الإعلام التونسي يغرق بالبيانات الرسمية في تغطية كورونا

معاضدة جهود الحكومة في مجابهة أزمة كورونا لا تعفي الصحافة من مساءلتها.
الثلاثاء 2020/04/21
التزام تام بالمصادر

غاب التقصي والتفسير عن تغطية وسائل الإعلام التونسية لوباء كورونا، وجاءت المعالجة الصحافية ملتصقة التصاقا شديدا بالمصادر الرسمية مما لم يتح لها فرصة مساءلة الطبقة السياسية عن مجابهة الجائحة.

عندما يُساق خبر في نشرة تلفزيونية في ثلاث عشرة ثانية في الدقيقة الحادية والأربعين، ضمن كوكبة من الأخبار الأخرى، فذلك يعني في معايير الصحافة أن لا قيمة للخبر في نظر المؤسسة الصحافية المعنية.

ذلك ما فعله التلفزيون التونسي في 31 يناير في النشرة الرئيسية بإعلان منظمة الصحة العالمية أن تفشي فايروس كورونا أصبح “يشكل حالة طوارئ صحية عامة ذات بعد دولي”.

كان ذلك هو الإعلان السادس في تاريخ المنظمة منذ إنشائها عام 1947 وهو معيار آخر لتعيير الأخبار يدركه الصحافيون، هو معيار الندرة أو معيار ما هو غير مألوف من الوقائع، علاوة على معايير أخرى لم ينتبه إليها التلفزيون التونسي وعلى رأسها معيار الوقع على الناس لما يوحي به إعلان المنظمة من توقعات تنذر بخطر الفايروس القاتل.

جاءت معالجة الصحافة التونسية لجائحة كورونا، من حيث حجم المضامين المخصصة لها، معالجة تدل على إدراك الأخطار القائمة والقادمة غير أنها كانت معالجة ملتصقة التصاقا شديدا بالمصادر الرسمية ينقصها التقصي والتفسير مما لم يتح لها فرصة مساءلة الطبقة السياسية عن مجابهة الجائحة. إن معاضدة مجهود الحكومة لا تعفي الصحافة من أن تسائلها.

فبينما قللت الصحافة التونسية من شأن إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة، أفاضت في تغطية الندوة التي عقدها رئيس الحكومة في 29 يناير مع كبار المسؤولين في وزارة الصحة عن الاستعدادات للجائحة. خصص التلفزيون التونسي مساء ذلك اليوم عشرين دقيقة لكورونا استهل بها نشرته، ثلاثة أرباعها استضاف فيها مديرة المعهد الوطني للأمراض الجديدة.

أصبحت نصاف بن علية، مديرة المعهد، على امتداد أسابيع مصدر الأخبار عن الفايروس من خلال الندوة اليومية، التي يحضرها أحيانا كثيرة وزير الصحة، قبل عدول الوزارة عن تلك الندوات التزاما بالحجر وتعويضها ببيانات يومية تحصي فيها عدد المصابين الجدد ومآلهم وعدد المتوفين وعدد من تعافوا إن حدث.

وخصصت بعض الصحف ركنا دائما لمتابعة تلك الندوات ثم البيانات منها موقع إذاعة موزاييك، التي تأتي على رأس الإذاعات انتشارا، جعل ركنا سماه “كورونا في تونس: متابعة حينية” ينشر فيه أخبارا منذ 2 مارس تبدأ كلها دون استثناء بعبارة لا تتغير “أعلنت وزارة الصحة” أو “أعلنت مديرة المرصد”.

عمل صحافي اقتصر على تغطية الندوات الحكومية
عمل صحافي اقتصر على تغطية الندوات الحكومية

وتنشر وسائل الإعلام على اختلافها، من مطبوع ومسموع مرئي وإلكتروني، أخبارا أخرى مأخوذة عن غير وزارة الصحة غير أنها تبقى مصادر رسمية. مثلا موقع “بزنس نيوز” يجمع تحت رابط واحد مئات المقالات التي نشرها عن الفايروس منذ بداية مارس مما ييسر الاطلاع عليها للتأكد من مصادرها الرسمية.

قد يبدو منطقيا بالنظر إلى طبيعة الجائحة أن تكون الأخبار كلها مأخوذة عن مصادر رسمية من وزارات وغيرها من مؤسسات الدولة، التزاما بمعاضدة مجهودها، غير أن ذلك يفضي بالضرورة إلى الإفراط في النقل مما يعني الاكتفاء بوجهة نظر واحدة وهي وجهة النظر الرسمية. وكغيرها من مجريات الأحداث يقتضي الحديث عن كورونا الذهاب إلى ما بعد النقل وما بعد المصدر الواحد أي إلى التقصي بهدف التفسير.

ذهب بعض الصحافيين في النشرات وفي الاستوديوهات خاصة إلى مصادر “رسمية” غير تونسية وهو ما يعود بهم إلى النقل تارة وإلى الاستنتاج تارة أخرى. ففي برنامج “تونس اليوم” في قناة الحوار التونسي 3 فبراير، تحدث المعلقون عن جائحة كورونا مدة ست دقائق تعرضوا فيها إلى بيان أصدرته سفارة الصين في تونس تدعو فيه إلى تجنب التضخيم.

علقت مقدمة البرنامج على بيان السفارة بالقول “كورونا نوع من النزلة العادية” لتضيف معلقة أخرى في المعنى نفسه “هناك تضخيم من الجانب الغربي، كورونا لا يختلف عن إنفلونزا الخنازير”. كان السياق يقتضي التذكير بما لامته منظمة الصحة العالمية على الصين بسبب صمتها في بداية ظهور الفايروس والتذكير بما نشرته الصين نفسها في 31 ديسمبر عن “مرض يؤدي إلى التهاب رئوي خطير مجهول السبب” والإخبار عن إعلان منظمة الصحة العالمية يومها “أن كل بلدان العالم معرضة لخطر كورونا وعليها الاستعداد لذلك”.

إن كان يُقصد من ذلك طمأنة الناس فهي في غير محلها لأن بلدان الاتحاد الأوروبي كلها إلا فرنسا علقت يومئذ العمل بالتأشيرات بينها وبين الصين. وكانت الصين أعلنت في 26 يناير أن أشخاصا مصابين بالفايروس لا يحملون أي عوارض وأنهم ناقلو عدوى بعد أن وضعت ستين مليون شخص في 25 يناير في حالة حجر صحي كامل في إقليم هوباي حيث توجد مدينة ووهان منطلق الفايروس. فهل هو وضع مطمئن فعلا؟

الحديث عن كورونا يقتضي الذهاب إلى ما بعد النقل وما بعد المصدر الواحد أي إلى التقصي بهدف التفسير

ويظهر ضعف التفسير، الذي يسيء إلى النقل، في قراءة قرار منظمة الصحة العالمية بإعلان حالة الطوارئ وهي القراءة التي أدت بالتلفزيون التونسي إلى الإخبار عنه في ثلاث عشرة ثانية وبعدد من الصحف إلى الإخبار عنه في ثلاثين كلمة. كانت العودة إلى تعريف حالة الطوارئ كافية لإدراك خطورة الأمر وهي حالة تُعلن “بحدوث وضع صحي خطير أو مفاجئ أو يحمل تداعيات على الصحة العامة خارج مكان ظهوره أو أن الحدث يتطلب إجراءات دولية فورية”.

لقد استحسن التونسيون البرنامج اليومي الذي يبثه التلفزيون التونسي عن كورونا وتقدمه الصحافية عواطف الصغروني التي دأبت على تقديم البرامج الصحية فتخصصت فيها.

ويبين ذلك قيمة البرامج التي يحضرها مختصون ويقدمها مختصون بسبب بعدها التفسيري غير أن طبيعة ذلك البرنامج لم تكن تسمح بدعوة سياسيين لمساءلتهم.

لم يكن مقبولا لا من الصحافة ولا من السلطة أن تروج خطابا مطمئنا في ضوء تلك المعطيات وإن لم يكن مطلوبا ترويع الناس. كانت المسؤولية تقتضي الفهم للإفهام كما كانت تقتضي النظر أولا إلى الوضع التونسي بالاستعانة بتجارب بلدان أخرى. فمن غير المسؤولية الاستنتاج رأسا بأن الحكومة التونسية ستمدد في حالة الحجر الصحي العام بعد 19 أبريل “لأنّ الرئيس الفرنسي ماكرون قرر تمديده إلى 11 مايو” في فرنسا كما ذكر أحد المعلقين على بلاتوه تلفزيون التاسعة بعد حوار الرئيس الفرنسي في 8 أبريل.

وقد غاب التقصي أحيانا كثيرة في ما تقوله المصادر الرسمية وغير الرسمية. فيوم استفاضت وسائل الإعلام في الحديث عن ندوة رئيس الحكومة، في 29 يناير وبعدها، لم تقف عند قوله “اتخذنا كل الاحتياطات الضرورية ووفرنا كل الموارد اللازمة للوقاية من الفايروس”. لم تبحث الصحافة في معنى “الاحتياطات الضرورية” ولا “الموارد اللازمة”.

ولم تأت مديرة المعهد الوطني للأمراض الجديدة، التي تحدثت ربع ساعة في الاستوديو، على ذلك ما عدا الإجراءات الاحتياطية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية من مراقبة نقاط العبور وفحص القادمين من أماكن موبوءة ومن بروتوكول تعامل المواطنين مع الفايروس وما شابه. لم تُثَر وقتها قضية النقص المخيف في الأسرة المجهزة للإنعاش ولا قضية التحاليل السريعة لاستباق العدوى ولا قضية أجهزة التنفس ولا قضية الكمامات ولا قضية السوائل المطهرة.

لم يُثَر شيء من ذلك طالما لم يتحدث عنه وقتئذ مصدر رسمي. كان الاكتفاء بنقل الأقوال والأفعال والاستنتاج منها سمات التغطية الصحافية. وهي خطوات ضرورية غير أنها ليست كافية.

 بكى وزير الصحة في 7 أبريل في ندوة صحافية مشتركة مع وزير الداخلية عندما قال إن الوضع خطير بسبب عدم التزام كثير من التونسيين بالحجر الصحي الشامل.

Thumbnail

كلمة حق ربما أريد بها غير ذلك. فوزير الصحة قال مباشرة قبل بكائه حرفيا عن الوضع يومئذ “هي قضية أمن قومي بامتياز وليست المسؤولية لا على الدولة ولا على الحكومة”. ألا يمكن أن نفهم أن الوزير قال إن الشعب وحده يتحمل مسؤولية ما يجري وما سيترتب عليه وأن السلطة في حِل من كل مسؤولية؟ ألا يعد تركيز الصحافة على أن سبب بكائه هو تقصير الناس انحرافا بالمهنة؟

كان يكفي الانتباه إلى أن دولا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لم تُلزم مواطنيها بالبقاء في بيوتهم بل وفرت لهم التحاليل السريعة والكمامات وهي مطمئنة لصلابة بنيتها الصحية عند حدوث الكارثة ليواصل الناس أعمالهم ولتسيطر تلك الدول على تفشي الفايروس وتخرج منه بأخف الأضرار. فالاكتفاء بالنقل أوحى لكثيرين، منهم صحافيون، بأن المخرج الوحيد من الجائحة هو الحجر الصحي الشامل.

وفي مثل هذا الوضع يتبنى الصحافي موقف السياسي وهو يظن أنه يُخبر ناسيا أن الإخبار أشمل من النقل ويتحرر السياسي من المساءلة عن أسباب تردي المنظومة الصحية العاجزة عن التعامل مع النزلة السنوية، فكيف بفايروس كورونا، ومن المساءلة عن غياب الكمامات وعن المضاربات فيها وعن احتكار الكحول لصناعة السوائل المطهرة وعن إفلاس الدولة التي لا توفر إلا نحو500 سرير مجهزة لجائحة قد تلقي بالآلاف في غرف الإنعاش.

ليس الشعب وحده هو المسؤول عن حضور 50 ألف متفرج في ملعب رادس يوم 6 مارس لمشاهدة مقابلة الترجي التونسي والزمالك ولا عن حفلات الأعراس التي أقيمت في فترة الحجر الصحي الشامل ولا عن توزيع المساعدات في مكاتب البريد والناس يتزاحمون ولا عن “حفل” مستشفى سهلول في سوسة وهم متراصون ينصتون إلى وزير الصحة احتفالا بفتح وحدة إنعاش جديدة.

لقد تندر التونسيون كثيرا ببيان نشرته بلدية منوبة في 8 أبريل تعلم فيه السكان أنها غير مسؤولة عن غلق المحلات التجارية الذي نفذته قوات الأمن تطبيقا للحجر الشامل ولم يكن الشعب هو المسؤول عما يبدو أنه تحريض على قوات الأمن. المسؤول عن ذلك كله هي الدولة بتحمل واجبها في إنفاذ القانون وهو واجب الصحافيين في بيان أن الدولة تخلت أحيانا عن مسؤوليتها فهي مسألة جوهرية اسمها المساءلة.

ولن يقدر الصحافي على مساءلة سياسي في السلطة يأتيه بالأخبار ولن يقدر عليها إلاّ متى استقصى ليفهم فيسائل ليُفهِم. كان جوزيف بوليتزر أب الصحافة الحديثة ومنشئ أول معهد في التاريخ لتكوين الصحافيين يكرر لصحافييه أنه “لا ينبغي أبدا الاكتفاء بنشر الأخبار مجردة”.

18