الإعلام التونسي في مواجهة خطط الهيمنة

تقاطع مصالح وأجندات لترويض المؤسسات الإعلامية ومنع تقوية الهياكل التعديلية.
الأحد 2020/05/31
الحكومة تتخلى عن الصحف الورقية

فوضى المشهد السياسي وتداخل الأجندات بالتوازي مع ضعف الحكومات المتعاقبة كلها عوامل ألقت بظلالها على وضع قطاع الإعلام في تونس، في وقت يحاول العاملون به الحفاظ على أحد أهم مكاسب ما بعد ثورة 2011، وهي حرية الإعلام وتحويله إلى أمر واقع عبر النأي بالمؤسسات الإعلامية عن الاستقطاب السياسي. لكن هذا الخيار يواجه بحملات منظمة ومتعددة الفاعلين لاستعادة صورة الإعلام القديم، إعلام تحت الطلب.

عاد الجدل مجددا حول الإعلام في تونس بعد أن أعلنت حكومة إلياس الفخفاخ عن إجراءات بهدف مساعدة مؤسسات إعلامية قيل إنها تضررت من وباء كورونا، لكن هذه الإجراءات قوبلت بنقد شديد من دوائر سياسية وإعلامية وسط اتهامات للحكومة بأنها تحاول أن تعيد التحكم في الإعلام من بوابة الدعم المالي والإعلاني.

ومن المفيد التأكيد أن مشاكل الإعلام تعمقت بعد الثورة لاعتبارات عديدة طارئة من بينها ما هو مباشر مثل حل وكالة الاتصال الخارجي التي كانت تجمع بيدها الإعلان العمومي وتتولى توزيعه على المؤسسات الإعلامية بهدف إحداث نوع من التوازن في التمويل ومساعدة هذه المؤسسات على تكاليف الطباعة والبث والحفاظ على مردوديتها في توظيف العاملين في القطاع، وبعد حل المؤسسة الشهيرة بالـATCE غاب التوازن في حده الأدنى بين مؤسسات ضعيفة ومحدودة الانتشار اضطرت إلى الاختفاء أو الانكفاء للعمل بالحد الأدنى، وأخرى استطاعت الاستمرار بالحفاظ على توازنها المالي عبر الإعلان الخاص.

ضرب الاستقلالية

تجري الآن محاولات لإنشاء مؤسسة عمومية تؤدي نفس الدور في توزيع الإعلان الخاص بالمؤسسات الحكومية على أن تكون مؤسسة مستقلة، وتتجاوز مخلفات مرحلة وكالة الاتصال السابقة، لكن يجري تعطيلها في ظل غياب الحماس لدى الفاعلين السياسيين لإنشائها لأن هذه المؤسسة غير مضمونة ولا يمكن التحكم فيها وبالتالي ستصبح قوة نفوذ ومعارضة لأداء الطبقة السياسية.

وستمكن مؤسسة قطاعية مستقلة المؤسسات الإعلامية وهياكل المهنة من عنصر إضافي لتأكيد استقلاليتها المالية والسياسية، وهو ما لا يقبل به السياسيون وأغلبهم يستبطنون مقولة “إعلام العار” التي تحاول شيطنة قطاع واسع وجد في الثورة مساعدا له على استعادة دوره كقوة رابعة ذات دور حساس في إسناد الانتقال الديمقراطي ومنع تغول المؤسسة السياسية مجددا.

ويرفض بعض هؤلاء السياسيين إنشاء مؤسسة عمومية توفر التمويل المستقل للمؤسسات، ولو بحده الأدنى، بسبب مخاوف من تكرار تجربة هيئة الإعلام السمعي والبصري (الهايكا)، والتي وقفت بقوة ضد التوظيف السياسي للإعلام بالرغم من المآخذ التي يمكن أن تسجل عليها في أدائها، وصلابة موقفها من التوظيف السياسي، وخاصة من جهة الإسلاميين، يقف وراء محاولات الالتفاف على دورها سواء بتعديل المرسوم المنظم لعملها، أو تغيير الطاقم المسير لها، بزعم أنها مؤسسة انتقالية، ويحتاج البرلمان إلى إعادة تركيبتها بتوافقات جديدة اعتمادا على موازين القوى في البرلمان الحالي، وهو وضع يميل إلى القوى التي تعتقد أن الإعلام يناصبها العداء.

ويعمد البعض إلى تعطيل مشروع لإنشاء وكالة تتولى تدوير الإشهار بين المؤسسات الإعلامية خوفا من سيطرة الإعلام المهني عليها، على شاكلة الهايكا، ما يحولها إلى قوة تأثير لا تستطيع معه أي حكومة أن تستقطب الإعلام وتطوعه في خدمتها، ولم يكن الأمر مقتصرا على ضغوط حكومة الترويكا في 2012 و2013، ولكن الأمر استمر مع حكومات لاحقة سعت لتوظيف شبكة نفوذ داخل المؤسسات الإعلامية لتلميع صورة رئيس الحكومة والتسويق لمشاريعه وخوض معاركه.

سباق للسيطرة على الفضائيات الخاصة
سباق للسيطرة على الفضائيات الخاصة

ولا يقف العداء للإعلام على فئة واحدة من الأحزاب والجهات السياسية، ذلك أن الجميع ما يزال يستبطن أسلوب نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي في استيعاب الإعلام وتدجينه، وهي الصورة التي كانوا يعارضونها، لكنهم يسعون إلى استنساخها، بالرغم من أنك تسمع هنا وهناك تصريحات داعمة للإعلام لا تعدو أن تكون في سياق المناورة أو تسجيل مواقف ضد الخصوم، ما يجعل الهدف الأول للإعلاميين توحيد أداء وتحرك الجهات المنظمة لهم للمساهمة في توسيع ثقافة الاستقلالية ودعمها عبر صناديق واتفاقيات تستطيع حماية العاملين في القطاع من الاستقطاب والرشاوى وشراء الذمم، والقطع مع العمل العرضي في القطاع والكف عن مجاملة المؤسسات المشغّلة لحسابات شخصية أو انتخابية.

وكشف إعلان حكومة إلياس الفخفاخ عن ضخ أموال لتحسين أوضاع بعض المؤسسات الإعلامية المتضررة من الوباء عن حالة عداء واسعة للإعلام من دوائر مختلفة، سياسية واجتماعية وشعبية، وهو ما يجعل الهدف الأول للإعلام هو السعي إلى استراتيجية لتصويب الصورة التي تدفع فئات كثيرة إلى مناصبته العداء، وعدم الاكتفاء باتهام هذا الطرف أو ذلك.

ولعل هذه المراجعة تقف على الأسباب العميقة لهذا الموقف، بينها ما هو موضوعي، ذلك أن حرية الإعلام جاءت مع الثورة، والإعلاميون يحرصون على استثمارها كأقصى ما يكون حتى لو أدى الأمر إلى تجاوزات أو قفز على المهنية أحيانا، وذلك لمنع أي انتكاسة وقطع الطريق أمام محاولات وضع اليد على الإعلام، وخاصة الإعلام العمومي، الذي يلاحظ المتابعون فيه درجة استماتة قصوى في الدفاع عن المكسب الجديد، خاصة بعد الحملات التشويهية التي جاءت مع القوى الوافدة على المشهد السياسي.

لكن الحماس للحرية الجديدة والسعي للتعويض على سنوات غيابها يدفع ببعض الصحافيين إلى حماس يخلط المهني بالذاتي والحزبي، وهذا أمر يمكن تعديله بمرور الوقت في ظل انتخاب مجالس التحرير لمختلف المؤسسات، وهي النواة المهنية التي يمكن أن تضمن الحياد بما يعنيه من تصدّ للأجندات الحزبية وللوبيات النفوذ التي تتخفى وراء شراء بعض الفضائيات والمواقع والصحف، وهي نفسها التي تتقاتل للسيطرة على المؤسسات الإعلامية المصادرة، وخاصة منها صاحبة العراقة مثل دار الصباح، وهي أقدم مؤسسة إعلامية في البلاد.

حلول بعيون مغمضة

ليس هناك جهة واحدة تعادي الإعلام، بل هناك تقاطعات مصالح وأجندات وحسابات تلتقي حول أي الطرق لترويض الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية والسيطرة عليها، في استعادة لأسلوب النظام السابق الذي دأب كثيرون على انتقاده، ولكنهم يتسابقون للاستفادة من أسلوبه على أكثر من واجهة، وخاصة في تدجين الإعلام.

وإذا كانت حكومة الإسلاميين (الترويكا) قد جاهرت بعداء الإعلاميين بشكل علني عبر أدواتها الحزبية، ونتذكر هنا الاعتصام أمام مقر التلفزيون ورفع شعارات معادية لـ”إعلام العار”، فإن بقية الحكومات تعاملت معه وفق مخطط ناعم لترويضه يقوم على إظهار “التفهم” لأوضاع الإعلاميين في سياق الاستثمار السياسي والنأي بالنفس عن عداء الإسلاميين، وفي العمق كانت تجري محاولات تشبيك مصالح واستقطاب وإغراءات داخل المؤسسات الإعلامية لتطويعها لفائدة الحكومة، أو على الأقل إبعاد الوجوه المدافعة عن الاستقلالية عن الواجهة.

وطالما أن الهدف ليس هو المساعدة على تثبيت استقلالية الإعلام كقوة وازنة في دعم الانتقال الديمقراطي المتعثر بسبب ارتباك الطبقة السياسية وتناقضات في الأجندات والمصالح وغياب المقاربة الاقتصادية والاجتماعية، فقد جاءت الحلول والمبادرات لفائدة القطاع بعقلية ظرفية مصلحية مثل الإجراءات الحكومية الأخيرة التي وصفت بأنها أقرب إلى الرشوة منها إلى خطوات ضمن مسار الإصلاح، وفي أحسن الأحوال بأنها حلول بعيون مغمضة لا تعرف واقع القطاع ومشاكله.

الإسلاميون ينظرون إلى الهايكا كخصم سياسي يجب الإطاحة به لمنعه محاولات وضع اليد على الإعلام، وليس كمؤسسة تعديلية ذات دور استراتيجي

ولعل أبرز مؤاخذة وجهت لهذه الإجراءات أنها توجهت إلى المؤسسات الخاصة من فضائيات وإذاعات ومواقع إلكترونية، وهو ملعب خصب يمكن أن تناور فيه الحكومة وتعطي دعما ولو محدودا، وتأخذ مواقف وحملات مديح، فيما غاب فيها الاهتمام بالإعلام العمومي، الذي يبدو أن المسؤولين الحكوميين باتوا مقتنعين بصعوبة وضع اليد عليه لتراكم مفهوم الاستقلالية في الإعلام والقطاع العمومي ككل، وهو وضع باتت الحكومات المتعاقبة غير مرتاحة له.

واعتبر المحامي والناشط السياسي عبدالواحد اليحياوي أن المال العمومي الذي سيقدم إلى بعض القنوات الإعلامية، مشبوهة العلاقات والخط التحريري، يمثل فسادا ماليا مع شبهة الفساد السياسي باعتبار أن ذلك قد يكون رشوة سياسية تقدمها الحكومة.

وطالب اليحياوي الحكومة بدعم “الإعلام العمومي خاصة المصادر والمواقع الإلكترونية الجادة والصحافة الورقية على أن يكون ذلك وفق معايير موضوعية عبر مشاركة ممثلي الصحافيين والهايكا في اختيار معايير مساعدة المؤسسات الإعلامية”.

والمفارقة أن حكومة الفخفاخ استثنت الصحافة المكتوبة من الدعم في استبطان واضح لنهاية هذه الصحافة بدل دعمها ومساعدتها على تجاوز صعوباتها، وهي أكبر وأعمق من مخلفات كورونا، وتهم دعم حرية الإعلام كما تهم المئات من الصحافيين والفنيين الذين ربطوا مصيرهم بها. وكان الأجدر أن تبدأ الحكومة بحل هذه المعضلة الملحة بالتشاور مع ممثلي المهنة.

يذكر أنه من بين القرارات الحكومية لفائدة “قطاع الإعلام” اقتناء اشتراكات في النسخ الإلكترونية للصحف، من قبل الدولة والهياكل العمومية، في حدود 1.2 مليون دينار وتُقتطع من الاعتمادات المرصودة بالميزانية، بعنوان الاشتراكات في الصحف الورقية لسنة 2020 (الدولار = 2.890 دينار).

وكان القرار الأبرز هو التعهد الحكومي بالتكفّل بنسبة 50 في المئة من معلوم البث لسنة 2020، للقنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة، ما اعتبر مغازلة لبعض الفضائيات الخاصة المتخصصة في الشو الإعلامي، ومحاولة استثمار شعبيتها في دعم شخص رئيس الحكومة وخياراته واستضافة وزرائها في البرامج السياسية التي تلقى متابعة هامة. لكن هذا “الانحياز” يعود إلى اكتشاف الحكومة أن من الصعب عليها الاستثمار في كسب ود إعلامي عمومي متمسك في أغلب الأحيان بالحياد الإيجابي القائم على نقد أداء الحكومة والانتصار لمطالب الشارع.

ولم تخف نقابة الصحافيين التونسيين “خشيتها من وجود شبهات قوية تحوم حول خلفيات هذه القرارات، التي تستبطن مساعي للعودة إلى سياسة وكالة الاتصال الخارجي سيّئة الذكر لتلميع صورة الحكومة ورئيسها وشركائه في الحكم، في الوقت الذي يعاني فيه العاملون في قطاع الإعلام من وضع اجتماعي صعب. حيث كشف التقرير السنوي حول حرية الصحافة تسجيل 303 حالة طرد خلال الفترة الماضية”.

وذكرت النقابة باتفاقيات سابقة مع الحكومة تضم تفاصيل كثيرة، لعل أبرزها “بلورة سياسة عمومية تشاركية للتعجيل باستئناف مسار إصلاح قطاع الإعلام وإنقاذ الصحافة المكتوبة، لاسيما الورقية، مع ضمان الحريات الصحافية والتنوع والتعددية الإعلامية”. لكن يبدو أن الحكومة تريد أن تتصدى بأدواتها الخاصة بعيدا عن أي شراكة.

هجمة الإسلاميين

لا يقف العداء للإعلام على فئة واحدة من الأحزاب والجهات السياسية والمالية، ذلك أن الجميع ما يزال يستبطن تدجين الإعلام
لا يقف العداء للإعلام على فئة واحدة من الأحزاب والجهات السياسية والمالية، ذلك أن الجميع ما يزال يستبطن تدجين الإعلام

تعطي المقاربة الحكومية البراغماتية مع الإعلام، وغياب أي شكل من أشكال الحماية للمؤسسات الإعلامية ولمكتسب حرية الإعلام، الفرصة للإسلاميين بمختلف تلويناتهم للهجوم على القطاع الذي يعتبرون أنه وقف ضدهم في مختلف مراحل ما بعد الثورة.

ولا تقف هذه الهجمة المنظمة والمستمرة عند حد التصريحات والحملات التي تخوّن القطاع وتضع العاملين فيه تحت الضغط لإجبارهم على تغيير خطابهم، ولكنها تمتد إلى أشكال عملية من التسلل إلى القطاع القائم (اختراق مؤسسات قائمة سواء من خلال علاقات سياسية مع المالكين، أو من خلال الشراكة المالية عبر رجال أعمال وشخصيات غير معروفة في الميدان)، أو عبر خلق بدائل سواء من بوابة فضائيات مثل الزيتونة أو المتوسط أو صحف ومواقع سرعان ما تتوقف لغياب الرؤية الإعلامية قبل التمويل.

وإذا كانت مناورة خلق البدائل أمرا مشروعا، وإن كانت تفتقد للرؤية وتهيمن عليها أولوية السياسي، فإن ما يزعج العاملين في القطاع هو الحملات من بوابة البرلمان والاستعانة بالقوة العددية لتغيير واقع قطاع يفترض أن تحصل شراكة وطنية واسعة حول أسس تطويره بدل الاحتكام إلى منطق المغالبة والفتوة من داخل مؤسسة تشريعية تعيش صراعات واصطفافات محلية وإقليمية لا تسمح لها بأن تفكر بعقلانية، أو أن تكون مرجعا في التغيير.

ويمكن النظر إلى استهداف مؤسسة الهايكا كقوة تعديلية في قطاع الإعلام السمعي والبصري كدليل على صعوبة الاحتكام إلى البرلمان كجهة تطويرية، فممثلو ائتلاف الكرامة (إسلاميون متحالفون مع حركة النهضة) ينظرون إلى الهايكا كخصم سياسي عنيد يجب الإطاحة به وفتح الباب أم التدخلات الحرة في الإعلام، وليس كمؤسسة تعديلية ذات دور استراتيجي يحتاج إلى المزيد من الضبط الإجرائي وتوفير الصلاحيات لخدمة مستقبل الإعلام.

وإذا كان القائمون على الهايكا حاليا يظهرون في صورة خصم سياسي، فإنهم سيخرجون ويأتي غيرهم، لكن الذي يبقى هو وجود قوة مهمة في ضبط الإعلام والحفاظ على مهنيته وإبعاده عن سيطرة اللوبيات المالية والمجموعات الحزبية، وبينها الإسلاميون.

وكانت منظمات مدنية وحقوقية وإعلامية قد احتجت على مساعي “ائتلاف الكرامة” لتعديل المرسوم 116 المنظم لعمل الهايكا وإعطاء البرلمان صلاحية اختيار أعضائها، ما يحولها إلى هيئة سياسية تخضع للحسابات الحزبية. واعتبرت هذه المنظمات أن ما يجري في البرلمان ليس سوى “حلقة جديدة في مُسلسل طويل، يهدف إلى إضفاء مزيد من الفوضى على المشهد الإعلامي، وإخضاعه لهيمنة أحزاب ومراكز نفوذ سياسية ومالية”.

وبالنتيجة، لا أحد في المشهد السياسي ينظر إلى المستقبل في التعاطي مع الإعلام، والكل يريد أن تكون له اليد الطولى على القطاع.

6