيد الصدارة بالمعلومة الموثوقة في أزمة كورونا

تقرب الجمهور للإعلام في الظروف الحرجة لا يعني أنه اجتاز أزماته لأن دوره الحقيقي يظهر في القضايا الخلافية.
الجمعة 2020/03/27
التقارب بين الجمهور ووسائل الإعلام معادلة ليست صعبة

أصبحت الفرصة مواتية أمام الإعلام لاستعادة مكانته، مع اتجاه الناس إلى المنابر التقليدية وخصوصا الحكومية للحصول على آخر مستجدات الوباء العالمي في بلدانهم، بعد أن كان قطاع كبير من الجمهور يستقي المعلومة من منصات التواصل الاجتماعي، ولا يثق بإعلامه المحلي.

القاهرة - استعاد الإعلام التقليدي مكانته لدى الجمهور منذ انتشار وباء كورونا، حيث اكتشف الناس حاجتهم إلى المنابر الجادة لمعرفة إلى أين تتجه الأمور على صعيد المستجدات في بلدهم أو الدول الأخرى، أو الاستماع لرؤية الحكومة في ما يخص الأزمة.

وينتظر الجمهور المؤتمرات الصحافية التي يعقدها رئيس منظمة الصحة العالمية لمعرفة تفاصيل جائحة كورونا، إضافة إلى ترقب ظهور مسؤوليهم للحديث عما وصل إليه فايروس كورونا من تطورات على المستوى المحلي، وبات الناس شغوفين بمتابعة وسائل الإعلام.

وتمثل الظاهرة الجديدة تغيرات لافتة في نظرة الجمهور العربي للإعلام، بعد سنوات من تباعد المسافات بين الإعلام والجمهور على إثر اتهام بعض الصحف والقنوات بالتضليل والتزييف وغياب المصداقية، والأهم أن التُهم التي طالما طاردت المنابر تراجعت بشكل كبير حاليا.

وبعد أن كان قطاع كبير من الجمهور يستقي المعلومة من منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الفرصة مهيأة لعودة الإعلام إلى مكانته الطبيعية في تثقيف وتعريف الناس بالمستجدات، ما طرح تساؤلات بشأن دور المنابر الرسمية في تقريب الجمهور إليها، أم أن هذا يعود إلى ثقة الناس في الحكومة والالتفاف حولها.

وعانت وسائل إعلام عربية عديدة من تراجع مصداقيتها، ما انعكس سلبا على تأثيرها في توجهات الرأي العام، لأسباب ترتبط بسيطرة الحكومات على المحتوى والملكية، وأخرى تتعلق بالموالاة والاستعانة بشخصيات لا يعنيها سوى تلميع صورة السلطة، لكن ماذا استجد حتى تستعيد بعض المؤسسات عافيتها، ويعتبرها الجمهور مصدر ثقة في نقل المعلومة؟

رجح البعض من المراقبين أن تكون مصداقية الإعلام في نظر الجمهور مرتبطة بعدة مستجدات، منها أن الناس ليست لديها بدائل سوى الثقة في توجهات الحكومات لعبور هذه المرحلة الحرجة، بالتالي تتعامل مع ما تعلنه الجهات الرسمية من حقائق عبر الإعلام على أنها لا تقبل الشك، بحكم أن الأزمة الراهنة عالمية وليس هناك ما يمكن مداراته.

ومعيار تدفق المعلومات التي توفرها الحكومات، وهي ثقافة كانت غائبة، ضاعف من ثقة الجمهور في الإعلام، لأن الناس بحاجة إلى معرفة المستجدات أولا بأول، والإجابة على تساؤلاتها المشروعة، وأوجد هذا التجاوب الحكومي مع الشارع حالة استثنائية من المصداقية والشفافية انعكست على تدني أو صعوبة نشر الشائعات إلى الحد الأدنى.

ويمكن بسهولة ملاحظة هذا التطور في الإعلام المصري الذي كان يعاني من شح المعلومات، حتى أصبح عاجزا عن تبرئة نفسه من تهمة التضليل وإخفاء الحقائق عن الناس، حيث أضحى وزير الإعلام أسامة هيكل ضيفا دائما على الصحف والقنوات ليمد الناس بكل جديد يوميا، وترتب على غزارة المعلومات غلق الباب أمام منصات التواصل.

وأثبتت أزمة كورونا أن التقارب بين الجمهور ووسائل الإعلام معادلة ليست صعبة إذا سهلت الحكومة مهمتها في الحصول على المعلومة، ووجد القارئ والمشاهد ما يناسب احتياجاته حتى لا يضطر إلى مقاطعتها أو الذهاب إلى منابر أخرى.

وقال صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، إن الإعلام التقليدي عندما ينجح في توفير المعلومات المطلوبة جماهيريا في الوقت المناسب، فإن ثقة الجمهور تعود إليه، ويلجأ الناس لمتابعته، وهذه فرصة ثمينة أمام المؤسسات المملوكة للدول لتستعيد مصداقيتها عند الشارع لأن المواطن يريد أن يسمع صوت الحكومة ويعرف رؤيتها في الأزمة.

وأضاف لـ”العرب” أن المصداقية الإعلامية لا يمكن تحقيقها دون مساندة الحكومات، وهو الدرس الأهم في أزمة كورونا، فإذا أرادت سلطة ما استعادة دور الإعلام التقليدي وإقصاء المنابر العشوائية من المشهد، مثل منصات التواصل والمنابر المضللة، عليها أولا أن تفسح المجال أمام الأقلام والشاشات لتتناغم مع متطلبات الشارع، لا أن توجّه وفق رغباتها.

التقارب بين الجمهور ووسائل الإعلام معادلة ليست صعبة
الإعلام يستعيد مكانته الطبيعية

ما يعزز هذه القناعات، أن مصداقية الكثير من وسائل الإعلام العربية، وتعامل الحكومات بمزيد من الشفافية والمصداقية، لم يتسببا في ثورة الجماهير، أو خروج دعوات مناهضة للسلطات، بل صنعا حالة من الالتفاف والاصطفاف خلف المؤسسات الرسمية، حتى أن الناس نفسها أصبحت تقوم بدور المدافع عن بلادها ضد محاولات بعض المنابر تزييف الواقع.

وشن عدد كبير من المصريين هجوما حادا على صحيفة الغارديان البريطانية عندما ذكرت في تقرير لها قبل أيام، نقلا عن مصادر غير رسمية، أن أعداد المصابين بفايروس كورونا وصلت إلى قرابة 19 ألف حالة، وفي حينه سبق غضب الناس إجراءات الحكومة ضدها بسحب ترخيص مراسلتها في القاهرة، لقناعة الجمهور بأن الإعلام المحلي لم يعد يُخفي شيئا.

غير أن هناك بعض الآراء تقول إنه يصعب البناء على الحالة الراهنة في علاقة الجمهور بالإعلام، والتأكيد أن التصالح بين الطرفين وصل حد الطمأنينة، لأن الشارع في أوقات الخطر والغموض والكوارث تتزايد حاجته إلى الإعلام بغرض التوعية والتثقيف، ما يعني أن هذا التحول ليس مستداما، وقد تعود القطيعة إلى ما كانت عليه عندما ترجع الأوضاع لمسارها الطبيعي وتزول الأزمة.

وأكد ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامي، أنه يصعب التكهن باستمرارية النظرة الإيجابية من الجمهور تجاه وسائل الإعلام وقيامها بمهامها على أكمل وجه، لأن الناس بحاجة إلى المعرفة لظروف طارئة، وهذا لا يعني أن الإعلام هو من يحتاج للجمهور.

وأوضح لـ”العرب” أن الإعلام لم يكن فاشلا ثم نجح، ولم يكن عاجزا عن أداء المهمة ثم أصبح قادرا، وما جرى أن الجمهور تعلق به في وقت حرج كي يطمئن، وهذه من الأزمات الأسهل في التغطية التي لا تعكس قدرا من الاختلاف الذي يمثل المحك الرئيسي لعمل الإعلام.

ويقتصر الدور الراهن لوسائل الإعلام حاليا على الإبلاغ عن المستجدات وتقديم المعلومة والتوعية، وهذه مهمة لا تخضع للاختلاف في وجهات النظر أو تستدعي الاجتهاد والتغريد خارج السرب، أي أن التشابك ليس حاضرا، ويصعب الحكم القاطع على أن الإعلام استعاد المصداقية وثقة الجمهور لمجرد انسجامه مؤقتا مع بعض الحكومات.

ومن يراقب أداء الإعلام الأميركي الآن، يلاحظ أن هناك تصاعدا في حدة الانتقادات للرئيس دونالد ترامب، واتهامات عديدة بأنه أخفى أو تجاهل معلومات خطيرة حول كورونا.

ويرى متابعون أن التوافق النادر بين أداء الإعلام وقت الأزمات الصعبة وتصور الحكومة للاصطفاف والمساندة، وبين حاجة الناس إلى الطمأنينة والمعرفة والتوعية، يصنع لدى الجمهور صورة مغايرة للإعلام، بحكم أنه أصبح هناك تناغم بين كل الأطراف المتشابكة.

وأكد عبدالعزيز أن تقرب الجمهور للإعلام في الظروف الحرجة لا يعني أنه اجتاز أزماته لأن دوره الحقيقي يظهر في القضايا الخلافية، وثباته على هذه الحالة ليس مستحيلا شريطة أن تغير الحكومات من إستراتيجية تواصلها معه، وتدرس المؤسسات الإعلامية احتياجاته وأولوياته وتتفاعل معها، وتحيطه بالمعلومات بشكل فوري، حتى لا تتم العودة إلى العهد السابق، ويبدو الإعلام كمن يخاطب نفسه.

18