الإعلام التونسي صناعة سيئة الإخراج

الاثنين 2017/04/24

كان الاعتقاد السائد لدى الإعلاميين التونسيين، بعد القطيعة مع زمن التعتيم الإعلامي قبل ست سنوات، أن رحلة إصلاح القطاع بدأت وأنه حان الوقت لوضع القدم نحو الانفتاح أكثر على العالم، لكن لا شيء من ذلك يحصل.

فرصة إصلاح القطاع كما يراها الكثيرون من أصحاب المهنة، ولت إلى غير رجعة في اليوم التالي من سقوط الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وبات واقع الإعلام التونسي صناعة سيئة الإخراج، فلا مؤشرات أو دلائل توحي بأنه سيتطور رغم تكاثر وسائل الإعلام.

رداءة المضامين وتفاهة البرامج والإسفاف المبتذل ومخاطر الانتهاكات والاعتداءات اللفظية والجسدية على الإعلام والإعلاميين وبقاء القطاع دون محاسبة إلى جانب التجاذبات السياسية والمصالح الحزبية الضيقة، كلها عوامل تتقاطع مع الرغبة الحقيقية في الإصلاح.

لقد زادت من وطأة الأزمة التي تعيشها السلطة الرابعة مساعي لوبيات الضغط المتفشية في معظم وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، لإدخاله في مستنقع لا يمكنه الخروج منه. فالخطة مدروسة وبعناية فائقة. والأسوأ قادم. وهذا ما يحصل بالفعل.

مازال الإعلام التونسي يمثل منصة للتلاعب وممارسة الضغوط والتحيز وقد صارت مسرحا للمعارك السياسية والأيديولوجية الشرسة التي تدور رحاها بين كافة الأحزاب والتي تتجسد بين المعسكرين الخصمين في البلاد، النخب العلمانية والإسلاميون.

إطلاق حملة تطهير في قطاع الإعلام لكشف الفاسدين وكل من أضر بالمهنة وبشرفها يحتاج لشخصيات قادرة على إصلاحه. الواقع والتجربة يثبتان أنه لا توجد شخصية كاريزمية حتى الآن تستطيع فعل ذلك. الكل بات في سلة واحدة. الخوف والمال الفاسد يعمقان الأزمة.

هذا الملف المعقد الذي تتقاذفه جميع الأطراف منذ سنوات لا سيما مع رفض جهات رسمية الكشف عن وثائق تورط الفادسين يؤكد أن الإعلام التونسي يسير في الطريق الخطأ. المشكلة تتفاقم يوميا فهناك من يعتبر أن القطاع مجرد استثمار يدر الأرباح بينما يراه آخرون الدجاجة التي تبيض ذهبا عبر التعامل معه بعقلية الإداري الكسول.

لم تفهم قيادة النقابة الوطنية للصحافيين التي استعادت مكانتها بعد فوضى 2011 أنّها جزء من الأزمة الراهنة. لا يكفي التحرك من أجل مساعدة الصحافيين أو حضور الاجتماعات وتوسيم البيانات بختم النقابة. يُفترض أن النقابة دورها أقوى لتصحيح مسار الإعلام.

رغم أن الإعلاميين باتوا قادرين على اختبار الصحافة السياسية مباشرة من المصدر على سبيل المثال، ومع توفر الأسس اللازمة لبروز مشهد إعلامي غير منحاز ومتنوع، إلا أنهم يواصلون العمل من دون موارد دخل مقبولة وفي ظل معايير مهنية مثيرة للجدل. كما أن مستوى معظم البرامج ضحل للغاية.

المسألة لا تتعلق بالممارسة فقط، إذ أن التعليم والتدريب لهما دور جوهري في الارتقاء بالإعلام فمستوى معهد الصحافة وعلوم الإخبار في تراجع على ما يبدو. وهنا تبرز عقبة أخرى تتعلق بدور المعهد. فلو نظرنا إلى بريطانيا مثلا لا توجد فيها كليات إعلام في الجامعات التقليدية ومع ذلك لديها أفضل مستوى إعلامي في العالم.

صحيح أن حدود المسموح وغير المسموح لم تعد واسعة كما كانت عليه من قبل، لكن تلك الحدود ليست واضحة فالقطاع يفتقر لكوادر من الصحافيين المحترفين ولم يستوعب الكتاب والمذيعون، الذين دخلوا المهنة من باب التطفل والمحسوبية أو حتى خريجو الصحافة والإعلام، الأخلاقيات والممارسات المهنية التي تضمن تطور المشهد.

لا بد أن يكون من بين الأولويات الملحة ضمان توفير درجة من الأمان الوظيفي للصحافيين إذ طالما بقيت ظروف العمل تشكل مصدر قلق لهم لن تكون جودة المحتوى أولوية بالنسبة إليهم. هذه مشكلة مزمنة منذ زمن. لم يختلف الوضع كثيرا عما كانوا عليه في السابق واليوم.

تثبت صعوبة تغير الإعلام التونسي أن عملية الانتقال لا تتطلب تغيير هيكل النظام فقط، بل تتطلب إجراء تغييرات في صلب مؤسسات الإعلام. قد تحظى معارك الإصلاح هذه باهتمام أقل لدى الجهات الرسمية، لكنها مهمة بالقدر نفسه بالنسبة إلى نتائج العملية الانتقالية ككل.

في كل الأحوال، سيكون الإصلاح الفعلي لقطاع الإعلام أمرا مستحيلا دون إعادة النظر في مسألة التدريب وميثاق الشرف والممارسة لتأسيس معايير مهنية متماسكة في هذه الصناعة إلى جانب مساعدة الإعلاميين على التغلب على العادات المتكلسة والعمل بالسرعة القصوى على فرض واقع جديد في هذا القطاع.ب

كاتب وصحافي تونسي

18