الإعلام التونسي وفخ الإرهاب

الأربعاء 2015/04/01

لا أحد يمكنه إنكار مدى حريّة التعبير التي أضحت تغمر الإعلاميين ووسائل الإعلام في تونس بعد الثورة، غير أنّ هذا السقف العالي من الحريّة لم يحُلْ دون انزلاق البعض في متاهة التضخيم والتلاعب بالصور والمعلومات وانتهاك أخلاقيّات الصحافة، ولاسيّما عند معالجة القضايا ذات الصلة بالإرهاب.

لم يكن عسيرا أن نلاحظ، خلال الأيام السابقة، كيف تحوّلت ممارسة مهنة الصحافة وإنارة الرأي العام إلى سباق محموم لاستقطاب أكبر عدد من المشاهدين أو القرّاء، فقد أضحت وسائل الإعلام التونسية تلهث وراء ما تعتقد أنّه سبق صحفي يحقّق لها مزيدا من الانتشار، بصرف النظر عمّا لذلك من تداعيات خطرة.

ولم يعد غريبا أن نستشعر، بين الفترة والأخرى، وجود توافق عجيب بين وسائل الإعلام والجماعات الإرهابية، فقد تتطوّع بعض الصحف أو القنوات التلفزيونيّة، بما في ذلك الفضائية التابعة للقطاع العام، بنشر صور فظيعة لجنود قتلى أو منكّل بهم، تحت شعار “حصري”، أو لا تمتنع عن بثّ آراء لا عنوان لأصحابها، غير إثارة الفوضى والتشكيك في هويّة زارعي الإرهاب.

أصبح اليوم معلوما أنّ أفضل خدمة للجماعات الإرهابيّة تكمن في تيسير آليّات بثّ الرعب في النفوس، والسقوط في تبرير جرائمها تحت أيّ عنوان، ذلك أنّ حريّة تداول المعلومات لا تعني إبداء تعاطف مع إرهابيين سمحت لهم بعض الفضائيات بولوج كلّ البيوت التونسية.

هذا التخبّط والخلط غير المسبوقين بين الدور الفعلي لوسائل الإعلام مقابل إفراطها في الإثارة والتلاعب بالعقول على غرار التشكيك في هويّة الإرهابيين، دفعا النيابة العموميّة، الأسبوع الماضي، إلى إصدار قرارِ بمنع بثّ جزء من برنامج بقناة “الحوار التونسي” تضمّن روايات مثيرة لشاهدتي عيان عن هجوم متحف باردو، تتواءم مع التضليل الدعائي للجماعات الإرهابيّة.

وما يثير مزيدا من الارتباك أنّ بعض الفضائيّات التونسيّة صارت، بسعيها الدائم إلى إثارة الجدل بدلا من البحث عن الحقيقة، تروّج مضامين تتجانس مع أجندات أجنبيّة لا همّ لها سوى إثارة الفتنة بين التونسيين. فلا يخفى عن المتابع الحصيف للشأن التونسي أنّ بعض الدول المعروفة بدعمها غير المحدود للإخوان والجماعات المتشدّدة قد جنّدت وسائل إعلامها، خلال الفترة الماضية، للنفخ في غول النظام القديم “العائد بقوّة” حسب منطوقها، مُعوّلة على نظريّة المؤامرة في توصيف الوضع الأمني في تونس من جهة، ولدسّ السمّ في الدسم عبر توجيه أصابع الاتّهام إلى الأجهزة الأمنيّة بارتكاب تلك الجريمة الفظيعة ضدّ السياح والمدنيين من جهة أخرى.

فخّ الإرهاب الذي سقطت فيه بعض وسائل الإعلام التونسيّة له أوجه متعدّدة، فالإخلال لا يعود إلى قلّة الخبرة والسعي إلى التميّز والتسرّع والتعويل على سلاح الإثارة وحسب، بل يتعدّى كلّ ذلك ليندرج ضمن أجندات ودوافع تتماهى أحيانا مع مرئيّات الجماعات المتشدّدة، وخاصّة في حال تدخّل المال السياسي، لاسيّما أنّ عددا من الصحف المدّعية للاستقلاليّة في تونس يُعرف من يقف وراءها تمويلا وتحديدا لأجندة تختصّ بتلميع صورة من التصقت بهم شبهة دعم الإرهاب.

وقد بلغ الأمر بفضائية تونسية كبرى أن استضافت، منذ فترة، أعضاء بإحدى الميليشيات الليبية المتشدّدة للدفاع عن الوجه الديمقراطي الجديد لزعيم سابق لجماعة جهادية موالية لتنظيم القاعدة، بعد أن ارتدى بزّة من الطراز الغربي وخفّف من لحيته الشرعيّة. كما سبق لفضائيّة تونسيّة أخرى أن حاورت إماما متشدّدا ينتمي إلى السلفية الجهادية، لم يتردّد في وصف إرهابيين قُتلوا في مواجهة مع الأمن التونسي بـ”الشهداء” على الهواء مباشرة، والأكثر من ذلك أنّه رفع كفنا مُكفّرا وزيرا للداخلية آنذاك، وداعيا الشباب التونسي إلى النفير ضدّ من يصفهم بالطواغيت.

تلك أمثلة لما يُسمّى بـ”المشهديّة” التي تبحث عنها وسائل إعلام تونسيّة عديدة في طرحها لقضايا الإرهاب، غير أنّ صناعة “الفُرجة” ومسرحة الإعلام بهدف استدراج عاطفة الجمهور وتحقيق مكاسب ماديّة، من شأنهما أن تؤديا إلى نتائج خطرة، ما دامتا لا تكترثان بأهميّة مسؤوليّتهما الاجتماعيّة والأخلاقيّة والقانونيّة، تجنّبا لفخاخ الإرهابيين.

18