الإعلام التونسي يدخل في دوامة تصفية الحسابات السياسية

اتهمت مديرة إذاعة تونسية قياديا في حزب نداء تونس بتلقيها تهديدا منه، لتغيير الخط التحريري للإذاعة واستهدافها، ما أثار استنكارا في تونس، واعتبرته نقابة الصحافيين وتيارات سياسية عديدة أنه بمثابة عودة إلى أساليب الترهيب القديمة.
الاثنين 2017/07/24
أعداء اليوم أصدقاء الأمس

تونس - تخشى نقابة الصحافيين التونسيين من مخاطر تهدد حرية الصحافة والتعبير الذي تعتبره أبرز مكسب لثورة 2011، وتتمثل بتدخلات الحكومة وبعض السياسيين ومحاولتهم فرض إملاءاتهم على وسائل الإعلام، في حين لا يزال الجدل متواصلا حول مشروع قانون لزجر الاعتداءات على عناصر الأمن، وتداعياته على الحريات الصحافية والإعلامية في البلاد.

وأثارت أنباء عن تهديد برهان بسيس القيادي في حزب نداء تونس لمديرة إذاعة “كاب أف أم” الخاصة، من أجل تغيير سياستها الإعلامية، استنكارا في تونس وطالب العديد من الصحافيين بإحالة القضية إلى القضاء.

وقالت ألفة التونسي مديرة إذاعة كاب أف أم الخاصة، على صفحتها بموقع فيسبوك “تلقيت مكالمة هاتفية من برهان بسيّس يعلمني فيها أن اجتماعًا انعقد في مقر حزب نداء تونس حول إذاعة كاب أف أم، تم خلاله التعبير عن عدم رضا قيادة حزب النداء على أداء الخط التحريري للإذاعة، بسبب استدعاء القيادي السابق في الحزب ذاته، الأزهر العكرمي، في البرنامج الصباحي”.

واعتبرت التونسي أن المكالمة الهاتفية تهديد في حقها وحق الإذاعة وهي بمثابة العودة إلى الأساليب القديمة، بالرغم من أن إذاعة كاب أف أم في منأى عن أي صراع سياسي، وفق قولها.

وأشارت التونسي، أنها ليست المرة الأولى التي يحاول فيها بسيّس التّدخل في الخط التحريري للإذاعة واستهدافها، حيث سبق له أن اتصل بها منذ سنتين للتّدخل لصالح أحد أطراف الصراع في ليبيا وقالت إن لديها كلّ الإثباتات على كلامها وستقدمها الاثنين إلى النيابة العمومية.

وتدخلت نقابة الصحافيين التونسيين في القضية، واعتبرت في بيان لها السبت، أن قيام المستشار السياسي لحزب نداء تونس برهان بسيس بالاتصال بمديرة إذاعة كاب أف أم وتهديدها على خلفية محتوى إعلامي بالإذاعة، يعد مؤشرا خطيرا على عودة ممارسات الاستبداد، وطالبت النيابة العمومية بفتح تحقيق حول الأمر.

ناجي البغوري: نقابة الصحافيين لا تعارض مبدأ توفير الحماية القانونية لعناصر الأمن

ودعا نقيب الصحافيين ناجي البغوري، في تدوينة له على صفحته في فيسبوك، إلى إيقاف بسيّس بتهمة الإيهام بنفوذ، باعتباره في حالة تلبس بارتكابها، بشهادة مديرة إذاعة كاب أف أم.

من جهته نفى برهان بسيس ما وُجّه إليه من اتهام، مؤكدا أن اتصاله بالمسؤولة في الإذاعة، يتعلق فقط بإبراز عدم توزان في الإذاعة، وعبر بسيس عن تفاجئه بالاتهامات الموجهة إليه، وقال في تدوينة نشرها على صفحته في فيسبوك إنه فوجئ بما كتبته ألفة التونسي مديرة إذاعة كاب أف أم، وإنه اقتصر على ملاحظة حول عدم مهنية معلقها الإذاعي الصباحي (العكرمي) وجنوحه للسب والشتيمة بشكل متكرر في حق نداء تونس وهتك أعراض أشخاص تهمتهم أنهم في قيادة نداء تونس بشتائم لا تقبلها الأخلاق ولا القوانين دون أن يعطى للنداء أي حق في الرد.

وأضاف بسيس أنه لفت نظرها إلى أن ما يجري على لسان المعلق الإذاعي هو تصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بالعمل الإعلامي، وأن ألفة التونسي توهمت تهديدا لم يحصل.

وعلقت أحزاب وجهات سياسية على الحادثة التي اعتبرت بمثابة قضية رأي عام، تتعلق بحرية الصحافة والإعلام في البلاد، حيث اعتبر الأمين العام لحركة مشروع تونس، محسن مرزوق، ما أعلنته ألفة التونسي، عن وجود ضغوط وتهديدات تعرضت لها لتغيير الخط التحريري لإذاعة كاب أف أم، “خطيرًا وخطيرًا جدًا، إذا تأكد”.

بدوره ندد حزب التيار الديمقراطي في بيان، بكل شبهة تدخل من الأحزاب الحاكمة في عمل الإعلاميين والخط التحريري لوسائل الإعلام، وأشار إلى “استفحال مظاهر تأثير السياسيين في الإعلام إما بالتهديد أو بالترغيب، وهذا من شأنه أن يفرغ الديمقراطية من محتواها ويجعل الاستحقاقات الانتخابية مجرد مسرحية لتزييف إرادة الشعب”.

ورغم تضامنها مع الإذاعة، أشارت نقابة الصحافيين إلى أن “رفضها المبدئي للضغوطات على إذاعة كاب أف أم لا يعفي إدارة المؤسسة من التنصل من الحقوق المادية والمهنية للعاملين في الإذاعة والذين يخوضون تحركات مشروعة منذ أسابيع لضمان أبسط حقوقهم والتي كانت محور لقاء بين الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والنقابة، وطالبت بضرورة مراجعة رخصة بث هذه المؤسسة أسوة بمؤسسات أخرى لم تحترم قوانين الشغل”.

وتأتي هذه الحادثة مع تصاعد الجدل حول مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح، حيث اتخذت النقابة موقفا رافضا له، ودعت مع عدد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، إلى سحبه من مجلس نواب الشعب، وإلغاء مناقشته نهائيا، باعتباره “يهدد حرية التعبير في تونس”.

واعتبر النقيب البغوري أن الهدف من هذا القانون ليس حماية الأمنيين بقدر ما هو الحد من الحريات.

وبين أن نقابة الصحافيين وغيرها من المنظمات لا تعارض مبدأ توقير الحماية القانونية للأمنيين، لكن من خلال مدونة سلوك تضمن الحقوق الاجتماعية والمادية والجسدية لهم.

ولم يتم التوصل إلى تفاهم بين النقابة والحكومة في ما يخص مشروع القانون، إذ أكد وزير الداخلية الهادي مجدوب، الأربعاء بمقر الوزارة بالعاصمة، على تمسك الوزارة بمشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح. وقال مجدوب في تصريح إعلامي، “إن المصادقة على هذا المشروع أضحى ضرورة ملحة لحماية الأمنيين إزاء ما يتعرضون له من اعتداءات متواصلة”، مشيرا إلى استعداد الوزارة للتحاور مع مكونات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الرافضة لمشروع القانون، والتي تعتبر أنه يتضمن عدة نقائص ويمس بحقوق الإنسان.

18