الإعلام التونسي يتعامل مع قضايا الطفولة كعنصر للإثارة

"الهايكا" تعكف على إنجاز دليل متكامل حول التناول الإعلامي للمواضيع المتعلقة بالطفل في ظل انتشار البرامج التي تنتهك حقوق الطفل في وسائل الإعلام التونسية.
الجمعة 2019/04/12
محتوى غير مدروس

يؤكد المختصون أن البرامج الخاصة بالطفولة لا تجد لها مكانا في الإعلام التونسي، وبدلا من ذلك يتم تناول قضايا الأطفال دون مسؤولية وبقالب من الكوميديا لا يراعي أعمارهم، فيما تؤكد الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري أنها ترصد المخالفات وبصدد إصدار دليل متكامل حول التناول الإعلامي لمواضيع الطفل.

تونس- أكدت راضية السعيدي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا”، في تونس أن الإعلام الخاص هو الأكثر انتهاكا لحقوق الطفل، مشيرة إلى أن مختلف الانتهاكات أو الإخلالات المسجلة كانت تقريبا في القنوات التلفزيونية الخاصة.

وأفادت أن الهيئة اتخذت في السنوات الأخيرة حوالي 23 قرارا في مجال انتهاك حقوق الطفل تعلقت بلفت نظر والتنبيه وإيقاف مؤقت للبرنامج أو الفقرة وغرامة مالية في البرامج التلفزيونية.

وأضافت السعيدي خلال ندوة حول “حقوق الطفل في الإعلام السمعي البصري” أن “الهايكا” تقوم برصد مختلف الإخلالات التي تنتهك حقوق الطفل في وسائل الإعلام التونسية، مشيرة إلى أن ‘الهايكا’ عند إعدادها لكراسات الشروط للحصول على رخصة قناة تلفزيونية أو إذاعية أفردت ملحقا خاصا بكيفية التعاطي والتناول الإعلامي لمواضيع الطفل.

وأثارت العديد من البرامج على القنوات التونسية موجة جدل حاد في الآونة الأخيرة بعد تناولها محتوى اعتبر مسيئا للأطفال، وأقرت “الهايكا” عقوبات على بعض البرامج والقنوات التلفزيونية، حيث قضت بتغريم قناة التاسعة الخاصة بغرامة مالية قدرها عشرة آلاف دينار (الدولار=3 دينار تونسي)، وإيقاف فقرة المحقق بلال من برنامج اضحك معنا لمدّة أسبوعين وسحب الفقرة التي بثت يوم 18 ديسمبر 2018 من الموقع الإلكتروني للقناة ومن جميع صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها، وعدم إعادة بثها أو تداولها، نظرا لما تضمنته من انتهاك لمصلحة الطفل.

وتضمنت الفقرة المذكورة استضافة طفلة صحبة والدتها لعرضهما على جهاز كشف الكذب وإيهامها بأنّها ليست ابنتها وتعريضها للضغط النفسي دون مراعاة لسنها ولدرجة نضجها وسخرية مقدم البرنامج بمشاركة الأمّ على ردة فعلها المتمثلة في دخولها في نوبة من البكاء.

كما وجهت الهايكا إنذارا شديدا لقناة “تونسنا” الخاصة يتعلق ببرنامج “لا كلاس” (الصف المدرسي)، حيث ظهر فيه أحد السياسيين وهو يوجّه انتقادات حادة واتهامات لخصومه السياسيين، فضلا عن تهكمه وسخريته اللاذعة من شخصيات سياسية أخرى. وذلك خلال تقمّصه شخصية المعلم في صف مدرسي، حيث يقتضي البرنامج أن يقوم السياسي بالإجابة على أسئلة التلاميذ الأطفال، بغض النظر عن طبيعتها.

برنامج "لا كلاس" تسبب بعاصفة من الانتقادات
برنامج "لا كلاس" تسبب بعاصفة من الانتقادات

وتسبب البرنامج بعاصفة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، وكتبت الباحثة فتحية السعيدي في تدوينة على فيسبوك “حذار من التلاعب بعقول أجيال قادمة، وخاصة إقحامها في معارككم السياسية الرخيصة، ألا تعلم معدة البرنامج ومدير القناة أن تونس مصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل؟ لئن كانت فكرة البرنامج مهمة من حيث التصوّر النظري فإن المضمون الذي يروج في هذا البرنامج لا علاقة له بالقيم وبالمبادئ التي من المفروض تمريرها للناشئة كما أن مضمونه فيه توجيه وتلاعب بالعقول الصغيرة لغاية استعمالها لتوجيه رسائل سياسية وتقديرات ذاتية”.

وأصدرت وزارة المرأة والطفولة بيانا أكدت فيه أن “ما تم عرضه في البرنامج المذكور، لا يمت بصلة لتكريس حق الطفل في المشاركة في الحياة السياسية أو حقه في التعبير حيث كان جليا استغلال الأطفال من خلال إسقاط مواقف شخصية للمشارك في البرنامج، وذلك تجاه أشخاص أو أحزاب، بالإضافة إلى وجود تحريض بارز من خلال إعطاء أوصاف سلبية لشخصيات مما يؤدي حتما لنشر أفكار تعصب وكراهية لدى الأطفال المشاركين في البرنامج والمشاهدين، وهو ما يتعارض مع مقتضيات الفصل الـ19 من مجلة حماية الطفل”.

ودعت الوزارة إلى “عدم إقحام الطفولة في النزاعات السياسية، حيث تم تسجيل مشاركة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و9 سنوات، والتطرق إلى مواضيع لا تحترم أعمارهم ولا درجة نضجهم، وضرورة احترام حقوق الطفل وعدم إقحامه في التجاذبات السياسية”. وقالت الوزارة إنها بصدد توجيه شكوى للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بهدف النظر في الموضوع بما يكرس مصلحة الطفل الفضلى.

ومن جهته أكد معز الشريف رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل أن الإعلام السمعي البصري التونسي يتعامل مع قضايا الطفولة كعنصر للإثارة وأنه في كل مرة يتم تسجيل اعتداءات أو انتهاكات جسيمة، ولاسيما الاعتداءات الجنسية ويكون الطفل الضحية في صميم تناول الإعلام السمعي البصري ليكون تعاطيا مناسباتيا.

وعبر عن استغرابه من عدم وجود برامج مهيكلة وثابتة تعنى بالطفولة والشباب؛ هذه الشريحة التي تمثل 30 بالمئة من الشعب التونسي، مشيرا إلى أنه من الضروري والمهم بث برامج خاصة بالطفولة والشباب على مدار السنة في وسائل الإعلام السمعي البصري والتطرق إلى مشاغل اليافعين واليافعات.

23 قرارا للهايكا في مجال انتهاك حقوق الطفل في البرامج التلفزيونية التونسية

كما أقر الشريف بالدور الهام الذي يضطلع به الإعلام السمعي البصري في إنارة الرأي حول الانتهاكات التي تطال الطفولة على غرار الانتهاكات الجسدية أو التعذيب، غير أنه عاب على الطرق التي يتم بموجبها التعاطي مع مثل هذه الملفات الحساسة.

وبيّن أنه من الضروري عند تناول موضوع الطفولة عدم المس من المعطيات الشخصية عبر عدم ذكر المنطقة السكنية التي يقطن فيها الطفل أو حتى مدرسته. وتعكف “الهايكا” على إنجاز دليل متكامل حول التناول الإعلامي للمواضيع المتعلقة بالطفل خلال عام 2019.

وقالت إن الهدف من الندوة هو توعية الإعلاميين بأهمية حماية الأطفال في القطاع السمعي البصري وخاصة حماية حقوقهم والمساهمة في إثراء الإنتاج السمعي البصري الموجه لهذه الشريحة، مبرزة أن “الهايكا” لاحظت أن الإنتاج الإعلامي الموجه للطفل غائب تماما.

18