الإعلام الجزائري يدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية

تتصاعد مشاكل قطاع الإعلام الجزائري الذي يعتمد بشكل أساسي على الإعلان الحكومي، في ظل تأزم الاقتصاد وإصرار المؤسسات الرسمية على التحكم في سوق الإعلان والهيمنة على الصحف في الجزائر.
الثلاثاء 2016/01/26
الصحف أمام مصير مجهول

الجزائر- تكافح العشرات من الصحف المطبوعة في الجزائر من أجل الاستمرار وعدم الوصول إلى حائط مسدود بإغلاق أبوابها وتسريح صحفييها وعامليها، أمام شح الموارد المالية وتقلص المساحات الإعلانية الحكومية تحت تأثير الأزمة الاقتصادية التي تخنق البلاد منذ يونيو 2014.

ويبدو أن تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية أفضى إلى تراجع مداخيل البلاد من 68 مليار دولار العام قبل الماضي إلى حوالي 30 مليار دولار خلال العام الماضي. وهو ما انعكس على الصحافة التي تعتمد بشكل كبير على إعلانات الحكومة.

وتخيم حالة من القلق والترقب في أوساط الصحفيين والناشرين في الجزائر، لما ستؤول إليه أوضاع مؤسساتهم الإعلامية على ضوء المؤشرات الخطيرة المتواترة من مبنى المؤسسة العمومية التي تحتكر منذ سنوات الإعلانات الحكومية، حيث تعرف العروض تقلصا حادا نتيجة السياسة التقشفية التي شرعت الحكومة في تطبيقها مع مطلع العام الجاري.

وقال مصدر من المؤسسة لـ”العرب”، إن الوكالة الوطنية للنشر والإشهار (الإعلان) التي كانت تستقبل يوميا حوالي 200 صفحة من طلبات النشر من مختلف الهيئات والمؤسسات في الحالات العادية، تقلصت العروض لديها إلى حوالي 80 صفحة يوميا، وهو ما خلق حالة من الارتباك والتخبط في كيفية توزيعها على الصحف المكتوبة الصادرة في البلاد والمقدر عددها بأكثر من 150 صحيفة يومية.

وتحتكر المؤسسة توزيع الإعلان الحكومي منذ العام 2002 في مسعى من السلطة للتحكم في الخطابات الإعلامية المحلية ومعاقبة المتمرّدين على مشاريع السلطة، وهو ما أثر بشكل كبير على أداء الإعلام الجزائري مقارنة بالخطوات التي قطعها إعلام المنطقة رغم أن عهده مع التعددية والانفتاح يعود إلى نهاية الثمانينات، بالإضافة إلى حالة التمييع الممنهج التي سمحت للدخلاء بالهيمنة على المشهد الإعلامي في البلاد.

مع تقلص حجم الإعلان الحكومي، الوضع يسير حتما نحو إغلاق عشرات الصحف وتسريح مئات الصحفيين والموظفين

وحسب مصادر “العرب”، فإن المؤسسة الحكومية التي ظلت مرتبطة بمراكز القرار النافذة في الدولة لأهميتها في تسيير المشهد الإعلامي تمر بظروف مالية صعبة نتيجة تراكم ديونها لدى المعلنين وتآكل مخزونها، وهو ما دفعها بدورها إلى التأخر عن سداد مستحقات الصحف العالقة لديها.

ورغم محاولات وزير الاتصال حميد قرين التغطية على تبعية المؤسسة لمراكز صناعة القرار في الدولة وخروجها عن صلاحيات ونفوذ الوزارة الوصية، فإن الاستقلالية هي آخر المصطلحات التي يمكن الحديث عنها في الوكالة الجزائرية للنشر والإشهار، بحسب أحد الإعلاميين المخضرمين، الذي أكد أن “المؤسسة لم تكن في أي يوم من الأيام تحت وصاية وزارة الاتصال، فمنذ التسعينات هيمن عليها جهاز الاستخبارات إلى غاية العام 2014، ثم اضطلعت مؤسسة الرئاسة بالمهمة من أجل الاستمرار في نفس الغرض”.

ويبقى سوق الإعلان الحكومي في الجزائر واحدا من التابوهات الكبرى، وتشكل المؤسسة المحتكرة للإعلان الحكومي أحد اللوبيات المالية الكبرى، الأمر الذي أحاطها بجملة من الشبهات والشكوك، خاصة في ظل تسرب صفقات بين مسؤولين في المؤسسة وبعض الناشرين تقدر بمليارات الدينارات، نتيجة غياب الشفافية في توزيع الإعلان على الصحف، والافتقاد إلى سلّم معايير.

وأكد ناشر رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، أن وضع الصحف المكتوبة يسير من السيء إلى الأسوء مع تقلص حجم الإعلان الحكومي، وهو أمر سيؤدي حتما إلى غلق العشرات من الصحف وتسريح المئات من الصحفيين والموظفين، وسيكون قطاع الإعلام أول القطاعات الذي يدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية.

سعيد مقدم: احتكار سوق الإعلان تجسيد لجمهورية "الوكالة الوطنية للنشر والإشهار"

وأضاف “الأمر لا يتعلق بالدرجة الأولى بشح الموارد وإنما بالطرق الملتوية والمشبوهة في توزيع الإعلانات، فالتقشف طبق على بعض الصحف بينما تبقى صحف أخرى تحظى بنفس الحصة والمزايا والأفضلية”.

وتفتقد جل الصحف في الجزائر إلى التوازن المالي نتيجة ارتباطها المباشر بالمؤسسات الحكومية في الطبع والإعلان، ممّا يبقيها دوما تحت ضغوطات السلطة، كما تفتقد لسياسات استشرافية للبحث عن موارد مالية تحقق لها جزءا ولو يسيرا من الاستقلالية.

ورغم تشبع السوق المحلي بأكثر من 150 صحيفة والعشرات من المطبوعات الدورية المتخصصة، إلا أن هذه الوضعية لا تعكس الطبيعة الحقيقية للتعددية والحريات، فباستثناء قلة قليلة، وكلها يسير في خط السلطة ويروج لمشاريعها السياسية بسبب تبعيتها المباشرة للإعلان الحكومي المحتكر من طرف السلطة.

وفي هذا الصدد صرح الإعلامي سعيد مقدم لـ”العرب” أن “احتكار سوق الإعلان في الجزائر يعود لسنوات طويلة، وهو تجسيد لجمهورية (الوكالة الوطنية للنشر والإشهار)، التي ظلت لسنوات طويلة تشكل امتدادا لجمهورية جهاز الاستخبارات”.

وأضاف “مع تفكيك جهاز الاستخبارات وحله يفترض زوال الجمهورية الوهمية المنسوبة للوكالة الوطنية للنشر والإشهار، ليصبح الإعلان حقا لجميع الصحف.

وتعكس حدة تصريح الإعلامي سعيد مقدم، حالة الاحتقان التي تسود المشهد الإعلامي في البلاد، نتيجة الضبابية التي تسير بها المؤسسة الحكومية المحتكرة للإعلان الحكومي، وحتى الضغوطات غير المعلنة التي تتعرض لها الصحف الخاصة، لقطع إمداد بعض الصحف المتمردة على خط السلطة بإعلاناتها.

ورغم خطورة الوضع الإعلامي، تكتفي الحكومة بالصمت وتسجل الساحة اختفاء وزير الاتصال عن واجهة الأحداث في انتظار تقديم قانون جديد للإشهار أمام البرلمان لمناقشته، لكن لا شيء في الأفق بالنظر إلى التسريبات التي تقول إن القانون الجديد لا يتعرض للإعلان الحكومي ولن يعيد النظر لا في احتكار السلطة ولا في طرق التسيير.

18