الإعلام الحزبي وغياب المحاسبة يفاقمان أزمات تركيا

وسائل الإعلام تتجاهل الحقائق التي تضع الحكومة في موقف حرج لأن من يتهم الحكومة قد يُعتبر متآمرا في لعبة كبيرة تستهدف تركيا.
الثلاثاء 2019/11/12
الإعلام التركي يزيف الحقائق خدمة لأردوغان

دخلت تركيا في أزمة جديدة الأسبوع الماضي، محورها هذه المرة أطباق السبانخ في مدينة إسطنبول، بعد أن نُقل أكثر من 100 من سكان المدينة إلى المستشفيات، إثر تناولهم سبانخ ملوثة.

سلطات المدينة قالت إن حالات التسمّم نتجت عن تناول نوع من النباتات كان مخلوطاً بالسبانخ، لكن صحيفة “قرار” اليومية الإسلامية نقلت عن خبراء وسياسيين من المعارضة قولهم إن هذا التفسير لا يبدو منطقياً.

وأياً كان السبب الحقيقي لحالات التسمم تلك، فإن هناك سبباً جيداً لأن نرى في هذه الواقعة نذيراً لتركيا. فقد حدثت واقعة التسمّم بالسبانخ بعد أيام من تسمّم أسرة مكونة من ستة أفراد بسبب تناول غِذاء في مدينة قيصري وسط تركيا. وأدى ذلك إلى وفاة ابنتهم، ذات الأربع سنوات.

في الأسبوع ذاته، نُقل 50 عاملا من أحد مصانع حيّ إسانيورت في إسطنبول بسبب تسمّم غذائي، ثم تكرر الأمر ذاته في اليوم التالي، بتسمم 30 شخصاً.

الأحوال الاقتصادية تتدهور بشكل متسارع. ووصلت إلى وضع سيّئ للغاية نتجت عنه سلسلة من حالات الانتحار منذ العام الماضي، خاصة بين العاطلين عن العمل

وفي الثالث من نوفمبر، ذكرت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية “تي.آر.تي” أن 67 شخصاً نُقلوا إلى المستشفيات بسبب التسمم الغذائي في مدينة أفيون قرّه حصار، الواقعة غربي البلاد.

وتلقى 15 شخصاً العلاج من التسمّم الغذائي في مدينة كيريكال وسط تركيا في الثاني من نوفمبر، بعد أن تناولوا وجبات في أحد المطاعم.

وهناك تقارير عن حالات تسمّم غذائي لعدد كبير من الضحايا، تعود إلى الصيف في مدن إزمير وسفرنبلو وكارابوك ومانيسا وعدد آخر من المدن التركية، بينما أصيب 143 جنديّاً بالتسمم الغذائي دفعة واحدة في مدينة سكاريا في شهر سبتمبر.

وبالعودة إلى ما قبل ذلك، شملت الحالات الأكثر خطورة العام الماضي نقل ألفين وستمئة عامل في أحد مصانع إزمير إلى المستشفى بسبب شبهة تسمم غذائي وإصابات بالجمرة الخبيثة أدت إلى فرض الحجر الصحي في مدن في أنحاء تركيا.

وهذه ليست قائمة شاملة، لكنها تُظهر وجود مشكلة مستمرة تتعلق بمعايير سلامة الغذاء. ويبدو أن المتهم في الكثير من هذه الحالات هو شركات التوريدات الغذائية، التي تورّد الطعام إلى أماكن العمل. في المقابل، ذكرت تقارير أن الجمرة الخبيثة جاءت إلى تركيا بسبب ماشية مستوردة لم تخضع لفحوصات السلامة الكافية.

ومثل هذه التقارير هي إشارة تُنذر بالحاجة إلى رقابة أشد على الأمور المتعلقة بالصحة العامة. لكن غياب المحاسبة في مثل هذه الحالات، وغيرها من أمور الصحة العامة المهمة، تجعل من المرجّح استمرار حدوث مثل تلك الحالات، خاصة في بلد يمكن أن تتبنّى فيه وسائل الإعلام رواية الحكومة لتنفي أي مسؤولية عنها، خشية التعرض لأي مضايقات أو محاسبة بسبب نشر أي أخبار سلبية.

وعلى الرغم من أن باعة السوق بالتأكيد ليست عليهم أي مسؤولية في التسمم، الذي نتج عن تناول السبانخ، فإن الإعلان عن أن أطرافا متآمرة كانت تلعب “لعبة” من خلال السبانخ هو دليل على هذا.

ويلعب الإعلام دوراً كبيراً في هذا، حيث تم تذكيرنا من جديد بحالة تسمم أخرى، كانت هذه المرة أكثر مأساوية.

فقد اكتشفت الشرطة في إسطنبول يوم الأربعاء، جثث أربعة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 40 و60 عاماً، يُعتقد أنهم تسمموا بالسيانيد. وقد وُضعت إشارة تحذير على الباب الخارجي لمنزلهم في حي فاتح في إسطنبول. وجرى الحديث عن أن الشقيقين وشقيقتيهما انتحروا.

وأفاد الجيران بأن الأشخاص الأربعة كانوا يعانون من مشاكل مالية. وأكد هذه الرواية وصول أحد موظفي شركة الكهرباء بعد وفاتهم لقطع التيار عن منزلهم بسبب عدم سداد الفواتير.

لكن وسائل الإعلام الموالية للحكومة بدت غير راغبة في الكشف عن التفسير النهائي لهذه الواقعة، التي تعطي مثالاً واضحاً على الأزمات الاقتصادية التي يواجهها الكثير من الناس.

وبدلاً من ذلك، تساءلت شبكة “سي.أن.أن ترك” في عنوان الخبر عمّا إذا كان الأربعة انتحروا أم أن أحدهم قتل الآخرين قبل أن ينتحر. على الرغم من ذلك، فإن ضابط الشرطة الذي استشهدت به “سي.أن.أن ترك” قال إن جميع الملابسات تشير إلى حالة انتحار وليس أي سيناريو آخر. وطرح الصحافي قائمة من الأسئلة الأخرى كان في مقدمتها ما إذا كان تم العثور على أي نوع من المشروبات الكحولية في المنزل.

في تلك الأثناء اختارت صحيفة “يني آكيت” توجيه اللوم إلى وجود كتاب عن الإلحاد للكاتب ريتشارد دوكينز.

هناك تقارير عن حالات تسمّم غذائي لعدد كبير من الضحايا، تعود إلى الصيف في مدن إزمير وسفرنبلو وكارابوك ومانيسا وعدد آخر من المدن التركية

أما صحيفة “صباح” المقربة من صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث ذكرت أن التقارير التي تتحدث عن معاناة الأربعة من ضائقة مالية تأتي في إطار حملة تشويه.

لكن بعد ذلك بأربعة أيّام، عُثر على أسرة أخرى مكونة من أربعة أشخاص ماتوا جميعاً، هذه المرة في مدينة أنطاليا جنوب البلاد. ومن جديد كان التسمم هو السبب المشتبه به في حالات الوفاة تلك. وكان الفقر هو الدافع المشتبه وراء ذلك. وترك الأب رسالة، قال فيها إنه “لم يعد هناك ما يمكن فعله”. وقد اكتُشفت جثث زوجته وطفليهما في ساعة مبكرة من يوم السبت، ويُشتبه في أنهم ماتوا نتيجة للتسمم.

وعلى الرغم من أن أسلوب الحادثين كان مروّعاً، فإنهما ليسا بعيدين عن بعضهما البعض؛ فقد سلّطت وسائل الإعلام الضوء على معدلات حالات الانتحار في تركيا وقالت إنها مثيرة للقلق منذ عام 2015 على الأقل، عندما كان الفقر هو السبب في 18.1 في المئة على الأقل (وربما أكثر من ذلك بكثير) من حالات الانتحار. وبلغ عدد حالات الانتحار في ذلك العام ثلاثة آلاف ومئة وتسع وثمانين حالة، وما زال المعدّل فوق ثلاثة آلاف سنويا.

الأحوال الاقتصادية تتدهور بشكل متسارع. ووصلت إلى وضع سيّئ للغاية نتجت عنه سلسلة من حالات الانتحار منذ العام الماضي، خاصة بين العاطلين عن العمل، بسبب الشعور باليأس والإحباط.

الأمر المثير للاشمئزاز أيضاً هو أن وسائل الإعلام، التي ما زالت تستقطب أكبر عدد من المشاهدات في تركيا، تتجاهل الحقائق أو تعتّم عليها، إذا كانت تضع الحكومة في موقف حرج. فمن يشير بإصبع الاتهام إلى الحكومة، قد يُعتبر أحد المتآمرين في لعبة كبيرة تستهدف تركيا.

9